قبل 4 أعوام وصل المونتينغري ميودراغ رادولوفيتش إلى لبنان للإشراف على المنتخب الوطني، حيث وجد تشكيلة بمعدل أعمارٍ عالٍ، في ظل وجود قسمٍ من اللاعبين الذين كانوا قريبين من سنّ الاعتزال، مثل رضا عنتر، يوسف محمد، وعباس عطوي. الصعوبة كانت واضحة لتعويض خروج أيّ لاعبٍ أساسي ومؤثر من تشكيلة المنتخب. وما زاد هذا الأمر صعوبة، مسألة الإيقافات التي شملت أسماءً موهوبة عدة، على خلفية فضيحة المراهنات الشهيرة، ما قلّص من دائرة الخيارات أمام المدرب الجديد.

من هنا، كانت المهمة الأساسيّة التي وضعها «رادو» لنفسه، نقل المنتخب من جيلٍ إلى جيلٍ، وهو أدرك أن هذه المهمة غير سهلة على الإطلاق، لأن أي نقلة نوعية من هذا القبيل تحتاج إلى خطة عمل طويلة الأمد لا تقلّ عن 10 سنوات، وذلك على غرار ما شهده العالم الكروي في حالاتٍ كثيرة لبلدان باتت أمثولة على هذا الصعيد، على غرار ما فعلت ألمانيا عقب سلسلة من النكسات، ثم بلجيكا التي عادت بقوة إلى الساحة الدولية، وحالياً إيطاليا التي شرعت في العمل على مشروعٍ مشابه.
وتزداد التعقيدات بالنسبة إلى أي مدربٍ أوروبي آتٍ إلى لبنان، عندما يجد دورياً غير محترف، وأنظمة تدريبية قديمة في أغلب الأندية، ومقاربة غير صحيحة في العمل مع قطاع الناشئين، إضافةً إلى بنية تحتية مهترئة لا تصلح للعمل مع اللاعبين، بهدف تطويرهم. حتى إن اللاعبين الموجودين في الخارج لم يتأسسوا في لبنان، ما يعني أن فكرهم الكروي بعيد كل البعد عن ذاك الذي تغلغل في عقول نظرائهم المحليين. عمل رادولوفيتش بجهدٍ، وأحياناً بمجهود فردي، ليرسم ملامح واضحة لمنتخب تمكن من بلوغ نهائيات كأس آسيا التي كانت الحلقة الأخيرة في مشواره مع «رجال الأرز».
اليوم يقف الروماني ليفيو تشيوبوتاريو أمام مهمةٍ مشابهة، هي نقل المنتخب من مرحلةٍ إلى أخرى، إذ إن الواضح، أنّ منتخب لبنان يحتاج إلى الترميم في بعض المراكز، وإلى دماء جديدة تحمله إلى مرحلة أعلى. لكن هذه المسألة لا يمكن أن تُحَلّ بسرعةٍ قياسية، ولو أنه يمكن اعتبار أن تشيوبوتاريو يرث منتخباً واضح المعالم، إذ لا يخفى أن 18 أو 19 لاعباً سيحجزون أماكنهم كالعادة في التشكيلة، ولو أن التجارب التي انطلقت فتحت الباب أمام عددٍ كبير من اللاعبين الذين لا يمكن الجزم بأن المدرب الجديد سيعرف إمكاناتهم من خلال حصصٍ تدريبية محدودة، لتصبّ بالتالي الأفضلية في مصلحة الحرس القديم.
الواضح أن هناك نقصاً بجوانب مختلفة في منتخب لبنان، وهو العمل الذي ينتظر المدرب الآتي حديثاً إلى بيروت، انطلاقاً من تعزيز الجانب التكتيكي للمجموعة التي حققت نقلة نوعيّة على صعيد النضج الفني مع رادولوفيتش. لكن هذا الجانب طبعاً يحتاج إلى متابعة وتحسينات باطّراد، إضافةً إلى عملية تنسيقٍ مع الأجهزة الفنية الخاصة بالأندية، للحرص على انخراط اللاعبين بنوعية تمارين توفّر على الجهاز الفني للمنتخب إضاعة الوقت في مرحلةٍ لاحقة.

