مع ختام فترة الانتقالات الشتوية لكرة القدم الصينية عام 2016، بلغت نفقات أندية الدرجة الأولى في البلاد ما يقارب 300 مليون دولار، متفوّقةً بذلك على صافي نفقات أكبر الأندية الأوروبيّة. أرادت الصين من هذه الخطوة تحسين قطاع كرة القدم وتخريج أجيال مواكبة للكرة الحديثة لبناء منتخب قادر على حصد الألقاب قاريّاً وربما عالمياً. رغم كثرة الاستثمارات وحُسن التخطيط، شكّل الفساد العقبة الوحيدة أمام تحقيق أهداف الصين مع ما يترافق من أخطار الصرف العشوائي، غير أنّ سبباً آخر أضرّ بحسابات القيّمين على المشروع الكروي، وقد يُنهي ما تم إنجازه طيلة 4 سنوات. كرة القدم متوقّفة في الصين، كحال أغلب الرياضات، على خلفية تفشّي «فيروس كورونا».

كانت كرة القدم الصينية لعبة ضعيفة قبل الطفرة المالية، بسبب ارتباطها الوثيق بثقافة البلد واهتمامات السكان. لعب الجانب الثقافي حينها دوراً أساسيّاً بابتعاد الصينيين عن رياضة كرة القدم، وتوجّههم نحو رياضات أخرى. عام 2011، كان هناك 7000 لاعب فقط دون الثامنة عشر مسجلين في الاتحاد الصيني لكرة القدم، وهو رقمٌ قد يسجّل في أكاديمية كروية إيطاليّة، أو حي من أحياء ريو دي جانيرو في البرازيل. لم تُعتبر كرة القدم حينها مهنة تؤمن دخلاً مادّياً عالياً رغم ارتفاع الأجور في بعض الأندية الصينيّة الكبيرة، إذ كان متوسّط الدخل في أغلب الأندية الصغيرة قليلاً جداً، ما جعل الآباء يوجّهون أبناءهم للتعليم الأكاديمي العالي، حيث هناك نسبة أكبر لنجاحهم في المستقبل. عدم شعبية كرة القدم هناك كانت بسبب الاتّحاد الصيني أيضاً، الذي رأى أنّ الفرص في تشريف البلاد رياضياً تكاد تكون معدومة من بوابة كرة القدم، لذلك فضّلت الحكومة تقديم تسهيلات ودعم الرياضيين المشاركين في الرياضات الفرديّة الأولمبيّة، التي تمتلك نسباً أكبر لتحقيق الميداليات. بعدها، أراد القيّمون على الرياضة الصينية تحسين قطاع كرة القدم، غير أنّ السياسات العشوائية التي اتّخذها الاتّحاد حالت دون حصول ذلك. عانت تلك الجهات من قصر النظر، ما دفعها إلى اتّخاذ قرارات «غير فعّالة» لتطوير أداء كرة القدم، كالاستعانة بمدرّبين أصحاب أسماء كبيرة في عالم المستديرة لمساعدة المنتخب في البطولات القارّية، مقابل دفع رواتب خياليّة لهؤلاء. رغم ذلك، فشل بلد المليار نسمة في تقديم فرق كرة قدم قوية، أو منتخب قادر على المنافسة قارّياً على أقل تقدير.

كان من المقرر انطلاق الدوري في 22 فبراير/شباط المقبل


إصلاحات كبيرة
اتّخذت الصين بعد ذلك تدابير أكثر فاعلية، إثر تولّي لجنة مكلّفة من الرئيس الصيني شي جين بينغ الإشراف على الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية لكرة القدم الصينية مع مطلع العقد الماضي. بعد إدراكها مدى تدنّي الأداء المحلي في كرة القدم، طالبت اللجنة باتّخاذ تدابير حازمة لعلاج المسألة بهدف نهوض الصين كروياً لمقارعة بقية دول العالم، مع التشديد على وجوب إدخال كرة القدم إلى المدارس بشكل إلزامي. شهدت الأندية الصينية إثر ذلك ثورة في مجال كرة القدم، وقد زاد من ذلك البذخ الكبير للنهوض كروياً. بدأ الأمر بتهافت الشركات الصينية للاستثمار في المجال الكروي، فقامت شركة CMC الصينية بشراء 13% من نادي مانشستر سيتي الإنكليزي، في حين حصل رجل الأعمال وانغ جيانلين على نسبة 20% من نادي أتلتيكو مدريد الإسباني. بعد الاستثمار بالأندية، ارتأت الصين ضرورة إنعاش كرة القدم المحليّة عبر استقدام الكثير من المواهب العالمية مقابل مبالغ خياليّة، فكان لها ما أرادت. رغم انعكاس هذه الخطوة سلباً على معدل الأجور وتأثيرها المباشر في إعادة هيكلة العجلة الاقتصادية، أعطى البذخ في استقدام اللاعبين والمدرّبين من الطراز الأول، مؤشراً جيداً لتطوير كرة القدم الصينية، وأخذ هذا الأمر ينعكس إيجاباً على اللاعبين الصينيين.

تأجيل طويل الأمد
أصبح الدوري الصيني لكرة القدم في غضون سنوات قليلة وجهة معتمدة للعديد من المواهب الشابة، والنجوم المقبلة على الاعتزال، ما ساهم في ارتفاع أسهم هذا الدوري ليقارع دوريات أخرى مثل الدوري الأميركي، البرازيلي أو حتى الفرنسي. رغم تحسّن هذه الرياضة في زمن قياسي، قد تتراجع كرة القدم الصينية مجدّداً إثر تفشّي فيروس كورونا في البلاد. فقد قرّر الاتحاد الصيني لكرة القدم تجميد نشاط كرة القدم، معلناً في بيان رسمي تأجيل مباريات الدوري الصيني بمختلف درجاته إلى أجل غير مسمّى. وأضاف البيان الصادر عن الاتّحاد أنه سيتم تحديد مواعيد المناسبات الرسمية في وقت لاحق، مع الأخذ في الاعتبار كلّ التدابير الأمنية والصحية. وكان من المقرّر انطلاق الدوري في 22 فبراير/شباط المقبل، على أن ينتهى في 31 أكتوبر/تشرين الأول لعام 2020، كما كان من المقرّر أن تُلعب مباراة كأس السوبر الصيني بين بطلَي الدوري (غوانزو) والكأس (شانغهاي) يوم 15 فبراير/شباط المقبل، قبل أن يصدر قرار التأجيل لأجل غير مسمى. إضافةً إلى ذلك، قرّر الاتّحاد الآسيوي تأجيل مباريات الأندية الصينية في دوري أبطال آسيا وإلغاء مسابقة الملاكمة في الصين المؤهّلة لدورة الألعاب الأولمبية ونقلها إلى الأردن.
تسبب فيروس كورونا بوفاة 500 شخص على الأقل حتى الآن (مساء الأربعاء) في الصين، إلى جانب تأكيد إصابة حوالى 25000 حالة بشكل عام في البلاد حسب المؤسسات الصحية الصينية، ما جمّد كرة القدم تفادياً لتفاقم المرض. إلى جانب كرة القدم، تم تأجيل نشاطات العديد من الرياضات في الصين أو إقامتها خارج البلاد، منها كرة السلة، والفورمولا وان والملاكمة، بانتظار الأيام المقبلة التي ستعطي صورة أوضح عن عودة عجلة الرياضة في البلاد.