غالباً ما يتكتّم رؤساء وإداريّو الأندية على الارقام التي ستصرفها أنديتهم خلال الموسم الكروي. هم يفضّلون عدم الكشف عن الجوانب الماليّة والميزانيّة المرصودة لأسبابٍ مختلفة، منها ما يرتبط بالجهات الداعمة بالنسبة الى البعض، ومنها لإبعاد «مطامع اللاعبين» عن خزائنهم المالية بالنسبة الى البعض الآخر.

يعيش بعض الأندية ظروفاً مالية صعبة (مروان طحطح)

لكن بدا في الفترة الاخيرة أن القيّمين على الاندية لا يجدون حرجاً في الحديث عن الميزانيات المرصودة من قبلهم لموسم (2019-2020)، منها بأرقامٍ دقيقة، ومنها بأرقامٍ تقريبية. وطبعاً يرى البعض في هذه الخطوة مساحة للإضاءة على مشكلة مشتركة تسبّب لهم الإرباك، وايضاً لتوجيه رسائل مختلفة الاتجاهات الى جهات داعمة أدارت ظهورها لهم.
لكن الحقيقة أن الكلام عن الصعوبات المالية يأتي من واقع تعيشه البلاد عامةً على الصعيد الاقتصادي إلى درجةٍ جعلت أحد مسؤولي الاندية يقول بصراحة إن مجموعة من الداعمين لناديه ذهبوا الى الاستدانة لإنقاذ مصالحهم، ومنهم من أغلقها تماماً، والبعض الآخر عاش ظروفاً صعبة بسبب تراكم الديون عليه.
أزمةٌ تعيشها فرقٌ أخرى لناحية ابتعاد المال السياسي عنها بفعل انتفاء السبب عند السياسيين لدعم أندية الكرة، وخصوصاً مع انقضاء الانتخابات وعدم حاجتهم إلى أصوات الجماهير. وهذه الازمة المختلفة الوجوه لا شك في أنها سترخي بظلالها السلبية على المستوى الفني الذي يبدو مع انطلاق الموسم مختلفاً بين فرقٍ وأخرى.
وهنا يقفز الحديث نحو مسألة أساسية، وهي تقسيم فرق الدوري الى ثلاثة مستويات: الاول يضم ثلاثة فرقٍ لا تعيش مشاكل مالية، بل بإمكانها تأمين ميزانياتها الضخمة والمبالغ فيها احياناً، قياساً بواقع اللعبة، وهي فرق الانصار، والنجمة، والعهد. أما المستوى الثاني فيضم الفرق الميسورة التي تعرف كيفية إيجاد التوازن موسماً بعد آخر على الصعيد المالي من دون أن تعيش أوجاع الرأس لناحية اتخاذ خطوات تفوق قدراتها المالية. ويبقى المستوى الثالث الذي يضم تلك الفرق التي تعيش حالة تقشف، وهي التي يمكن أن تكون موجودة في دوامة الهبوط الى الدرجة الثانية.

المستوى الأول
لا يخفى أن الميزانية الاعلى هي تلك التي وضعها نادي الانصار، آملاً إنهاء صيامه المستمر منذ عام 2007 واستعادة لقب الدوري الذي حمله 13 مرة. ميزانية «الزعيم» تقارب 3 ملايين دولار، وهو أمر غير مستغرب في ظل آلية العمل الانصارية، إن كان على مستوى الإعداد للمباريات أو على صعيد التعاقدات التي فرضت رواتب عالية. وفي الشق الاول، وبما أن الادارة تشير دائماً الى أنها تعمل على تأمين أفضل الجوانب التحضيرية للقاءات لتأمين نتائج ايجابية، فإن كل مباراة يمكن ان تصل كلفتها بالنسبة اليها الى 8 أو 9 آلاف دولار بين المصاريف الخاصة بها والاقامة في الفندق وغيرها من الامور اللوجستية.
اما الرواتب فتصل شهرياً الى ما يقارب 100 الف دولار، وهو أمر طبيعي، إذ إن الانصار كان قد تعاقد مع مجموعة من النجوم المحليين والاجانب أصحاب الرواتب المرتفعة وبعقود احترافية، وهي خطة يعتبرها البعض مغامرة، لأن النتائج قد لا تصبّ في مصلحته في نهاية المطاف، بفعل المنافسة الحامية الوطيس الموجودة مع النجمة والعهد.
ويشرح أمين سر الانصار عباس حسن الصورة العامة قائلاً: «طبعاً القيمة المالية التي يدفعها النادي لتعزيز صفوف فريقه ليست كافية، بل هناك عوامل يفترض أن تتوافر لحماية هذا الاستثمار؛ فارتفاع مستوى الدفع المالي يجب ان يترافق مع جوانب اخرى عبر صرف الاموال لتأمين افضل الظروف الفنية، منها مثلاً مواكبة التطوّر التكنولوجي المكلف، لكن المفيد للاطلاع الدائم على حضور اللاعبين وجاهزيتهم، وهو ما تؤمّنه على سبيل المثال اجهزة خاصة تسمح للمدرب بمطالعة البيانات واختيار اللاعبين الافضل للعب في المباريات، وبالتالي تحقيق النتائج المطلوبة». ويضيف: «ببساطة، الميزانية العالية تثمر إذا ما ترافقت مع عمل إداري محترف يحميها».
أزمة مالية مختلفة الوجوه تقضّ مضاجع غالبية أندية كرة القدم


