خلال السنوات الماضية فقد الدوري الإيطالي لكرة القدم الكثير من بريقه. سيطر يوفنتوس محلياً بشكل شبه مطلق، إلى أن برز أخيراً نادي الجنوب، الذي استطاع أن يكون نداً قوياً وينافس حتى الأمتار الأخيرة. الموسم المقبل سيكون مختلفاً، صحيح أن ميلان يعاني، ولكن نادي مدينة ميلانو الآخر أي الإنتر يتحضّر جيداً، ومع المدرب أنطونيو كونتي، المنافسة ستتحول إلى ثلاثية، و«الكالشيو» سيحمل الإثارة والمتعة.

قبل أسابيع قليلة على بداية الموسم الجديد من الدوري الإيطالي، يتزايد الحديث في الصحافة عن أن النسخة المقبلة من الـ«كالشيو» ستكون مختلفة. على مدى ثمان سنوات سيطر فريق السيدة العجوز يوفنتوس على البطولة المحلية. نجح مشروع الرئيس أندريا أنييلي، ولا ينقصه سوى دوري أبطال أوروبا. حكاية التفوق بدأت مع أنطونيو كونتي، مروراً بماسيميليانو أليغري وصولاً إلى ماوريتسيو ساري. الأخير، وعلى ما يبدو، فإن مهمته مغايرة عن مهمة كونتي في السابق، وعن مهمّة أليغري في البدايات. تغير يوفنتوس، وبات هدفه الأوّل هو دوري الأبطال، لكن هذا لا يعني الاستسلام محلياً. بالنسبة إلى الدوري الإيطالي، لم يعاني «البيانكو نيري» في تحقيق هذا اللقب، سوى في الموسم ما قبل الماضي، عندما تعرّض لمنافسة شديدة من نابولي ساري، الفريق الوحيد خلال السنوات الثماني، الذي أثبت معنى المنافسة الحقيقية. اليوم، نابولي بدوره وتحت إشراف «الخبير» كارلو أنشيلوتي، يضع نصب عينيه لقب الدوري. رغم صعوبة هذا الهدف، يسعى أنشيلوتي لتحقيقه، من خلال تدعيم فريق الجنوب الإيطالي، بداية بالتعاقد مع كوستاس مانولاس مدافع روما السابق، وصولاً إلى اقتراب التعاقد مع نجم ريال مدريد وبايرن ميونيخ السابق الكولومبي جيمس رودريغيز بحسب تقارير إعلامية. (الإشاعات كثيرة حول هذا الموضوع)
إلى جانب نابولي يوجد إنتر ميلانو، النادي الذي باع تذاكره الموسمية كلها قبل بداية الموسم، كل هذا بسبب رجل واحد، مدرب يوصف بالعبقري، وباني الأندية الأفضل، أنطونيو كونتي. الأخير، كان بمثابة الـ«حجر الأساس» لنجاحات يوفنتوس المحلية، الحالية والسابقة، كان المدرب الذي انتشل فريقاً مهزوزاً بسبب مشاكل داخلية كبيرة في إيطاليا، ليشكل إلى جانب المدير الرياضي وصديقه جوسيبي ماروتا ثنائياً لا يمكن هزيمته في الكالشيو. كونتي، بمجرد توليه مهمة المدير الفني في إنتر، بدأ التحسن يظهر، روح معنوية، وثقة عالية بالنفس وبالفريق بالنسبة إلى اللاعبين والجماهير. مع وصول أنطونيو، بات اللاعبون الإيطاليون يفضلون الذهاب لإنتر على حساب فرق إيطالية أخرى، وهذا ما شاهده الجميع في صفقة لاعب خط وسط نادي ساسولو الشاب ستيفانو سنسي. الأخير، كانت لديه خيارات عدة، إلّا أن وجود كونتي في إنتر، جعله «لا يفكر مرتين» للعب تحت إشرافه. الأمر عينه حدث مع الموهبة الإيطالية المميزة نيكولو باريلا، اللاعب الذي ارتبط اسمه بعدة فرق إيطالية وغير إيطالية، لعل أبرزها كل من ميلان وإنتر ويوفنتوس في بادئ الأمر. باريلا، اختار إنتر، وانتقل إليه من كالياري، مقابل حوالى 45 مليون يورو.
قوّة كونتي تتمثل في إخراج كل إمكانات اللاعبين الشباب، الفنية، ويحاول تطويرهم بالصورة المثالية. عمل كونتي لا يقتصر على اللاعبين الصغار، لم يتجاوزه إلى محاولة تطوير اللاعبين المتقدمين في العمر، والذين يعتقد البعض أنهم وصولاً إلى القمة. أهم دليل على ذلك الأداء الـ«بطولي» الذي قدّمته إيطاليا في يورو 2016 تحت إشراف كونتي. أسماء ولاعبون ليسوا من الصف الثاني حتى، تمكن كونتي من قيادتهم إلى ربع النهائي.

