تعدّ كرة السلة الأميركية إحدى أهم الرياضات في السوق، أو إذا صحّ التعبير واحدة من أكثر الرياضات الجاذبة للرأي العام وتحقيقاً للأرباح. رياضة استعراضية بأضواء ملاعبها وبنجومها وبالثقل الإعلامي والإعلاني الموجود فيها.

من هنا، ما إن توقّفت البطولة حتى بدأ البحث سريعاً عن الطرق المثلى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الموسم المجمّد، وتفادي الدخول في نفق مظلم، يحمل خسائر مالية لكلّ من يرتبط باللعبة، ويحوّل ملفات عدة باتّجاه المحاكم الأميركية التي لا ترحم.
وفكرة استئناف الموسم بدت حاضرة منذ اللحظة الأولى لإيقافه في كلام أبرز نجوم اللعبة، والذين رفضوا سيناريوهات محتملة للمرحلة المقبلة وعلى رأس هؤلاء كان نجم لوس أنجليس لايكرز ليبرون جيمس، الذي عارض بشدّة اللعب من دون حضور المشجعين.
وبما أن هناك استحالة لإقامة أي مباراة بوجود الجمهور في المدرجات حالياً، وبما أنه لا بدّ من إنهاء الموسم للإيفاء بالالتزامات والعقود، طفا اقتراح منطقي إلى حدٍّ مقبول يمكن أن ينقذ الموسم، ولو أن الأمر يرتبط بمدى انحسار عدوى «كورونا» في الولايات الأميركية المختلفة.
ويقول الزميل جوزف حبّوش المقيم في العاصمة الأميركية واشنطن، حيث عمد أخيراً إلى التواصل مع مسؤولي بعض الأندية والمدربين، إن حالة ضياع طبيعية تطبع مسار مجموعة من الفرق، منها لا تزال تستعد بصورة فنية ضرورية لاستئناف النشاط، على غرار ميلووكي باكس (صاحب أفضل سجلّ قبل التوقف) الذي يأخذ مسألة التدرّب عن بُعد بشكلٍ جديّ، حيث يبدو مقتنعاً بأن الموسم لن يُلغى أو سيبقى مجمّداً لفترةٍ طويلة. وأضاف في اتصالٍ مع «الأخبار»: «منذ حوالى الأسبوعين، كان مالك دالاس مافريكس مارك كيوبان يقول إن الموسم سيُستأنف في منتصف أيار، لكن فجأة بدّل رأيه أخيراً واعتبر أن لا أحد يملك فكرة عن موعد الانطلاق الجديد».

حجم خسائر الدوري الأميركي سيصل إلى مليار دولار في حال إلغاء الموسم


وتابع: «لقد تحدثت مع أحد مدرّبي فريق أوكلاهوما سيتي ثاندر، وقد كان صريحاً باعتباره أن الأمور معقّدة لإقامة كل المباريات، فإذا أخذنا كمثال مدينة تورونتو الكندية حيث يستقر رابتورز حامل اللقب، نجد أن هناك قراراً رسمياً يمنع إقامة أي حدث عام حتى نهاية شهر حزيران المقبل، ما يعني أن مدينة الفريق البطل لا تستطيع أن تستضيف أي مباراة، وهي مسألة غير طبيعية». وختم: «إذا أخذنا انطباع القسم الأكبر من بين أولئك الذين تحدثت معهم والتقارير التي تحاكي الأزمة بطريقة واقعية، نجد أن الأكثرية وصلت إلى نتيجة واحدة: موسم NBA لن يُستكمل، وهو ما سيفتح الباب على مشاكل جمّة، وأبرزها يرتبط بعقود اللاعبين ومستحقاتهم».

إنقاذ ما يمكن إنقاذه
الدوري الأميركي الشمالي للمحترفين كان ببساطة في طليعة البطولات الكبرى التي تتوقّف في الولايات المتحدة. وهذا الأمر كان طبيعياً بعد اكتشاف الحالة الأولى بين اللاعبين، والتي تمثّلت بلاعب يوتا جاز الفرنسي رودي غوبير، قبل أن تكرّ السبحة ويتخطّى عدد اللاعبين المصابين أصابع اليدين.
هنا بدأت العملية الحسابية التي أفضت إلى أن حجم الخسائر سيصل إلى مليار دولار في حال إلغاء الموسم، لتُضاف نكسة أخرى إلى كرة السلة الأميركية التي فُجعت هذه السنة بمقتل النجم السابق كوبي براينت في حادث تحطّم مروحية.
إذاً اللعبة بحاجة إلى سيناريو ينقذها من الركود الذي تعيشه على المستويين الفني والمالي، وذلك في ظل إدراك القيّمين عليها بأنه سيكون من المستحيل إنقاذ كل شيء، بل إن العمل سينصبّ على إنقاذ أكبر جزء ممكن من الخسائر المتزايدة يومياً، وخصوصاً مع توقف البطولة في مرحلة «الموسم العادي».
وعند هذه النقطة يمكن التوقف، إذ كانت الأمور لتصبح أسهل لو توقفت المنافسات في زمن «بلاي أوف»، حيث كان اللجوء إلى إقامة بقية الموسم بنظام التجمع أمراً مثالياً. وهذه الفكرة أصلاً مطروحة اليوم، وقد حُدّدت مدينة لاس فيغاس المكان الأنسب لترجمتها قبل فوات الأوان، لكن وفق تضحيات وتنازلات من الجميع، منها اقتناع الأندية بضرورة الحصول على عائدات أقل، وقبول اللاعبين بحسم جزء من رواتبهم التي قد تتأثر في الموسم المقبل إذا ما تمّ تخفيض سقف الأجور في محاولة للملمة آثار خسائر الموسم المجمّد.

