خَطف اللاعب الإيطالي ماريو بالوتيلي، مهاجم نادي أولمبيك مارسيليا، الأنظار عند تسجيله هدفاً في شباك سانت إيتيان على ملعب «فيلودروم» الأحد الماضي. إلا أنّ بالوتيلي لم يجذب الانتباه بسبب الهدف، بل بسبب طريقة احتفاله. ولأنّ النجم الإيطالي دائماً ما يبتكر طرقاً لافتة لشدّ الأنظار إليه، توجه نحو أحد المصورين وأخذ منه هاتفه المحمول الذي تركه معه، وقام بتصوير احتفاله مع زملائه وحمّله على خاصية «الستوري» في حسابه الخاص على الانستغرام. لقطةٌ طريفة من النجم الإيطالي تظهر كيفية تحوّل مواقع التواصل الاجتماعي إلى جزءٍ لا يتجزأ من حياة اللاعبين.

ليس بالوتيلي أول لاعب كرة قدم يسجل هدفاً ويصوّر فيديو مباشرةً من الملعب وينشره على حسابه الخاص، إذ سبق أن التقط فرانشيسكو توتي، قائد روما السابق، صورةً له وهو يحتفل بعد تسجيله أمام لاتسيو في الديربي عام 2015. اللافت في هذا الأمر هو حرص لاعبي كرة القدم في السنوات الأخيرة على الاهتمام بالطريقة التي يظهرون بها على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما حطّمت الأخيرة الجدران والحواجز بينهم وبين جماهيرهم. باتت المنافسة بين لاعبي كرة القدم لا تقتصر على ما يفعلونه مع أنديتهم فحسب، بل وصل الأمر إلى حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت مقياساً لحجم الشهرة التي يتمتعون بها. سابقاً، كان نجوم كرة القدم يعتمدون على وكالات خاصة لإدارة صفحاتهم الخاصة، إلا أنّ هذا الأمر تغيّر اليوم بعدما اختار الكثير من اللاعبين التحكم في حساباتهم بأنفسهم، لينتج منها محتوًى أكثر عفوية وتفاعلاً مع الجمهور. أصبح اللاعبون يشاركون تفاصيل حياتهم اليومية وصورهم الشخصية والعائلية بشكل يومي مع ملايين المتابعين، إلا أنّ هذا الأمر لا يعني أنّ صفحاتهم مخصصة لإطلاع المعجبين على الجانب الآخر من حياتهم فقط، بل لديها جانب تجاري وإعلاني يدرّ عليهم ملايين الدولارات سنوياً، وهذا يتوقف طبعاً على عدد المتابعين لديهم.

اختار الكثير من اللاعبين التحكم في حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي بأنفسهم


أهمية ظهور اللاعبين على «السوشال ميديا» لم تتوقف عند هذا الحدّ، إذ أصبح العديد من الأندية يأخذ في الحسبان شخصيّة اللاعب والصورة التي يظهر بها على صفحته الخاصة، قبل الإقدام على التعاقد معه. طوّرت الأندية فِرقاً داخلية لإجراء أبحاث قائمة على رصد ومراقبة نوع المحتوى الذي ينشره اللاعب، والوقت الذي يتصفح فيه حسابه، وطريقة تفاعله مع الجمهور أو مع زملائه، إلى جانب العديد من العناصر الأخرى. والهدف من ذلك يكمن في الحصول على صورة عامة للاعب، وعمّا إذا كان تعاقداً مناسباً وقادراً على الاندماج مع الفريق الجديد.
إلى جانب ذلك، أصبحت الأندية تعمل على وضع حدود معينة أو نوع من الرقابة على استخدام لاعبيها للتكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما بعدما دفع بعض اللاعبين ثمن تهورهم وسوء استخدامهم لها. تجلى ذلك في حالة لاعب نادي غلطة سراي التركي سردار عزيز الذي تظاهر بالإصابة، فأعفي من خوض مباراة مع فريقه في الدوري، لتقوم زوجته بنشر صورته بعد 12 ساعة من المباراة وهو في جزر المالديف، ما أدى إلى وضعه على قائمة الانتقالات، على رغم ارتباط اللاعب بعقد مع النادي حتى عام 2020!
لكنّ الحال ليست هكذا مع الجميع، إذ نجح العديد من اللاعبين في ترجمة نجاحهم على أرض الملعب إلى نجاحٍ أيضاً في الفضاء الرقمي. ويُعدّ النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو «ملك» مواقع التواصل الاجتماعي وأكثر الرياضيين متابعةً على جميع المواقع، بعدد متابعين يتجاوز 355 مليون شخص، متخطّياً بفارقٍ شاسع بقية نجوم الكرة. يملك حساب رونالدو على تويتر متابعين أكثر من حسابات برشلونة، وريال مدريد، ويوفنتوس مجتمعةً، ولذلك فهو يتقاضى على التغريدة الواحدة ما يفوق 300 ألف دولار. كما أنه نجح أخيراً في أن يصبح الشخص الأكثر متابعةً على الإنستغرام برصيد 157 مليون متابع. ويستغلّ رونالدو قوّة حضوره على هذه المواقع لجني أرباح هائلة عبر التسويق والترويج للعديد من العلامات التجارية، لتبلغ قيمة المنشور الواحد من رونالدو على إنستغرام 750 ألف دولار، في حين يجني البرازيلي نيمار 600 ألف دولار، والأرجنتيني ليونيل ميسي 500 ألف دولار. فايسبوك وتويتر وانستغرام ليست المنصات الوحيدة التي يحضر فيها اللاعبون، إذ يبرز الإنكليزي رحيم ستيرلينغ، مهاجم مانشستر سيتي، بشكلٍ مختلفٍ عن زملائه، بعدما أنشأ قناته الخاصة على يوتيوب. ويشارك ستيرلينغ مقاطع فيديو مع متابعيه تضم تحديات كرة قدم مع أصدقائه، إلى جانب جولاتٍ في سيارته مع شخصياتٍ معروفة، تتميز بطابعٍ فكاهي ومرح.
إلا أنّ اللاعبين ليسوا وحدهم من يعملون على تحسين صورهم في العالم الرقمي، فالحسابات الرسمية للأندية تعتمد استراتيجيات تسويقية ــ إعلامية أيضاً لتوسيع قاعدة المعجبين، من خلال الحرص على تحديث محتواها بشكلٍ دائم وإنشاء أكثر من حساب بلغات متعددة. أصبح هناك ثقافة رقمية أوسع وإلمام أكبر بمستلزمات الحضور على مواقع التواصل الاجتماعي، لجذب الرعاة والمستثمرين إلى النادي. يمكن اعتبار هذه المنصات سلاحاً ذا حدّين، فهي تساعد الأندية واللاعبين على التحكم بصورتهم أمام الجمهور والتقرب منهم إلى جانب الاستفادة المادية، في حين أنها قد تسبب لهم العديد من المتاعب في حال أساؤوا استخدامها.