الثنائي المثالي
منذ منتصف الموسم الماضي، تعاقدت إدارة نادي إنتر ميلانو مع المدير الرياضي ماروتا، الشخص الذي ساهم مع كونتي بنجاح يوفنتوس. القصة يبدو أنها ستتكرر، كونتي ماروتا، الثنائي الذي هزم كبار إيطاليا وسيطر على دوريها. مما لا شك فيه، أن الجماهير آمنت بماروتا كمدير رياضي للنادي. لصاحب الـ62 عاماً تاريخ مميز مع الـ«يوفي»، فهو من انتشل الفريق من القعر، ليصعد به مرة أخرى إلى القمة، من خلال صفقات ناجحة. لاعبون كبول بوغبا لاعب مانشستر اليونايتد، أرتورو فيدال لاعب برشلونة، كارلوس تيفيز لاعب البوكا، باولو ديبالا، أندريا بيرلو، والقائمة تطول. وبالحديث عن الصفقات، فقد بدأ ماروتا عمله مع الإنتر، وأولى الصفقات تمثلت بستيفانو سنسي، كما حاول ضم مهاجم مانشستر يونايتد روميلو لوكاكو، ولكن عقبات كثيرة حالت دون ذلك، ليبدأ التفكير بضم إيدنيسون كافاني من باريس سان جيرمان.

سيكون هناك صراع قوي على اللقب بين إنتر ميلانو ويوفنتوس ونابولي


بعيداً عن الصفقات، أعلن ماروتا رسمياً أن كلّاً من المهاجم الأرجنتيني ماورو إيكاردي ولاعب خط الوسط البلجيكي رادجا نيانغولان هما خارج حسابات كونتي والإنتر في الموسم الجديد. يمكن الوقوف عند هذه النقطة بالنسبة لكونتي، المدرب الذي يفضل الالتزام والوضوح على حساب الموهبة. إيكاردي، وبعد ما قام به الموسم الماضي، وعلاقته المتوترة مع المدرب ومع إدراة النادي، وتصريحات وكيلة أعماله وزوجته واندا إيكاردي التي أثارت الكثير من الجدل، جعل نفسه خارج الحسابات، خاصة مع مدرب كأنطونيو. الأمر عينه بالنسبة للـ«نينجا»، اللاعب الذي ربطته علاقة سيئة مع مدربه السابق لوتشيانو سباليتي، وهذا ما أثار قلق كل من كونتي وماروتا، ليعلن الأخير أن الثنائي البلجيكي والأرجنتيني خارج حسابات النادي في مطلع الموسم الجديد. هذا الأمر يتكرر مع كونتي، ففي تشيلسي حصلت مشادة بينه وبين دييغو كوستا، والأخير خرج حينها من النادي. عند كونتي الانضباط أولاً!
المدرب الإيطالي هو من بين المدربين الذين يعشقون «الأداء القتالي» وهذا ربما ما دفعه للتفكير بلوكاكو، وإيدنيسون كافاني. في تصريح له خلال المؤتمر الصحافي الأول له مع إنتر، ذكر كونتي العبارات عينها التي قالها في يومه الأول في يوفنتوس، «أريد أن أرى قمصان اللاعبين مبللة بالعرق». كلمات، تعني أمراً واحداً، وهو أن المدرب يريد مقاتلين في الملعب وليس لاعبي كرة قدم.