يحتاج المنتخب إلى إدخال دماء جديدة في كل المراكز تقريباً


وعلى جانب آخر، يمكن التوقف عند نقص في مراكز مختلفة، إذا ما استعرضت التشكيلة اللبنانية، وذلك انطلاقاً من حراسة المرمى، حيث المطلوب إيجاد أكثر من حارس على مستوى عالٍ، لا لتأمين بدلاء للحارس الأساسي مهدي خليل فقط، بل حتى لخلق منافسة للأخير ترفع من المستوى العام لحراسة المرمى.
مشكلة أكبر قد تلوح في الأفق، إذا ما قرر علي حمام (وبديله زين طحان) الابتعاد عن الساحة الدولية، إذ إن الخيارات لا تبدو واسعة بالنسبة إلى مركز الظهير الأيمن، حيث يبدو المرشّح الوحيد للعب أساسياً، ظهير العهد حسين زين، المُبعد في الفترة السابقة عن المنتخب بقرارٍ فني.
ويبدو الأمر أسوأ بكثير إذا ما جرى التوقف عند مركز الظهير الأيسر، إذ إن وليد إسماعيل كان اللاعب الوحيد الذي يلعب بالقدم اليسرى، ويمكنه شغل المركز المذكور، ما دفع رادولوفيتش سابقاً إلى الاعتماد على نصار نصار الذي أصيب ولم يتمكن من مرافقة المنتخب الى إلعرس القاري.
دفاعياً أيضاً، يبدو جوان العمري قادراً على مساعدة لاعبين شبّان للمشاركة في الدفاع عن ألوان لبنان، إذ إن إدخال أي مدافع شاب إلى التشكيلة الأساسية، مثل خليل خميس، الذي يعدّ أبرز الصاعدين في هذا المركز، يفترض أن يحصل تدريجاً، بالنظر إلى حساسية مركز قبل الدفاع.
بالانتقال إلى الوسط، يحتاج المنتخب إلى تحديد هوية لاعبيه هناك، أي اختيار عناصر لديهم نزعة متشابهة على أرض الملعب في الناحيتين الدفاعية والهجومية، ولو أنه سيكون لكل واحدٍ من هؤلاء اللاعبين دور مختلف. والأكيد أن الأقرب لاختراق هذا الخط، لاعب العهد حسين منذر، الذي يملك مقوّمات دفاعية وهجومية جيّدة، وهو من أكثر اللاعبين تميّزاً على صعيد التمرير الصحيح، إضافةً إلى ظهوره بتطوّر دائمٍ في الموسمين الأخيرين.
أما على طرفي الملعب، فهي مسألة تحتاج إلى وقتٍ طويل للعمل على إيجاد البدلاء للاعبين الحاليين، وتحديداً أولئك الذين لا يتمتعون بمستوى ثابت، وذلك إذا ما كان الهدف نقل المنتخب إلى حقبة جديدة يقودها جيل جديد بعد عامين على أبعد تقدير. وتبقى المشكلة الأكبر التي لا يبدو أن حلها سيحتاج إلى معجزة، وهي إيجاد مهاجمٍ هداف يمكنه صناعة الفارق في المواجهات الصعبة، علماً أن تجربة المنتخب الأولمبي تركت انطباعاً بأنّ مهاجم طرابلس فؤاد عيد، هو الوحيد في لبنان الذي يملك المؤهلات الجسمانية وفكر رأس الحربة والتحركات المطلوبة من دون كرة. لكن الأكيد أنه يحتاج إلى رعاية تدريبية خاصة للارتقاء إلى مستوى أعلى في مسيرته الواعدة حتى الآن.