هو الحديث ذاته يتكرر عند بداية أو نهاية أي موسم في كرة القدم اللبنانية. اللاعبون صغار السن لا يأخذون فرصهم مع الأندية، ومنهم من يقول إن المواهب ليست موجودة أصلاً في لبنان. خلال السنوات الماضية برز عدد من اللاعبين، ولكنهم سرعان ما غابوا عن الواجهة، وهذا الأمر سيتكرر في المستقبل، على اعتبار أن الأندية لا تهتم بهم، وكذلك، هم يظلمون أنفسهم، والأكيد أن المنظومة بكاملها غير احترافية، لذلك النتائج تكون دائماً سلبيّة.

13 آذار/مارس 2016، يومٌ تاريخيٌّ بالنسبة إلى جمهور النجمة. الفريق كان يواجه الحكمة ضمن بطولة الدوري على ملعب بلدية برج حمود، والجمهور كان ممنوعاً من حضور اللقاء، إلا أنه كسر قرار الاتحاد اللبناني لكرة القدم ودخل ليُشاهد لحظةً تاريخيةً ثانية، بالنسبة إلى لاعبٍ ناشئ، يُسجّل هدفه الأول في البطولة، ويعِد بمستقبلٍ رأى فيه النجماويون خاصةً ومتابعو اللعبة عامةً، نسخةً لأحد أبرز نجوم كرة القدم في لبنان. صاحب الهدف كان يوسف الحاج، الذي اختير أفضل لاعبٍ صاعدٍ في الموسم عينه، قبل أن يُصبح حبيس مقاعد الاحتياط، وينتقل من بعدها إلى الراسينغ الذي هبط إلى الدرجة الثانية. بعدها بموسمين، اختير شقيق يوسف، علي، ليحمل الجائزة عينها، وليجلس من بعدها على مقعد أخيه، محروماً من المشاركة مع فريقه على أرض الملعب. وقبل الشقيقان الحاج، ثمانية لاعبين آخرين في السنوات العشر الماضية، اختيروا ليكونوا المواهب الصاعدة بالنسبة إلى الكرة اللبنانية، من دون أن يلعبوا أي دورٍ مع المنتخب الوطني، ومن دون أن يتوّجوا بجائزةٍ أرفع، بل بدا كأن بعضهم لم يملك الموهبة أساساً.
مع نهاية كلّ موسمٍ كروي، يختار «الخبراء» أسماء اللاعبين الذين قدّموا الأداء الأفضل ضمن بطولتي الدوري وكأس لبنان. منذ عشر سنواتٍ إلى الموسم ما قبل الماضي، اختيرت الأسماء التالية عن فئة أفضل لاعبٍ صاعد، في «مهرجان كرة المنار»: قاسم ليلا، علي الرضا علوية، شادي سكاف، علاء البابا، فيليب باولي، حسن كوراني، أليكس بطرس، محمد قدوح، هادي خليل وعلي الحاج. أسماءٌ أخرى اختيرت لتكون مواهب لبنان الصاعدة في مهرجان «الجديد»، كيوسف الحاج (2016)، حسين الزين (2015) وحسن هزيمة (2014). تختلف الأسماء، وشيءٌ واحدٌ يجمع بين جميع هؤلاء: كُلّهم لا يُمثّلون منتخب لبنان.

خرّج العهد جيلاً من اللاعبين الصاعدين قادوا الفريق إلى الفوز بلقب الدوري أربع مرات


يبدو جلياً أن كرة القدم اللبنانية مُقدِمةٌ على مستقبلٍ صعب، مع قرب اعتزال جيلٍ كاملٍ من اللاعبين، وقلّة بروز مواهب مع فرق الدرجة الأولى، وهذا الأمر يتجلّى في نتائج منتخبات لبنان للفئات العمرية وصولاً إلى المنتخب الأولمبي، حتّى المنتخب الأول، الذي لا يضم ضمن صفوفه أيّ لاعبٍ دون 23 عاماً. الأندية باتت تعاني في اختيار تعاقداتها بسبب قلة وفرة النجوم، بل باتت تستقدم اللاعبين اللبنانيين في الخارج، وهو أمرٌ قد يؤدّي لاحقاً إلى فراغٍ في سوق انتقالات اللاعبين.