حرب الجنوب والشمال
برأي الكثير من المتابعين، فإن إنتر انضم إلى منافسة نابولي ويوفنتوس على اللقب، وبالتالي فصل جديد من المنافسة بين الجنوب والشمال. هذا الأمر يثير الكثير من الجدل في إيطاليا، علاقة الجنوب بالشمال، واختلاف ثقافاتهم على مر السنين. الجنوب، تعيش فيه الطبقات الفقيرة، كما أنه يتعرض لحرب كبيرة من السلطة المركزية. في إيطاليا هناك نظرة، أن أفريقيا تبدأ من روما، وبالتالي الاهتمام يجب أن يكون فقط في الشمال، حيث الاستثمارات ورؤوس الأموال.
الجنوب للشعب، وهذا ما يشاهده الجميع من خلال النظر إلى مدرجات ملعب سان باولو في نابولي، التي تختلف كثيراً عن مدرجات ملعب سان سيرو والآليانز في تورينو وميلانو. بعد رحيل المدرب ساري عن نابولي، لم تعتقد الجماهير «النابوليتانية» أبداً، أن يأتي يوم ويدرب فيه ساري «فريق ورق الحمامات» كما يصفه أهل نابولي. الجماهير الزرقاء ناقمة على ساري، وهذا أمر طبيعي، نظراً لعدم وجود علاقات وديّة بين هذين الفريقين تاريخياً. وهذا ما أظهره انتقال مهاجم نابولي السابق غونزالو هيغوايين إلى يوفنتوس. لم تتقبل الجماهير ذلك، بل إنها كرهت هداف فريقها الأول، فقط لانتقاله إلى يوفنتوس. ما يجعل الأمور صعبة على نابولي، أن المنافسة أصبحت ما بين ثلاثي، عنصران منه ينتميان للشمال، وستبقى نابولي المدينة الجنوبية الوحيدة التي ستقاتل.

سيتغير اسلوب يوفنتوس تحت قيادة ساري (أ ف ب )

وبالحديث عن المدربين، وصراع إيطاليا الجديد، لا بد من الإضاءة على واحد من أبرز المدربين الإيطاليين، وهو مدرب نابولي كارلو أنشيلوتي. يختلف كارلو عن كونتي في كثير من الأمور، لعل أبرزها طريقة اللعب. أنشيلوتي، يستطيع الدمج بين طريقين للعب، الهجومية والدفاعية، يخلق التوازن والانسيابية بين الخطوط، كما أنه يحب الأدوار الفردية الخالصة، على عكس كونتي الذي يبني أفكاره على أساس المجموعة قبل الأفراد. مدرب ميلان السابق، يريد من كل لاعب أن يقوم بدوره وأن يبقى في مركزه، وهذا ما يجعل اللاعب أكثر نظامية. سنة كارلو أنشيلوتي الأولى في نابولي كانت بمثابة التجربة قبل بداية العمل بشكل فعال أكثر خلال الموسم المقبل. عرف أنشيلوتي الذي يعد من بين أهم وأذكى المدربين في العالم خفايا فريقه، نقاط ضعفه ونقاط قوته. تتحرّك إدارة نابولي في هذا الـ«ميركاتو» بصورة مدروسة، مانولاس أول الصفقات، المدافع القوي الذي يعرف الدوري الإيطالي جيداً بحكم سنواته في روما، والذي سيشكل ثنائياً قوياً إلى جانب السينغالي كاليدو كوليابلي. كلام صحف أيضاً، يؤكّد اقتراب صانع الألعاب الكولومبي جايمس رودريغيز من نابولي، وهذا ما سيؤدي إلى مشاهدة جيمس تحت قيادة أنشيلوتي من جديد. علاقة جيدة تربط كارلو بلاعب ريال مدريد السابق، ففي كل الفرق التي دربها كارلو في السنوات الخمس الماضية، يكون جيمس معه ومن بين أبرز لاعبي فريقه. لعلّ أفضل فترات الكولومبي كانت خلال سنته الأولى في مدريد، تحت قيادة أنشيلوتي. في بايرن، درّب الإيطالي جايمس من جديد، وربما في إيطاليا تستمر هذه القصة الجميلة، لتعيد إحياء جايمس مرة أخرى، وأي بيئة أفضل من نابولي تناسب اللاعب اللاتيني.
سيكون الدوري الإيطالي الموسم المقبل، الدوري الأكثر تنافسياً إلى جانب الدوري الإنكليزي بطبيعة الحال. على الورق، يبدو موسماً إيطالياً واعداً بالكثير من الحماس، والمنافسة ستنحصر بين كل من يوفنتوس وإنتر ونابولي، ولكن، من يدري، ربما يكون هناك حصان أسود، يتقدم من الخلف ويكسر التوقعات.