شكّل قسمٌ من جمهور أندية كرة القدم عصب الشارع في أول أيام «ثورة 17 تشرين»، فارتفعت أعلام فرقه المفضّلة ومعها مطالباته بوضعٍ أفضل للرياضة الأحب إلى قلبه، وطبعاً اعتراضاته على حالات كروية يرى أنها تندرج ضمن مطالب عيش حياة أفضل في لبنان. في تلك الفترة خرق إنجاز العهد بإحرازه كأس الاتّحاد الآسيوي كلّ الجمود الذي أصاب الملاعب الخضراء، وأعطى أملاً بإمكانية استئناف بطولة الدوري العام لأندية الدرجة الأولى في وقتٍ قريب، فهناك في تلك الملاعب يجد الجمهور متنفّساً له وواحةً يشرب منها فرحة انتصارات الفرق التي يشجعها.

انسحب قسمٌ من هذا الجمهور من الشارع بعد مرور فترة على بداية الحراك، لكن القسم الذي بقي لم تسقط من ذهنه مسألة عودة النشاط الكروي، فحضر غالباً في كلامه، وبدا متشوّقاً لعودة الحياة الكروية إلى طبيعتها مهما كان الثمن وأيّاً كان شكل البطولة. لكن بعد فترةٍ أخرى وامتداداً إلى الأيام الأخيرة التي سبقت الموعد المحدّد لإيجاد حلٍّ نهائي للمعضلة القائمة في ما خصّ البطولة، انقسم الرأي حول إمكانية رؤية الكرة تتنقل بين أقدام اللاعبين رغم القاسم المشترك الحاضر وهو يختصر بأمنية وحيدة: عودة عجلة الدوري إلى الدوران.

شوقٌ وسؤال عن الدوري
بين الساحات المختلفة من الجنوب إلى الشمال مروراً ببيروت والبقاع، كان من السهل مصادفة الجمهور الكروي الذي يبادر فوراً إلى سؤالٍ مشترك: هل سيعود الدوري؟ سؤالٌ يقابله آخر حول مدى وجود آلية منطقية لتحقيق هذه الخطوة.
هنا تختلف الآراء الممزوجة غالباً بردود فعل الأندية حول المقترحات التي خرجت عن الاتحاد، والتي ترافقت مع أكثر من كتابٍ وبيانٍ تحاكي ما تفضّله أو تريده هذه الاندية. في ساحة الشهداء في بيروت يعرّف مجموعة من الشبان عن أنفسهم بأنهم من مشجعي نادي الأنصار، فيقول أحدهم إن إلغاء البطولة يستهدف صاحب الرقم القياسي في عدد الألقاب «لأن الأنصار ولو أنه خسر مباراة أمام النجمة، فهو المرشّح الأول للفوز باللقب الذي سيعود إلى خزائنه لا محالة».
طبعاً هذا الرأي يأتي من شعورٍ أنصاري سائد منذ فترة ليست بقصيرة بأن الاتّحاد «لا يهضم» الأصوات الأنصارية التي أبدت مراراً عدم رضاها عن طريقة التعاطي معه، فيقول أحمد، وهو شاب في العشرين من العمر: «لا يهم شكل البطولة عند استكمالها بل نريدها أن تبدأ من جديد لنحتفل بفريقنا البطل».

تبدو أكثرية الجماهير مقتنعة بغيابها عن المباريات في حال استئناف الدوري


وهذا الكلام لا يلتقي أبداً مع ما يقوله شابٌ نجماوي يُدعى خضر، فهو يشدّد على ضرورة عودة الجمهور إلى مكانه الطبيعي أي المدرجات، وذلك في حال استؤنفت البطولة «فلا طعم لها من دون جمهور النجمة الذي يعدّ الوجه الأجمل للعبة في لبنان، ونحن إما نريد مباريات مع جمهور أو فلتبقَ الأمور على حالها». واللافت أن بعض الشبان الذين يرافقونه يؤيدون هذا المطلب بشدّة، فيقولون إنهم انضموا إلى «الألتراس النجماوي» في الفترة الأخيرة، لمواكبة مباريات فرق الفئات العمرية في النادي علّهم يشفون غليلهم بشعورٍ مشابه لذاك الذي اعتادوا عليه خلال تشجيعهم للفريق الأول، وذلك من منطلق شوقهم لرؤية لاعبين بالقميص النبيذي على المستطيل الأخضر.

إشكالية اللعب مع جمهور
يأتي هذا الكلام ليطرح إشكالية كبيرة حول وجود الجمهور في الملاعب في هذه الفترة المضطربة التي تعيشها البلاد، خصوصاً في ظلّ انشغال القوى الأمنية في تأمين الشوارع والساحات تفادياً لانزلاق الوضع إلى ما هو غير المرغوب فيه. وهذه المشكلة كانت حاضرة في مناسبات عدة، إذ لطالما مُنع الجمهور من ارتياد المدرجات لأسبابٍ أمنية أو بسبب عدم وجود إمكانية تأمين العدد المطلوب من رجال الأمن لتغطية المباريات المختلفة وإيصالها إلى برّ الأمان.
ومما لا شك فيه أنه في هذه الفترة يبدو من الصعب فتح الأبواب ببساطة أمام الجمهور، إذ أن وجود جمهورَين مختلفَين في التوجهات السياسية قد يسبّب مشاكل جمّة، لأنه يصعب التحكّم بالهتافات التي قد تستفز طرفاً، وبالتالي تكون الشرارة التي تطلق مشكلة الجميع بغنى عنها اليوم.

