انتقلت ملكية نادي إي سي ميلان الإيطالي عام 2017 إلى الصيني يونغ هونغ لي، الذي تعهّد بإعادة النادي اللومباردي إلى الأضواء مجدّداً. لم تكن الطريق معبّدة أمام المالك الجديد لإبرام الصفقة، حيث قام بأخذ قرض من صندوق إيليوت الأميركي بهدف شراء أسهم ميلان من الرئيس السابق سيلفيو بيرلسكوني، غير أنه لم يتمكّن من الوفاء بالالتزامات المالية لتنتقل ملكية النادي إلى صندوق إيليوت الأميركي. ارتفعت التطلّعات حينها مع تسلّم الإدارة الجديدة، التي قامت فور تسلّمها زمام الأمور بالاعتماد على أبناء النادي لشغل مراكز إدارية مهمّة في الفريق. مشروع جديد أعطى مؤشرات على أن العمل سيكون لإعادة ميلان إلى الضوء، غير أن ذلك لم يحدث. الإدارة في صدد القيام بتغييرات شاملة اليوم، ما يعيد التساؤلات حول مستقبل النادي.

كخطوة أولى بعد امتلاكه النادي، قام صندوق إيليوت الأميركي بتعيين إيفان غازيديس في منصب الرئيس التنفيذي قادماً من آرسنال الإنكليزي. اتّضحت معالم المشروع حينها، وسرعان ما تبدّدت الآمال.
يُعرف غازيديس في الوسط الرياضي باعتباره رجل أعمال يهدف إلى تحصيل عائدات كبيرة من خلال الاستثمار باللاعبين الشباب. فقد ساهم خلال الفترة الممتدة بين عامي 2009 و2018 بتغييرات جذرية في هيكلة نادي آرسنال، الذي تراجع مع مرور السنوات إثر اعتماده على تطوير اللاعبين الشباب وبيعهم مقابل مبالغ مضاعفة. أثار تعيين غازيديس موجة غضب بين جماهير ميلان، التي أرادت عودة فريقها بالدرجة الأولى بعد سنواتٍ من الخيبات. لاحتواء الغضب الجماهيري، قامت الإدارة بتعيين أسطورة الفريق باولو مالديني مديراً تقنياً إضافةً إلى تعيين زفونمير بوبان مديراً للكرة، ما هدّأ من غضب الجماهير ولكن لفترة قصيرة...
فور تسلّمهما المراكز الجديدة، بدأ التضارب في الأفكار بين الجهات الإدارية. أراد غازيديس استقدام لاعبين شباب لتطويرهم وبيعهم بمبالغ كبيرة بعد بروزهم، سيراً على أسلوبه السابق في آرسنال، وهو ما عارضه مالديني وبوبان اللذان أعطيا الأولوية لعودة الفريق إلى الواجهة على حساب العائدات. التضارب في الأفكار والمصالح والأهداف دفع بوبان إلى انتقاد ملّاك النادي عبر صحيفة «غازيتا ديلو سبورت» الإيطالية، مشيراً إلى أنهم لا يريدون مساعدة الفريق نهائياً، كما اتّهم غازيديس بتجاهله وتجاهل مالديني في اتّفاقه مع المدرب الألماني رالف رانغنيك (معروف عنه تميّزه في تطوير اللاعبين الشباب)، المرشّح لقيادة الفريق في الموسم المقبل. هكذا، قرر الرئيس التنفيذي إقالة بوبان ومالديني ما يعيد ميلان إلى الضبابية من جديد، في ظلّ تزامن المشاكل الإدارية مع الأزمة المالية وتخبّط النتائج. كل هذه المشاكل والفوضى الحاصلة داخل المنزل الميلاني، من شأنها أن تُدخل الفريق في مزيد من المشاكل والأزمات، وهو ما سيُبعده عن منصّات التتويج لفترة أطول بحسب العديد من المتابعين.