سيناريو لاس فيغاس الأفضل
ويمكن اعتبار أن سيناريو الاستغناء عن ما تبقى من مباريات الموسم العادي والانتقال إلى «بلاي أوف» مباشرة هو الأفضل. وهنا على الفرق غير المتأهّلة أن تقبل بالحصول على عائدات تحاكي فقط الفترة التي نافست فيها، ومنها عليه أن يستغني عن حظوظه باللحاق بركب المتأهلين.


أضف أن الفرق المتأهلة يفترض أن ترضى أيضاً بنفس الطرح إذا ما تمّ اللجوء إلى تقصير الموسم عبر إقامة سلسلة من خمس مباريات في «بلاي أوف» لا من سبع كما درجت العادة، أقلّه قبل الوصول إلى المحطة النهائية.
كذلك إن القيّمين على كرة السلة عليهم أن يقبلوا بسيناريو لاس فيغاس القادر على أن ينقذهم من خلال تقديم أجواء استعراضية في مكانٍ شبه مثالي لإقامة المباريات. لكن عليهم أيضاً القبول بفكرة خسارة «الدوري الصيفي» الذي اعتاد أن يحلّ ضيفاً على المدينة، والذي اعتُبر مقدّمة لكل موسمٍ جديد لناحية فتح الآفاق التسويقية أمام البطولة والفرق من خلال تشجيع المزيد من المعلنين للدخول إلى الميادين.

خسائر لا مفرّ منها
لكن الأكيد أن الخسائر لا مفرّ منها، فالدوري خسر أصلاً الكثير منذ تلك التغريدة التي أطلقها مدير عام هيوستن روكتس داريل موراي داعماً هونغ كونغ في تظاهراتها ضد الصين. بعدها قال مفوّض الرابطة آدم سيلفر على هامش نهاية أسبوع «كل النجوم» الذي استضافته شيكاغو الشهر الماضي، إن المشكلة مع الصين التي توقفت عن بثّ المباريات ألحقت خسائر بالبطولة وصلت إلى 400 مليون دولار!
وبالتأكيد فإن أي حلّ للبطولة يجب أن يترافق مع حلّ للمشكلة الصينية لتعويض ما فقده الأميركيون في السوق المحلية وتقلّص نسبة الاهتمام بالرياضة وغيرها من البرامج التلفزيونية بعد تركيز العالم على أخبار الوباء المستجد.
لكن أي حلّ يجب أن يكون سريعاً أيضاً حتى لو اضطر الأمر لاستئناف النشاط من دون جمهور في مرحلة أولى، وذلك بانتظار إيجاد الحل النهائي لمعضلة كورونا التي حوّلت الولايات المتحدة إلى بؤرة أساسية لانتشار العدوى.
وبالطبع ستكون هذه العودة مشروطة بإعادة لفت انتباه الأميركيين والعالم إلى الرياضة من خلال حملات إعلانية تصوّب على استئناف المنافسات، وهو ما سيخسّر المنظّمين نسبةً لا يستهان بها من الأرباح التي قد تذهب وسائل الإعلام المرتبطة بعقود مع الرابطة إلى تخفيضها، وخصوصاً في حال تقليص مدة الموسم.
وما لا يعرفه كثيرون في هذا الإطار أن الشبكتين الأميركيتين الأساسيتين اللتين تنقلان المباريات دفعتا ما مجموعه 2.6 مليار دولار للحصول على حقوق النقل حتى نهاية موسم 2420-2025.
مبلغٌ ضخم بلا شك يُضاف إلى عقود الإعلانات التي أفادت تقديراتها بأنها ستخسر 130 مليون دولار في حال إلغاء الموسم، ما قد يدفعها أيضاً إلى المحاكم لإلزام الرابطة أو القنوات الناقلة على دفع تعويضات لها.
وبغض النظر عن كل ما تمّ استعراضه، فإن اعتماد أي سيناريو سيكون منقذاً للدوري، ويترك أملاً بأن الموسم المقبل سيكون أفضل كون الجمود سيؤثر على ميزانيات كل الأندية ويعيدها سنوات كثيرة إلى الوراء، ويغيّر من وجه لعبة اقترنت بالاستعراض والأرباح المالية قبل أي شيء آخر.