كلامٌ منطقي، لكنّ هناك ظروفاً أخرى ايضاً يمكن ان تقضي على الاستثمار، وهي ترتبط باللاعب نفسه وطريقة عيشه خلال حياته اليومية، وهو الامر الذي يقلق الاندية عامةً.
المهم أنه في موازاة عمل اندية المقدّمة على رفع مستوى التنافس الاداري، احترافياً ومالياً، أسهم ارتفاع قيمة العقود وحجم التعاقدات في تضخّم كبير على الساحة الكروية، فارتفعت ميزانية النجمة الى 1.6 مليون دولار هذا الموسم، وذلك في موازاة العمل الاداري الدؤوب والدقيق لإيجاد التوازن في ما خصّ الرواتب المدفوعة، فكان التخفيض في مكانٍ ما، ودفع المبالغ العالية لأولئك الذين يستحقونها.
في المقابل، ورغم عدم نشاطه الواسع في سوق الانتقالات، قاربت ميزانية العهد تلك الخاصة بالنجمة، وهو أمر معروف، لكون بطل لبنان كان قد ضمّ اليه العديد من نجوم اللعبة في المواسم القريبة الماضية، وكان السبّاق في جذبهم اليه عبر منحهم رواتب لم يكن بإمكان الاندية الاخرى دفعها لمنافسته في السوق، ما منحه بالتأكيد الافضلية الفنيّة عليها، فكانت النتيجة رفع عدد ألقابه الى سبعة في الدوري، منها ثلاثة متتالية.

المستوى الثاني
الخطوات التي اتخذتها «الأحصنة الثلاثة» لمقدّمة الترتيب هي ما يمكن الاشارة اليه للتصويب على ما يمكن أن يفرض فوارق فنية بين فرق المستوى الأول وتلك التي يمكن تصنيفها في المستوى الثاني، وذلك استناداً الى الميزانيات المرصودة من قبل كلٍّ منها.
ويرى رئيس نادي شباب الساحل سمير دبوق أن «حجم الميزانية يؤثر في النتائج الفنية بشكلٍ كبير، إذ إنها تؤّمن للفريق مقعد بدلاء قوياً مثلاً أو تضعه في حالة استقرار نفسي وفني خلال موسم طويل لا يخلو عادةً من التعقيدات».
والساحل الذي تبلغ ميزانيته 550 الف دولار، هو أحد الفرق القليلة التي قاربت الوضع العام بدقّة لناحية سدّ حاجاتها من دون المبالغة في التبذير والتعاقدات، بل خلقت التوازن من خلال إضافة لاعبين تحتاج إليهم فعلاً في تشكيلاتها.
وفي ظل الصعوبات التي تعيشها فرق «المستوى الثاني» لتأمين ميزانياتها والدعم المالي الضروري، بدا الإخاء الاهلي عاليه في وضعٍ شبيه بالساحل لناحية الرقم المرصود، والذي قد يرتفع الى 620 الف دولار وفق الحسابات الاوليّة.
حسابات ينتظر الصفاء أن تكون نتائجها بحجم الرقم الذي وضعه نصب عينيه، ويصل الى 800 الف دولار، وهو رقم يأمل أن يجد الحلول لتأمينه من دون مشاكل، وذلك بعد أن رصد ميزانية غير بسيطة لإعادة ترميم فريقه.
ويدخل البرج ضمن هذه الدائرة بميزانية تقدّر بـ500 الف دولار حتى هذه اللحظة، مقابل رصد جاره شباب البرج بين 370 ألفاً و400 الف دولار لتجديد الإقامة في دوري الاضواء.
في المقابل، سجّل السلام زغرتا تراجعاً على صعيد الرقم الموسمي الذي وصل الى 900 الف دولار في الموسم الماضي، ويُرجّح ألا يتجاوز 600 الف دولار هذا الموسم.

المستوى الثالث
طبعاً، أي تراجع على صعيد الارقام يمكن أن ينعكس بشكلٍ كبير تراجعاً على مستوى النتائج، وهو أمر كان جليّاً في أول مباراة خاضها فريق طرابلس، وفي إطلالتَي التضامن صور والشباب الغازية، إذ إنه لا ميزانية محددة وواضحة بالنسبة الى سفيري الشمال والجنوب. هما أصلاً عرفا فترة مضطربة قبل انطلاق الموسم بأشهرٍ عديدة بسبب صعوبة تأمين الدعم المالي الذي يتمّ البحث عنه بشكلٍ متفرّق في الفترة الحالية، غالباً بطرقٍ تقليدية.
أما الغازية، فإن ميزانيته لن تتجاوز 200 الف دولار، بحسب أمين السر علي حسون، الذي يؤكد أنها «أقل من الموسم الماضي، وهو أمر ليس مفاجئاً، لأنه ليس هناك أي مردود من المباريات ولا أرباح أو رعاة ينعشون الخزينة المالية».
وبعيداً عن كل هذه الارقام والتحليلات الأوليّة، يمكن أن يذلل اللاعبون الفوارق الفنية أو يخلقونها أحياناً، فلا يمكن إسقاط المفاجآت من المعادلة أو استبعاد أي شيء على أرض الملعب، إذ إن التجارب السابقة أثبتت أن المال ليس كل شيء، بل هناك محطات تفرض صورة غير متوقعة تنطلق من رغبة اللاعبين أولاً وأخيراً في تحقيق النتائج الإيجابية والإنجازات.