(عدنان الحاج علي)

وبالتأكيد وجود الجمهور هو أمر مستحب إلى أبعد الحدود، لكن بعض المشجعين يتحدث بواقعية، وكأنه يعلم مسبقاً أن استئناف البطولة بأيّ شكلٍ لن يلحظ عودة الجماهير إلى المدرجات، فيعطي علاء وهو من مشجعي التضامن صور دليلاً على إمكانية الوقوع في مشاكل من خلال ما تابعه على حدّ قوله في إحدى مباريات الناشئين: «حيث كان من الصعب على القيّمين إيقاف مشكلة وقعت بين لاعبَين وأدّت إلى تضاربهما».
علاء هو الآخر يبدو عاتباً على بعض الأندية التي تتذرع بحسب ما قال بعدم إمكانيتها تأمين المال لمواصلة المنافسة بالشكل المثالي، وخصوصاً أندية الجنوب التي تعدّ خزاناً للمواهب التي استغنت عنها بمبالغ كبيرة لمصلحة الأندية البيروتية، ويضيف «من تسلّم ملفات هذه الأندية لزمنٍ طويل ولم يستطع حتى اليوم إيجاد ضمانة للاستمرارية، اعتبرهم هم سبب المشكلة لأن المعاناة موسمية، وبالتالي كان يفترض عليهم ترك مناصبهم وإفساح المجال أمام غيرهم لإيجاد حلولٍ تفرض الاستقرار المالي».
وعيٌ واضح للمشكلة لدى هذا الشاب كما هو حال قسمٍ من الشبان الذين تواجدوا في صيدا في أحد أيام الآحاد حيث تمّ قطع أوتوستراد الجيّة بالإطارات المشتعلة، فيقول أحدهم: «خلال مروري باتّجاه الجنوب صادفت عدداً من الشبان الذين أعرفهم من وجوههم بفعل وجودنا معاً في مدرجات الأنصار، وما فعلوه لا يساعد على تشجيع فكرة استئناف البطولة إلا اذا كانت ستُلعب في بيروت حصراً». ويعقّب: «لنسلّم جدلاً ان هناك مباراة اليوم على ملعب صيدا البلدي، هل سيستطيع اللاعبون الحضور وسط قطع الطرقات أو حتى المغادرة دون قضاء أكثر من أربع ساعات على الطريق للوصول إلى بيروت؟».
انسحب قسمٌ من جمهور الكرة من الشارع بعد مرور فترة على بداية الحراك


سؤالٌ في مكانه، وخصوصاً في حالة بعض المشجعين الذين يبدو الإصرار لديهم حاضراً لخوض فرقهم مبارياتها على أرضها بعيداً من العاصمة. وفي طرابلس يمكن لمس هذا الأمر بوضوح. هناك على مقربة من ساحة النور حيث يحتشد المحتجون يومياً، يمرّ لاعب طرابلسي يدافع عن ألوان النجمة. هو لم يكن في المكان لمواكبة الاحتجاجات بل مرّ لإلقاء التحيّة على أحد أصدقائه القادم من بيروت، لكن حبّ الطرابلسيين للكرة جعل مجموعة من الشبان الذين يشجعون فريقي طرابلس والأنصار يستوقفونه لالتقاط الصور معه، ولاستطلاع رأيه ومعرفة إذا ما كان قد سمع شيئاً حقيقيا حول عودة الدوري قريباً. بعضهم بادر إلى السؤال بدايةً حول سبب عدم رؤيته في الساحة على غرار أحد زملائه السابقين الذي لم يفارقها في الأسابيع الأولى للحراك، مشجّعاً الناس على التمسّك بمطالبهم وعدم المغادرة. أما البعض الآخر فسأله عن قدرته على الالتحاق بالتمارين اليومية لفريقه، فأجاب متحدّثاً عن معاناة الذهاب أحياناً إلى بيروت في ظلّ قطع أوتوستراد البالما في أكثر من مناسبة. كذلك، وفي خضم الحديث أبدى البعض خشيته من خوض فريق المدينة لمبارياته بعيداً من الشمال «إذ لا يمكننا ترك طرابلس وساحتها حالياً، لكن نستطيع تفريغ أنفسنا لمدة ساعتين لتشجيع فريقنا قبل أن نعود لنواصل ثورتنا».
ولا يختلف الأمر بقاعاً بين سعدنايل وتعلبايا تحديداً حيث يرتدي شابٌ يدعى علي قميصاً رياضياً لأحد فرق الدرجة الثانية في البقاع، فيعرّف عن نفسه بأنه مشجع أنصاري ولاعب كرة في نفس الوقت، ويشير إلى مواظبته على التمارين «لا لشيء، فأنا أعرف أن دوري الدرجة الثانية قد لا ينطلق مجدداً، لكنني أحصل على مبلغٍ بسيط لا يتجاوز الـ 20 ألف ليرة في بعض الأحيان ويساعدني على تأمين قوتي اليومي».
فعلاً غريبٌ، بل هو مدهش أمر شعب كرة القدم، إذ في ظلّ أشدّ الصعاب والهموم الكثيرة التي تطاردهم، لا تزال المستديرة ضمن همومهم، وشوقهم لها قد يوازي شوق اللبنانيين عامةً لخلاصٍ ينتظرونه لأزمةٍ صعبة وغير معروفة النتائج. ولا شك في أن ترقّب الكرويين سيكون كبيراً اليوم للجمعية العمومية المنتظرة علّهم يسمعون خبراً مفرحاً هذه المرّة بعدما أضحت الأخبار السلبية مرادفة لحياتهم اليومية.