إنتر على الطريق الصحيح
على الجانب الآخر، عرف إنتر ميلانو نجاحاً لافتاً هذا الموسم عكس «نظرة» الإدارة التي أعادت الفريق إلى الطريق الصحيح. رغم الإطراء الكبير الذي يطال مدرّب الفريق أنطونيو كونتي في ظلّ التحسن الفني للمنظومة أخيراً، يعود سبب النجاح بالدرجة الأولى إلى جوزيبي ماروتا، المدير التنفيذي للقطاع الرياضي في إنتر ميلانو.
يعدّ ماروتا أحد أفضل الإداريين في عالم كرة القدم. مسيرة حافلة عرفها الرجل الإيطالي، بدءاً بالإشراف الإداري على أندية صغيرة مثل مونزا وفينيزيا وصولاً إلى أندية النخبة. شكّل عام 2002 علامة فارقة في مسيرته، عندما أشرف على الإدارة التنفيذية لنادي سامبدوريا. سنوات ناجحة عكسها تحسّن مراكز الفريق إضافةً إلى نوعية اللاعبين المستقدمين، ما أعلى من أسهم ماروتا في إيطاليا. ست سنوات برفقة سامبدوريا كانت كفيلة بالعودة على الرجل بفرصة ذهبية، ففي عام 2010، أصبح أندريا أنييلي رئيساً ليوفنتوس، وقام كخطوة أولى باستقدام ماروتا إلى الفريق، الذي أحضر معه باراتيتشي، المدير الرياضي الحالي للبيانكونيري.

يعود سبب نجاح إنتر ميلانو إلى المدير التنفيذي للقطاع الرياضي في النادي جوزيبي ماروتا


عرف ماروتا نجاحاً كبيراً برفقة اليوفي، وكان سبباً رئيسياً في عودة الفريق إلى المسار الصحيح. فقد وقّع مع المدرب الإيطالي أنطونيو كونتي عام 2011 وقام بإبرام العديد من الصفقات شبه المجانية (جاء كل من بيرلو، بوغبا، تيفيز وفيدال مقابل 20 مليون يورو تقريباً)، ما ساهم بعودة اليوفي إلى الواجهة الإيطالية من جديد. ما ميّز ماروتا هو مراعاته لقواعد اللعب المالي النظيف للحؤول دون الوقوع تحت عقوبات «الفيفا». سنوات ناجحة قضاها ماروتا برفقة يوفنتوس انتهت عام 2018، على خلفية قدوم كريستيانو رونالدو، حيث كان معارضاً شديداً للتوقيع مع اللاعب البرتغالي. رغم القيمة الفنية الكبيرة والدعائية لرونالدو، عارض ماروتا إتمام الصفقة متذرّعاً «بإرهاقه» ميزانية النادي في المستقبل ما سيحول دون إتمام بعض الصفقات شبه «المجانية»، بعكس باراتيتشي الذي أيّد الصفقة وما ستعود به من منفعة على الفريق، خاصة من ناحية الخبرة الأوروبية. هكذا، نشب خلاف بين الرجلين، وحُسم فيما بعد بإقالة ماروتا، لينتقل بعدها بأشهرٍ قليلة إلى إنتر ميلانو.
كان الإنتر «مدمّراً» حينها، يمرّ إلى حد كبير بما يمر به إي سي ميلان اليوم. صفقاتٌ عشوائية أبرمتها إدارة الإنتر الصينية لإعادة الفريق إلى الواجهة من جديد، من دون جدوى. تسلّم ماروتا الإدارة التنفيذية للفريق في منتصف الموسم الماضي، واقتصرت قراراته حينها على حرمان إيكاردي من شارة القيادة إثر مشاكله المتكررة مع الإدارة والجمهور، وقد بدأ بممارسة مهامه الطبيعية مطلع الصيف الماضي. تمثلت أولى خطوات ماروتا بإقالة المدرب سباليتي والتوقيع مع الإيطالي أنطونيو كونتي، على أن يحصل على كل الصفقات التي يريدها لإعادة الفريق إلى الواجهة من جديد. خطة واضحة وعناصر ملائمة مع مراعاة قواعد اللعب المالي النظيف، هي أمور ميّزت ماروتا برفقة الإنتر، وعكست مشروعه «المبشّر» للمستقبل في نظر الجماهير. لاعبون مثل سينسي، باريلا، موزيس… جاؤوا إلى الفريق على شكل إعارة مع أحقية شراء، ما حال دون إرهاق الميزانية. ما كان لافتاً، هو دخول باراتيتشي على أغلب صفقات الإنتر في محاولة لتعطيل نجاح ماروتا. كان ذلك واضحاً في محاولة مبادلة باولو ديبالا مع لوكاكو، ولكن الأول فضّل البقاء في يوفنتوس.
هكذا، نجح الإنتر في بناء منظومة متوازنة هذا الموسم مُنسياً الجمهور خيبات المواسم السابقة. باستثناء الإخفاق الأوروبي المتمثّل بخروج الفريق المبكر من دور مجموعات دوري الأبطال، يعدّ الإنتر أحد أبرز المنافسين على الدوري الإيطالي هذا الموسم، وهو ما عكس حسن الإدارة بقيادة ماروتا. موسم واحد أعاد النيراتزوري إلى الضوء مجدداً، بانتظار عودة القطب الثاني من المدينة الذي لا يزال يغرق حتى اللحظة.