يكاد لا يخلو أي أسبوع من دون أن تخوض معظم فرق الدوري اللبناني لكرة القدم مبارياتها وهي منقوصة من عناصر أساسيين، وذلك لسببٍ رئيسي وهو الإصابات التي عصفت بهذه الفرق منذ بداية مشوار البطولة، وأثّرت بلا شك على نتائجها. إصابات متشابهة تعجّ بها عيادات الأطباء والمعالجين الفيزيائيين، والأسباب التي فرضت هذا الواقع هي مشتركة ومتشابهة إلى حدٍّ كبير.

منذ انطلاق الدوري اللبناني، وحتى خلال فترة التحضيرات للموسم الجديد، عجّت العيادات باللاعبين المصابين. لكن التركيز كان في مراحل عدّة على النقص الدائم في صفوف فريق العهد، وهو أمر طبيعي كون الأخير هو بطل لبنان وتصدّر الدوري لاحقاً، رغم أنه لم يخض غالباً المباريات بصفوفٍ مكتملة.
الكلام الذي تناول العهد بكثرة حول هذا الموضوع، تجاهل ربما حالة عامّة تعيشها كل فرق الدوري، إذ تحوّلت الإصابات الكثيرة إلى قاسمٍ مشترك بينها. واللافت أكثر أنّ معظم حالات الإصابة كانت متشابهة بين اللاعبين، وهو أمر لاحظه المعالِجون الفيزيائيّون والأطباء، وقد حذّر بَعضُهم الأجهزة الفنية للفرق حول هذه المسألة، طالبين منهم مراجعة عامة للنظام الكروي والحياتي الذي يعيشه اللاعب يومياً.
إذاً هي قصة ليست طارئة على الإطلاق، بل لها خلفياتها وأسبابها العديدة والواضحة إجمالاً، وقد بقيت الفرق عاجزة في مكانٍ ما عن تفاديها، بفعل انغماسها في النظام العام وجوانبه، والواقع الذي تعيش فيه عامةً من دون أن تتمكن من تغييره لظروفٍ ترتبط بأشياء خارجة أحياناً عن إرادتها، ولو أن بالإمكان لوم البعض منها بسبب ما عاناه لاعبوها، وتالياً بسبب ما عانته في المباريات بغياب عناصر مهمة عنها، أو حتى في التمارين حيث شهدت حصص تدريبية لفرقٍ عدداً خجولاً من اللاعبين لا يكفي لإجراء مباراة تدريبية في ختامها.

الإصابات المباشرة وغير المباشرة
وهنا يجب التفريق بين نوعيّة الإصابات، إذ هناك نوعان يمكن وضعهما في العنوان العريض: الأوّل هو الإصابات الناتجة من الحوادث أو ما يمكن تسميته بالإصابات المباشرة التي تحصل في المباريات أو التمارين، على غرار تلقي الكدمات أو الإصابة بكسور، وهو النوع الذي لا يمكن تفاديه أصلاً لأنه ناتج من ظروفٍ طبيعية ترتبط باللعب أوّلاً.
أما النوع الثاني فهو الإصابات غير المباشرة، والمقصود بها الإصابات العضلية، التي يؤكد المعالجون أن بالإمكان تداركها الى حدٍّ كبير في حال العمل بشكلٍ دقيق ومدروس مع اللاعبين، بعيداً من الوقوع في فخها، علماً بأن هذه الإصابات كانت الأكثر انتشاراً هذا الموسم، وتشابهت بين هذا اللاعب أو ذاك في حالاتٍ كثيرة.