هل هي مواهب فعلاً؟
لم تعد الأندية اللبنانية تتنافس على اللاعبين الشباب لضمّهم إلى صفوف فرقهم. الأسماء هي عينها تتداول مع نهاية كل موسم، وعادةً، يغلب عليها طابع الخبرة. أمرٌ يبدو طبيعياً طالما أن عدد اللاعبين الشباب في دوري الدرجة الأولى ليس كبيراً، ومن يشارك منهم لا يحظى بالكثير من دقائق اللعب، وبالتالي فإن دورهم ليس مؤثراً، لكن هل المشكلة في أن المدربين لا يُعطون الفرصة لهؤلاء اللاعبين في ظلّ ضغط الإدارات عليهم لتحقيق النتائج الإيجابية؟ أم أن اللاعبين أنفسهم، لا يقدّمون مستوياتٍ مميزّة تدفع مدربيهم إلى الاعتماد عليهم؟
الموضوع يبدو شائكاً، والأمثلة كثيرة، على غرار مهاجم العهد محمد قدوح، الذي لطالما قدّم مستوياتٍ لافتةً في جميع المواسم التي شارك فيها، من دون أن يُعتمد عليه بشكلٍ أساسي إلا أخيراً. في المقابل، زميله الظهير حسين الزين لم يلعب أقل من 16 مباراة في المواسم الخمسة الأخيرة، أي منذ أن كان في الـ18 من عمره، ما يعني أن موهبة اللاعب، قد لا تفرض على مدربه المشاركة الأساسية.
في المقابل، ثمّة لاعبون آخرون، كبعض الذين فازوا بجائزة أفضل لاعبٍ صاعد، لهم دورٌ أساسي مع فرقهم، لكنهم لم يكونوا يوماً من نجوم اللعبة في لبنان، وهو ما يُفسّر عدم تمثيلهم للمنتخب.

الأندية أساس المشكلة
غياب المواهب مشكلةٌ تبدأ من الأندية. صحيحٌ أن ثمة فترات تمر من دون أن تُخرّج اللعبة في أي بلدٍ مواهب كثيرة، وأن بعض الأجيال لا تُقدّم الكثير لأنديتها ومنتخباتها، إلا أن عدم اهتمام الأندية بفرق الفئات العمرية يُساهم بشكلٍ كبيرٍ في تأخّر ظهور اللاعبين الشباب. الفجوة بين دوري الشباب والدرجة الأولى حُلّت مع إلغاء دوري الآمال، بمحاولةٍ لدفع الأندية إلى الاعتماد على اللاعبين الصاعدين في الدرجة الأولى، إلا أن المدربين لم يُوفّروا الفرصة لهؤلاء اللاعبين لتقديم أنفسهم، غالباً بسبب ضغط الإدارات عليهم لتحقيق نتائج إيجابية، من دون التفكير بضرورة بناء فريقٍ ينافس على المدى البعيد، وهو أمرٌ ينطبق بشكلٍ كبيرٍ على الأنصار. وصيف الدوري وكأس لبنان قدّم موسماً جيّداً، لكنه لم يكن ناجحاً، ومعظم نجومه، هم إمّا من الأجانب، أو اللاعبين الذين تخطوا سن الـ25، وهذا أمرٌ يُهدد مسيرة النادي مستقبلاً إن كان يُفكّر في العودة إلى منصّات التتويج، في ظل عدم الاعتماد بشكلٍ شبه كلّي على اللاعبين الشباب، على عكس العهد مثلاً، الذي خرّج جيلاً من اللاعبين الصاعدين قادوا الفريق إلى الفوز بلقب الدوري أربع مرات في المواسم الخمسة الأخيرة.
في مقابلةٍ سابقة، يتحدّث مدرب النجمة الأسبق، الصربي بوريس بونياك، عن لاعب الفريق علي الحاج. يقول إنه موهبة، لكنه يفتقر إلى الأساسيات في اللعبة. يشرح أن مراوغة اللاعبين وتمرير الكرات بشكلٍ سلس لا يُعطي للاعب الإضافة الفنية إذا لم يكن يعرف أين يتمركز على أرض الملعب وما هو دوره حين لا تكون الكرة معه، متى يهاجم ومتى يدافع. بونياك، كان يشرح سبب عدم اعتماده على الحاج بشكلٍ أساسي، ليدخل في عمق اللعبة في لبنان، ويتحدّث عن إحدى أكبر مشكلاتها، وهي عقلية اللاعب اللبناني. بالنسبة إليه، الموهبة موجودة، لكن تطويرها مفقود، لدى اللاعبين تحديداً، ولدى مدربيهم في الفئات العمرية. كلام المدرب الصربي، يُعيد الأمور إلى السؤال الأول، حول ما إذا كان هؤلاء اللاعبون يملكون الموهبة أساساً، أو بالأحرى، حول تعريف الموهبة، والتفريق بين استعراض المهارات، ولعِب كرة القدم مع تطوّر مفاهيم اللعبة. اهتمام الأندية بهذه الفرق، يعني اختيار مدربين على قدر المسؤولية، قادرين على تخريج اللاعبين إلى الفرق الأولى ليكونوا جاهزين لحجز مراكز أساسيةٍ لهم.

للاتحاد دور أيضاً
خطوة إلغاء دوري الآمال كانت واحدةً من أهم ما أقدم عليه الاتحاد اللبناني لكرة القدم في سبيل دفع الأندية إلى الاعتماد على اللاعبين الشباب، إلا أنها ليس كافيةً لفرض هذا الأمر على الفرق. خطّة إنقاذية يستطيع الاتحاد من خلالها أن يُعطي دوراً أكبر للاعبين الشباب، تتمثّل في فرض إشراك لاعبٍ واحدٍ دون 21 عاماً، على الأقل، في التشكيلة الأساسية لأيّ فريق، الأمر الذي يعني ضرورة انتقاء الأندية عدداً من اللاعبين الشباب في جميع المراكز.