سينتهي الموسم الحالي بمشهدٍ كلاسيكي عرفته كرة القدم اللبنانية في الموسمين الأخيرين مع تتويج العهد بلقب الدوري. مشهد توقعه كثيرون بعد انقضاء مراحل قليلة على انطلاق البطولة. وهذا المشهد الذي أصبح معتاداً قابلته أيضاً مشاهد أخرى لم تتغيّر منذ الموسم الماضي، وأخرى استجدّت وستترك بلا شك آثارها على الموسم المقبل، فماذا تغيّر في موسمين؟

البداية من النهاية ومن اللقب العهداوي السابع، وهو لقب مستحق لبطل لبنان رغم علامات الاستفهام التي وُضعت في أحيانٍ كثيرة على ترسانته الهجومية المرعبة وخصوصاً مع تراكم انتصاراته بهدفٍ واحد، وقد بلغ عددها 9 انتصارات.
المهم أنه لم يتغيّر شيء بالنسبة إلى العهد، فهو حافظ على سجله النظيف الذي وصل إلى 46 مباراة متتالية، حتى بات البعض يرى فيه «أنصار الألفية الجديدة» مع بسطه لسيطرته على البطولة، ومعرفة لاعبيه كسب الامتحانات المهمة والارتقاء إلى مستوى التحديات، وهو أمر ظهر منذ المرحلة الأولى عندما فاز على الصفاء بسداسية نظيفة، وأيضاً في المرحلة التي شهدناها في نهاية الأسبوع عندما حسم لقبه بسداسية أخرى وهذه المرة كانت في شباك الاخاء الأهلي عاليه. كذلك، لا بدّ من التوقف عند مسألة مهمة وهي حسم الفريق الأصفر للمباريات المفصليّة أمام خصومه المباشرين، وهو ما جعله يبتعد عنهم فارتاح من الضغط الذي يمكن أن يتسبب بسقوطه في فخ إهدار النقاط.
ورغم الكلام عن تأثّر العهد بغياب المنافسة الحقيقية وتراجع أدائه في بعض المراحل محلياً وآسيوياً، فإن عملية بناء الفريق والعناصر الموجودة فيه يمكن أن تفرز فريقاً أقوى في الموسم المقبل، خصوصاً أن «الأصفر» يزداد شراسةً مع كل لقبٍ يحرزه فيسعى للحفاظ عليه بكل ما له من قوة.
ومشهد السباق إلى الصدارة هو الذي حاز على الكلام الواسع منذ انطلاق البطولة، لذا فإنه يفترض التوقف عند النجمة الذي انكفأ مرة جديدة أمام العهد وبات همّه الوحيد الحفاظ على الوصافة. صحيح أن النجمة تلقى حتى الآن عدداً أقل من الهزائم مقارنة بالموسم الأخير (5 مقابل 3)، لكنه حتى الآن يقف على مسافة أبعد من تلك التي أنهى بها الموسم خلف المتصدر في العام الماضي، حيث يتأخر الآن بفارق 9 نقاط (وقف على بُعد 7 نقاط من العهد في الموسم الماضي).

