12 عاماً مرّت على آخر قرار اتُّخذ بتعيين مدير فني لبناني على رأس الجهاز التدريبي للمنتخب الوطني. حصل ذلك في مطلع شهر تشرين الثاني من عام 2008 عندما تمّت تسمية اميل رستم للمنصب. بعدها تدهورت الأوضاع وعاش المدرب الوطني وفريق عمله أجواءً صعبة جداً، إن كان في ملاعب التمارين أو في كل ما يرتبط باستعدادات المنتخب. والأمر الواضح أنه في تلك الفترة لم تطلّ كل تلك الأجواء بطريقة عفوية، ولم تفرضها فقط الظروف الصعبة التي تعرفها اللعبة عادةً وتالياً المنتخب في لبنان.

أصبح رستم بعدها خارج صورة المنتخب، وحلّ مكانه الألماني ثيو بوكير، لتنطلق مرحلة جديدة كان عنوانها في محطات عدة فقدان الثقة بالمدرب الوطني، ليتعاقب الإيطالي جيوسيبي جيانيني، المونتينغري ميودراغ رادولوفيتش، والروماني ليفيو تشوبوتاريو على المهمة الوطنية.
خيارات أثارت جدلاً كبيراً منذ وصول وقبل وبعد رحيل كل هؤلاء، اذ انقسمت الآراء غالباً بين داعمٍ أو معارضٍ لهم، لكنّ أحداً لم يتحدث عن دور المدربين اللبنانيين، ولم يبحث في مدى تأثيرهم الإيجابي، إن وُجدوا سابقاً أو حالياً في الأجهزة الفنية الوطنية.
والمدرب الوطني قد يكون دائماً خياراً صائباً بالنسبة إلى الكثيرين، على اعتبار أنه يعرف شؤون اللعبة وشجونها، ويعرف عقلية اللاعبين، وحتى أسرار الكثيرين منهم، والأهم أنه يعرف الحاجات الأساسية للمنتخب بشكلٍ أسرع من أي مدربٍ أجنبي قادم، كونه راقب المنتخب ولاعبيه لفترة طويلة قبل أن يقود المنظومة.
هنا يمكن العودة بلا شك إلى فترة تولي رستم لتدريب المنتخب، حيث وضع الأسس لتلك التشكيلة الناجحة التي حقّقت مع بوكير ما كان بالإمكان اعتباره حلماً، وهو بلوغ الأدوار النهائية للتصفيات المؤهلة إلى كأس العالم 2014. ومن خلال هذا المشهد تبرز أمثلة كثيرة للإضاءة على حالة رستم ومدى أهمية وجود مدرب لبناني في الجهاز الفني، فإن لم يكن المدير الفني لا بدّ أن يكون المساعد وطنياً، وهو ما نادى به كثيرون. ففي فترة رستم، أعاد الأخير النجم يوسف محمد إلى المنتخب بعد حلّ مشكلته مع الاتحاد. وأصرّ على وجود لاعبين لم يأخذوا فرصتهم الدولية بشكلٍ كبير سابقاً، أمثال وليد إسماعيل ومحمود العلي. كما تمسّك بعدم خسارة لاعب بحجم رضا عنتر في ظل الأحداث الغريبة التي حصلت وقتذاك، وأصابت القائد السابق وكادت تدفعه إلى الابتعاد، ومنها ما حرمه من اللعب أمام بنغلادش في التصفيات المونديالية بسبب خطأ إداري غريب ارتبط بعدم إدراج اسمه في اللائحة الآسيوية، بحسب ما أكد عضو الاتحاد السابق جورج شاهين بعد تقاذف المسؤولية وغموض الصورة حول نسخة جواز السفر المرسلة إلى الاتحاد.
حصل هذا الأمر في العام نفسه (2011) الذي تسلّم فيه بوكير المنتخب المشرذم لدرجةٍ أن تشكيلة رستم إلى المباراة الودية في الإمارات ضمّت 16 لاعباً فقط من ثلاثة حراس مرمى. مشاهد عكست أمرين لا ثالث لهما: الأول، أن المدرب اللبناني في تلك الفترة لم يعد مرحّباً به، وثانيها، أن المدرب الوطني نفسه كان قادراً على تذليل عقباتٍ عدة، والأمثلة واضحة.

