لن يعرف أي شخص أهمية ليونيل ميسي بالنسبة إلى برشلونة، إلا إذا زار المدينة المتوسطية وتنقّل بين شوارعها وعاشر أهلها واختبر شغف كرة القدم فيها.

هناك في برشلونة تجول الباصات الحمراء الضخمة بين المعالم السياحية، ومنها ملعب «كامب نو» الخاص بالنادي الكاتالوني. وهناك في هذا الملعب وكل الشوارع المؤدية إليه والمتاجر الرياضية الكثيرة وامتداداً إلى المتحف الخاص بـ»البرسا»، تعلو صورةٌ واحدة واسم واحد على كل أسماء النجوم الذين مرّوا في تاريخ هذا النادي العريق: إنه ليونيل ميسي.
فعلاً فخامة الاسم تكفي، ومصطلح الفخامة يتطابق مع حجم «الهالة الإلهية» التي تحيط بالنجم الأرجنتيني، والتي تزداد لمعاناً مع ارتفاع منسوب الحب له من قبل مشجعي برشلونة. هؤلاء لم يتعرّضوا له يوماً بالسوء حتى في أسوأ الأيام التي عاشها الفريق، فالمعادلة بسيطة وفحواها ممنوع المسّ بميسي.
هو الأمر نفسه الذي طلبه الجمهور دائماً من الإدارات المتعاقبة، إذ يعرفون جيداً أن الرجل لا يُعوّض بعكس كل أولئك النجوم الذين ارتدوا قميص «البلاوغرانا».
ببساطة، جاء الهولندي يوهان كرويف ورحل، جاء الأرجنتيني دييغو أرماندو مارادونا ورحل، جاء البرازيلي رونالدو ورحل، ومن ثم جاء مواطنه رونالدينيو ورحل. لكن ميسي الوحيد الذي لا يمكنه الرحيل ولا يفترض أن يرحل فهو عملياً نادي برشلونة، باسمه، ملعبه، ومدينته.
«ليو» أصبح مرادفاً لكل شيء يخصّ النادي والمدينة، فهو الوجه التسويقي الأثمن للفريق الكاتالوني، وهو الذي رفع دائماً من قيمة الشعب الكاتالوني في خضم مناوشاته السياسية مع مدريد بقيادته للتفوّق على فريقها الملكي. هو الذي لا يراه خصومه بقميصٍ مغاير، إذ حتى مدربه السابق جوسيب غوارديولا الذي لا شك في أنه يتمنى أكثر من أي أحدٍ آخر أن يجتمع به مجدداً، قال إن ميسي لا يجب أن يرحل عن برشلونة فهو خُلق ليلعب لهذا النادي فقط لا غير. لكن يبدو أن القصة انتهت، وما تفاداه الجمهور في الشارع حيث قيل دائماً إنهم لا يزعجون الأرجنتيني خلال تجوّله مع عائلته لكي لا يهجر النادي والمدينة، حصل بالفعل، إذ أن القرار المتخذ بات أمراً واقعاً يجب على الكل التعامل معه.

خسائر رحيل ميسي موزّعة على المدينة والنادي والدوري الإسباني


قرارٌ سيغيّر الكثير في برشلونة، إذ أنه يشكل مفترق طرق على محاور كثيرة، أوّلها أن الوضع الفني الحالي لبطل إسبانيا 26 مرّة يحتاج إلى وجود قائدٍ عالي المستوى ومؤثرٍ في الجمهور لإطلاق عملية بناء الفريق من حوله، وهي عملية قد تحتاج إلى الوقت لقطف ثمار نتائجها، وبالتالي من الصعب إيجاد عزاء للمشجعين سوى بوجود أفضل لاعبٍ في العالم ضمن صفوف فريقهم.
أضف أن مجرد وجود ميسي في فريقٍ مثل برشلونة يعدّ سبباً مباشراً لقبول الكثير من المواهب الشابة قبل النجوم الكبار، فِكرة القدوم إلى «كامب نو» للعب إلى جانبه، وخصوصاً أولئك الذين نشأوا في عزّ تفجّر موهبته فألهمهم للعب الكرة وحلموا باللعب إلى جانبه أو أقله مواجهته تماماً كما قال الكندي ألفونسو ديفيس ظهير أيسر بايرن ميونيخ الألماني عشية لقاء فريقه مع برشلونة في دوري أبطال أوروبا.
وبالحديث عن هذه المباراة بالتحديد يمكن أن نعرف حجم ميسي عند الجمهور، إذ أن مشجعي برشلونة انشغلوا بالنتيجة القاسية (2-8) التي تكبّدها فريقهم، لكنهم نسوا فجأةً مأساة لشبونة بمجرد أن طلب «البرغوث» الرحيل عن النادي حيث أصبح هذا الأمر همّهم الوحيد وشغلهم الشاغل.
خسائر برشلونة لن تُحصى مع رحيل ميسي، إذ أن العقود الإعلانية التي زيّنت «كامب نو» وملاعب التمارين وكل مرافق النادي ستسلك مستقبلاً اتجاهات أخرى، فميسي يُعدّ «سلعة» تسويقية مهمة لأي شركة بالنظر إلى أهمية اسمه في عالم اللعبة الشعبية الأولى وفي الرياضة عامةً.
كذلك، ستُسجّل خسارة كبيرة للدوري الإسباني بشكلٍ عام، إذ بعد رحيل النجم الآخر البرتغالي كريستيانو رونالدو عن ريال مدريد للانضمام إلى يوفنتوس، ستخسر «الليغا» نجماً كبيراً آخر لا يمكن تعويضه حتى لو استقدم برشلونة أفضل 10 لاعبين حاليين لملء الفراغ الذي سيخلّفه رحيله.
هو الفراغ فعلاً الذي خافه محبو كرة القدم دائماً عندما شعروا بأن نهاية مسيرة ميسي ستأتي يوماً لتواجههم بالواقع المرير. هي المرارة لجمهور برشلونة الذي يعلم أن أحداً لن يستطيع ملء المركز الشاغر في الملعب وفي قلوب المشجعين الذين سيستغربون وقوف أي لاعب على الملعب بالقميص الرقم 10 المخطّط باللونين الأزرق والأحمر.
هذا القميص الذي لا يمكن أن يملأه أحدٌ بعد الآن، لا بل يفترض الشعور بالأسف سلفاً على من سيجرؤ على ارتدائه بعد ميسي.