مشكلة الملاعب لم تختفِ لا بل أصبحت أسوأ هذا الموسم


ويمكن الجزم بأن النجمة تراجع فنياً، حيث عاش خضات إدارية بدايةً ثم أخرى فنية في مرحلة لاحقة. لذا يمكن القول إن المشهد النجماوي لم يتغيّر إلى الأفضل، وهو ما يتطلب ورشة عملٍ صيفية لإعادة الاستقرار إلى النادي وتالياً إلى الفريق. وهذا الأمر من شأنه أن يعيد الأمور إلى نصابها ويضع الفريق في موقف المنافس القوي على اللقب. وحده «شعب النجمة» لم يتغيّر في المشهد العام الخاص بناديه، فبقي عنواناً كبيراً في كرة القدم اللبنانية، وصاحب الكلمة الأقوى في المدرجات التي رفض أن يتركها بعيداً من أي نتيجة سلبية حققها فريقه.
ويقابل المشهد النجماوي آخر أنصاري، لكنه مختلف كونه مجبولاً بالإيجابيات، فالفريق الأخضر حقق قبل المرحلتين الأخيرين 10 نقاط أكثر من رصيده النهائي في الموسم الماضي. لكن هذا ليس كل شيء، فالأنصار قدّم كرة جميلة وبدا الأفضل هجوماً بالأرقام، ولو أنه ابتعد باكراً بشكلٍ أو بآخر عن المنافسة، لكنه وضع الأساس لفريقٍ يتفق الجميع على أنه سيكون الهدف لكل الفرق الطامحة إلى اللقب في الموسم المقبل، خصوصاً إذا ما عالج بعض الثغرات التي جعلته يفقد نقاطاً في مباريات كانت في متناوله.
وإلى ناحية أخرى، يمكن الحديث عن الحضور الجماهيري الذي بدا أفضل من الموسم الماضي، فكان المشهد في صور خلال مباراة التضامن والعهد الدليل القاطع على هذا الكلام، وتحديداً مع امتلاء المدرجات المخصّصة لبطل لبنان الذي بات يملك قاعدة شعبية لا يمكن الاستهانة بها، وهو أمر طبيعي إذ يرتفع منسوب خزانه الجماهيري مع كل لقبٍ يحققه.
وحتى على الصعيد الأنصاري كان بالإمكان لمس حجم ازدياد جمهور الأنصار المستمتع بفريقه، فعاد للمؤازرة بالطريقة الطبيعية أي بغض النظر عن نتائجه أو مركزه، وقد ظهر هذا الأمر جليّاً في مباراة «الدربي» الأخيرة. كما يمكن التوقف عند المواكبة الجماهيرية التي عرفتها الفرق كلّها هذا الموسم، ومنها كان نتيجة عمل إداراتها على استقطاب مشجعيها من جديد إلى الملاعب على غرار ما فعله الراسينغ على سبيل المثال لا الحصر.
وإذا كانت المواكبة الأمنية تغيّرت للأفضل، فإن مشكلة الملاعب لم يتغيّر فيها شيء هذا الموسم لا بل راحت نحو الأسوأ رغم عودة ملعب بيروت البلدي (متأخراً) إلى الحياة. وهذه المشكلة أربكت الاتحاد اللبناني في محطات عدة وأثّرت على عملية تنظيم المباريات وتوقيتها وحضورها الجماهيري وحتى في بعض الأحيان على نقلها تلفزيونياً. ملاعب غير صالحة للعب، أخرى غير مضاءة، وأيضاً ملاعب مغلقة بوجه الفرق. هي معضلة حقيقية لا يبدو أنها ستنتهي سوى من خلال علاجٍ شاملٍ وكامل يريح رواّد الملاعب والعاملين فيها وكلّ من يرتبط باللعبة بأيّ شكلٍ من الأشكال.
وبالحديث عن المشاكل، هناك مشهد آخر لم يتبدّل ربما بسبب اعتياد الفرق عليه، وهو مشهد الاعتراض على التحكيم الذي بلغ ذروته في مراحل كثيرة وسط شكاوى كل الفرق تقريباً ومناداتها بأنها تعرّضت للظلم. لكن الواقع أن التعمّق في الموضوع التحكيمي يعكس نتيجة مبشّرة كون الأخطاء المؤثرة للحكام أقل بكثير مما عرفه الموسم الماضي، وهي نقطة إيجابية إلى حدٍّ كبير يمكنها أن تغيّر من الصورة النمطية التي توتر الجمهور أحياناً قبل وصوله إلى المباريات وخلال متابعته لها في الملعب.
إذاً هو موسمٌ فيه محطات صعود وهبوط وفيه تغييرات كثيرة ونتائج يمكن أن تعطي صورة عمّا يمكن أن يحمله الموسم المقبل، حيث الأمل يبقى قائماً لارتقاء اللعبة إلى مستوى أعلى ما ينعكس إيجاباً على المشهد العام فتنتفي السلبيات لمصلحة الإيجابيات.