كان جمال طه هو الخيار الحتمي لتدريب المنتخب بلا أيّ منافس حقيقي على المنصب


وانطلاقاً من النقطة الثانية، وفي زمنٍ صعب تعيشه كرة القدم اللبنانية والبلاد عامةً، يبدو خيار العودة إلى المدرب المحلي وإلى طه تحديداً هو الخيار الصائب بكل المعايير.
وبالتأكيد هناك مجموعة أسباب تؤكد هذه المقولة، أوّلها تلك «النوستالجيا» التي تحضر دائماً عند ربط اسم طه بلبنان (لعب له من عام 1993 وحتى عام 2000، مسجلاً 10 أهداف دولية)، فيعود مشهد «الغزال الأسمر» مرتدياً القميص الرقم 6، ومزيّناً ساعده الأيسر بشارة القائد. هو استحقها بلا شك كما استحق ذاك التكريم الذي خُصّص لنجومٍ كبار مثله. وجاء التكريم الأهم اليوم بمنحه الثقة لقيادة المنتخب، وعن استحقاقٍ أيضاً، كونه سبق أن أثبت نجاحاً في التدريب تحديداً مع الأنصار الذي كان له دور في الأكثرية الساحقة من الألقاب الرسمية التي حقّقها في تاريخه، إن كان لاعباً أو مديراً فنياً، أو مدرباً.
أما المنطق الملموس في هذا الخيار، فهو أن طه عمل مباشرةً مع تشوبوتاريو، وبالتالي فهو بإمكانه استكمال الاستراتيجية التي وُضعت قبل بداية المشوار، وذلك في موازاة زرع بعضٍ من أفكاره الخاصة بما يتناسب مع الخيارات والإمكانات التي ستكون بين يديه في المرحلة المقبلة.
هذا الشرح يعني أن طه كان الخيار الحتمي بلا أي منافس حقيقي على المنصب، وخصوصاً أن مدربي الصف الأول في لبنان يرتبطون بالأندية المختلفة، وهو أمر ينطبق أيضاً على اختيار وسام خليل مدرباً، إذ بعد استعراض لائحة أسماء المدربين الذين يحملون شهادة تدريب «A» من الاتحاد الآسيوي، وعددهم ليس كبيراً، ومعظمهم يعملون أيضاً مع أندية مختلفة، التقى الأخير مع المعيار المطلوب من الاتحاد القاري، ليكون للمرة الثانية ضمن جهاز المنتخب، بعد أن اختبر الساحة الدولية عام 2002 أيام المدرب ريشار تاردي.
وفي الإطار عينه، توقّف البعض عند ابتعاد الثنائي المذكور عن مقاعد التدريب الخاصة بالأندية، لكنهما في الواقع لم يبتعدا عن الملاعب أو عن أجواء المباريات، بل تابعاها عن كثب وبأدقّ تفاصيلها، وذلك بعدما نشطا في تحليلها عبر القناة الناقلة حصرياً للدوري اللبناني، وهو أمر يصبّ في خانة النقاط الإيجابية، إذ يمكن للجهاز الفني تقييم أداء اللاعبين وفق الصورة التي رسمها حول كل واحدٍ منهم من خلال الملاحظات الأسبوعية التي دوّنها كلٌّ منهم.
إذاً هي مرحلة جديدة إلى حدٍّ ما يفترض أن تحاكي ما تبقّى من التصفيات، حيث الأمل ببلوغ المونديال يبدو ضعيفاً، لكن يبقى التأهل إلى كأس آسيا في مرمى الأهداف، ناهيك بالعمل على التأسيس لمنتخبٍ أولمبي عبر الالتفات أكثر إلى المواهب الشابة، وهو أمر أعطاه طه أولوية أيام كان مديراً فنياً للأنصار.