معظم حالات الإصابة هذا الموسم كانت متشابهة بين اللاعبين


ويمكن التوقف بالتأكيد عند النوع الثاني حصراً، وذلك كونه تحوّل إلى مشكلة أساسيّة للفرق اللبنانية ولاعبيها. وتدخل أسباب عدّة في هذا الإطار، منها سوء الإعداد البدني للاعبين قبل الموسم وخلاله، إذ إن فرقاً عدة لا تملك مُعِدّاً بدنياً حتى، ومنها العهد بطل لبنان!
ووظيفة المعدّ البدني أساسية بلا شك لناحية إبعاد اللاعبين عن شبح الإصابات، إذ إن المدرب المختصّ يعلم تماماً حجم القدرة البدنيّة والعضليّة لكل لاعب، ويمكنه العمل على تقوية الجوانب الضعيفة عنده بحيث يصبح الأخير قادراً على الحدّ من التعرض للإصابة. وبحسب ما هو معلوم، تعمل الفرق المتطورة حول العالم على تقوية اللاعبين بدنياً وعضلياً قبل بداية كل موسم بهدف خلق قدرة تحمّل كبيرة لديهم ليتفادوا بالتالي شرّ الإصابة.
كما أن اللاعب نفسه يتحمل في محطات عدة مسؤولية تعرضه للإصابات. وهنا يدخل أسلوب الحياة الخاص للاعب في هذا الإطار، أي سوء التغذية وعدم تخصيص الوقت الكافي للراحة، وهو ما يتعب العضل بشكلٍ كبير، فتظهر الإصابات العضلية بالدرجة الأولى. ويعقّب المعالج الفيزيائي الدكتور أحمد كيلاني على هذه النقطة في حديثٍ مع «الأخبار» بالقول، «يجب تعميم ثقافة الحياة الرياضية الصحيحة للاعبين والتي لا يمكن للمدربين السيطرة عليها غالباً. لذا على اللاعب أن يعرف أن عدم التزامه خارج الملعب بأمورٍ أساسية يمكن أن يتسبب في إصابته».
ويشرح كيلاني عن أسباب كثرة الإصابات وتشابهها عبر إحصائية، فيقول إن «80% من اللاعبين في أوروبا يتعرضون للإصابة في المباريات لا خلال التمارين، إذ يدخل عامل إضافي يزيد من خطر التعرّض للإصابة وهو عامل التوتر الذي يلتقي مع ارتفاع مستوى الأدرينالين في الجسم».
نقاط أخرى مهمة بهذا الخصوص يضيفها المعالج الفيزيائي في منتخب لبنان إيلي متني بحكم معايشته لأبرز لاعبي الدوري في الأعوام الأخيرة، فيقول لـ«الأخبار»، «لا يفترض أن تكون نسبة الإصابات في التمارين مرتفعة الى هذا الحدّ كما هي الحال في لبنان، وهذا الأمر يأخذنا للحديث عن نقطةٍ إضافية وهي نوعية التمارين التي يجريها اللاعبون، والتي تلعب دوراً رئيساً في ارتفاع نسبة الإصابات أو انخفاضها في هذا الفريق أو ذاك. كما يدخل أيضاً سبب أساسي آخر، وهو الجهد الذي يمارس على اللاعب، وخصوصاً المميز، إذ إن هذا النوع من اللاعبين محدود في الفرق، وبالتالي يعتمد عليهم المدربون أكثر من غيرهم، فيفتقرون الى الراحة التي تؤمن حماية للعضلات عادةً». ويتابع، «حتى نوعية الحذاء وأرضية الملعب لها دورها في هذا الإطار وينتج منها إصابات عضلية».

العلاج الخاطئ
باختصار، أكثر أنواع الإصابات غير المباشرة التي انتشرت لدى الفرق اللبنانية كانت التمدد في العضلات والتمزق في العضلة الخلفية للفخذ، والإصابة في العضلة الضامة وفي ربلة الساق.
ويشدد المعالجان على أهمية العلاج الصحيح لعدم تجدد الإصابة، إذ إن بعض اللاعبين يلجأون الى الحقن (مثل الكولاجين) للعودة الى الملاعب سريعاً، فتعاوده الإصابة بعد وقتٍ قصير أو يعجز عن إكمال المباراة. وللمدربين دور في هذا الإطار، فإذا كان اللاعب يستعجل عودته تفادياً لخسارته مركزه الأساسي أو للدخول ضمن تشكيلة فريقه والحصول على المكافآت مثلاً، حتى لو شارك لوقتٍ قليل، فإن على المدرب التنبّه لهذه المواضيع وعدم الإصرار على إشراك لاعبٍ مصاب لأنه قد يخسره لفترة أطول لاحقاً مع عودته الى دوامة الإصابة نفسها، وقد عجّت العيادات بلاعبين عانوا من هذه المشكلة خلال الموسم الحالي.
كما يشير متني الى أن «الإصابة في الرباط الصليبي انتشرت بكثرة هذا الموسم بسبب سوء أرضية الملاعب، وخصوصاً للاعبين عانوا منها على الملاعب الاصطناعية بسبب نوعية هذه الأرضية المحشوّة بالكاوتشوك وحيث الخطورة أكبر بكثير لإصابة اللاعب بالتواء في الركبة، مقارنةً بملاعب العشب الطبيعي». ويختم، «خلال وجودنا مع المنتخب في الفترة الأخيرة، لاحظنا تشابهاً في الإصابات التي نالت من عددٍ من اللاعبين، على غرار الالتهابات في أوتار الحوض، والتي لم يشفوا منها في الفترة المفترضة للشفاء، وذلك بسبب تلقيهم العلاجات بطريقة خاطئة».
بدوره، يؤكد كيلاني أن الأخطر من كل هذا «هو عدم التأكد من الشفاء تماماً قبل المشاركة في اللعب، فتصبح مشكلة الإصابة أكبر في وقتٍ لاحق وتهدد موسم اللاعب، إذ في بعض الحالات فإن الإصابات التي تحتاج الى 4 أو 5 أسابيع للشفاء، تمتد فترتها الى أكثر من شهرين».
إذاً هي مشكلة عامة تبدأ من النظام الفني العام التي تغوص فيه الأندية، وتمرّ باللاعبين أنفسهم ثم بمعالجيهم. لكن الأكيد أن عدم الخروج من هذا النظام وإحداث تغيير عام على صعيد فهم الثقافة الخاصة بالإصابات، سيزيد من هذه المشكلة ويضرّ بالفرق ولاعبيها، وتالياً بالمنتخبات الوطنية التي تحتاج إليهم وهم بكامل إمكاناتهم البدنية.