عند كل اختبار تثبت الكرة الألمانية أنها من الأفضل في العالم. كل من يتابع كرة القدم لا يمكن إلا أن يحترم المدرسة الكروية الألمانية، حتى لو كان من غير المشجعين لنادٍ ألماني أو لمنتخب المانشافت. الالتزام والتكتيك واللياقة البدنية العالية، هي الركائز الثلاث التي تعتمد عليها المدرسة الكروية هناك، بخلاف باقي المدارس التي تركز على جزء وتهمل آخر، عن قصد أو غير قصد.

بايرن ميونيخ والذي يعتبر من بين أفضل أندية العالم عيّن الكثير من المدربين خلال السنوات القليلة الماضية، وتحديداً بعد رحيل المدرب الكبير يوب هاينكس. جاء الى بافاريا الإسباني بيب غوارديولا والإيطالي كارلو انشيلوتي ولكنهما عجزا عن تحقيق الكأس الأوروبية الأغلى، إلا أن مدرباً ألمانياً هو هاينز فليك أعاد الاعتبار إلى الألمان، وجعلهم على مرمى مباراتين فقط من حمل الكأس «ذات الأذنين». نجح فليك حيث فشل من سبقه، فأسس منظومة منسجمة وقادرة على الذهاب بعيداً في البطولة الأوروبية بعد تحقيق اللقب المحلي. يبدو بايرن ميونيخ مع فليك منسجماً ومتوازناً جداً، رغم أنه وخلال بعض الفترات كان التخبط سيد الموقف. يُحسب لفليك، الذي كان مساعداً ليواكيم لوف مع المنتخب خلال التتويج بكأس العام 2014، أنه وفي فترة التوقف واصل العمل مع المجموعة، ليحصد النجاحات بعد العودة.
على الطرف الآخر هناك مدرب بروسيا دورتموند السابق والذي يشرف على العارضة الفنية لنادي باريس سان جيرمان الفرنسي، توماس توخيل. المدرب الشاب حقق نجاحاً لافتاً مع دورتموند، فاختارته إدارة باريس ليقودها إلى اللقب القاري، بعد إخفاق مدربين كبار بينهم كارلو انشيلوتي ولوران بلان... توخيل يبدو على الطريق الصحيح، فبعد الفوز بجميع الألقاب المحلية الممكنة، تبقى العين على اللقب الأوروبي الذي صرف من أجله رئيس النادي الباريسي ناصر الخليفي مليارات الدولارات ولكن من دون فائدة. المدرسة الألمانية التي يمثلها توخيل في باريس ناجحة حتى الآن، ولكن تبقى العبر بالخواتيم، رغم أن النادي الباريسي يبدو الأقرب منطقياً لبايرن ميونيخ من حيث الحظوظ للفوز باللقب.
المدرب الألماني الثالث هو ناغلسمان، ويقود ناديا ألمانيا هو لايبزك (تأسس عام 2009). ناغلسمان صاحب الـ33 عاماً بات أصغر مدرب في تاريخ دوري الأبطال يفوز بمباراة في دور خروج المغلوب، كما أنه أصغر مدرب يصل إلى نصف نهائي دوري الأبطال. وللمفارقة فإنها المرة الأولى على الإطلاق التي يوجد فيها ثلاثة مدربين من جنسية واحدة في المربع الذهبي للبطولة الأوروبية. ومن المتوقع أن يتكرر سيناريو عام 2013، ويتأهل ناديان ألمانيان ومدربان ألمانيان إلى النهائي، حيث كان حينها البايرن بقيادة هاينكس، ودورتموند بقيادة يورغن كلوب في المباراة النهائية.

ناديان وثلاثة مدربين ألمان يوجدون في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا لهذا الموسم


مدرب لايبزك لديه مميزات كثيرة ومهمة، وهو يقول إن «التدريب يعتمد في 30% منه على التكتيك، و70% على كيفية التعامل مع الشخصيات، والأمر كله يدور حول العثور على المساحات واتخاذ القرارات المناسبة في اللحظات المناسبة». ويبدو ناغلسمان قادراً على قيادة مجموعة من اللاعبين الشباب، مستفيداً من تقارب الأعمار وبالتالي الأفكار والانسجام.
ومن خلال تألق ناغلسمان وفليك وتوخيل، تستفيد الكرة الألمانية التي عادت بقوة إلى الواجهة. وقال ناغلسمان: «أتذكر دائماً الكلمات من العام الماضي التي تقول إن كرة القدم الألمانية تعرضت للسحق دولياً والتي كانت تتعلق في الغالب بالمدربين الألمان. ولكن الحال الآن أن كل شيء على ما يرام مرة أخرى. لا ينبغي أن نعيش في أقصى الحدود، إنه أمر جيد لكرة القدم الألمانية. إنه مهم أيضاً لكرة القدم الألمانية من منظور الفريق. يجب أن نسعد بوجود ممثلين للكرة الألمانية في المراكز الأربعة الأولى في أوروبا. لنرَ من سيبلغ النهائي».
وقبل موسم واحد، لم يستطِع أي فريق ألماني الوصول إلى أبعد من دور الستة عشر في البطولة الأوروبية، وهو ما خلق ردود فعل غاضبة في الشارع الكروي الألماني حينها، خاصة أن المنتخب في كأس العام الأخيرة في روسيا خرج من الدور الأول.
ومن جهته صرح كارل هاينز رومينيغه الرئيس التنفيذي لنادي بايرن ميونخ لشبكة سكاي إيطاليا في نهاية الأسبوع، أن النجاح الألماني في لشبونة، حيث تقام الأدوار النهائية لدوري الأبطال، أمر «فريد، هذا يظهر أننا نقدم مدربين جيدين في ألمانيا».
إذاً هو نجاح كبير للمدرسة الألمانية في أوروبا، على مستوى الأندية والمدربين، ومهما اختلفت هوية المتوجودين في المباراة النهائية، فإن النجاح سيكون حليف الألمان الذين فرضوا نفسهم رقماً صعباً في القارة العجوز هذا العام.



مسيرة ناغلسمان
المدرب الألماني الشاب ولد في 23 توز/ يوليو 1987، وبدأ مشواره الكروي كلاعب في نادي أف سي لسينغ ومن ثم التحق بفريق أوغسبورغ للناشئين. وفي عام 2002 وقع على عقد احترافي مع فريق ميونيخ 1860، قبل أن يعود في عام 2007 الى أوغسبورغ. لم تطُل مسيرة ناغلسمان اللاعب بسبب الإصابات، فاعتزل وانتقل سريعاً إلى عالم التدريب.
درب ناغلسمان الفئات العمرية في نادي هوفنهايم (تحت 17 عاماً وتحت 19 عاماً)، كما كان له منصب تدريبي في أكاديمية ميونيخ 1860، قبل أن يتسلم في تموز/ يوليو من عام 2016 تدريب الفريق الأول وهو لا يزال حينها في سن 28 عاماً. وقتها أرادت الإدارة تغيير فلسفة الفريق من خلال الاعتماد على الشباب، ولذلك اعتمدت على مدرب شاب قادر على التعامل معهم. وبعد ثلاث سنوات مع هوفنهايم انضم الى لايبزك ليقود النادي الحديث العهد إلى نجاح كبير محلياً وخارجياً.
ومن الأشياء المهمة التي كشفها ناغلسمان أخيراً، هي رفضه تدريب نادي ريال مدريد في عام 2018 بعد تلقيه عرضاً من النادي الملكي.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا