ضجةٌ كبيرة أُثيرت بعد فشل منتخب لبنان لكرة السلة في التأهل إلى كأس العالم 2019. ضجةٌ لم يكن هناك أيّ داعٍ لها بالنسبة إلى قسمٍ من المتابعين من كثب لتفاصيل اللعبة في الملاعب والمكاتب منذ فترة ليست بقصيرة. إذ بالنسبة إلى هؤلاء، ما حصل كان نتيجة حتمية لمجموعة مشاكل متراكمة، منها الإداري ومنها الفني، وذلك بفعل تغيّر الأحوال والظروف مقارنةً بالفترة الذهبيّة التي عرفتها اللعبة وانعكست نتائج مميزة على الساحتين الآسيوية والعالمية.

العودة بالذاكرة تأخذنا مباشرة إلى أول ذكرى جميلة تمثّلت ببلوغ المنتخب نهائيات كأس العالم 2002. حينها، كان ما حصل نتيجة حتميّة لاجتهاد جيل ذهبي بنى سمعة على صعيد النوادي لسنوات طويلة، فحصد تلك الخبرة الضرورية من خلال المشاركات المتواصلة للأندية، عربياً وآسيوياً، حتى إن بعض اللاعبين النجوم دافعوا عن ألوان أكثر من نادٍ في موسمٍ واحد، إذ غالباً ما أُعير بعضهم لممثّل لبنان في بطولة الأندية الآسيوية على سبيل المثال. وهنا كان الولاء الأول والأخير للعبة ولسمعتها، وتالياً لمنتخبها. في تلك الفترة، كان أي لاعبٍ من الحكمة لاعباً متاحاً للدفاع عن ألوان الرياضي مثلاً، والعكس صحيح.

تشكيلة 2006 كانت تعج بالنجوم (أرشيف)

أما نتيجة الخبرات المتراكمة والنجاحات على صعيد الأندية، فكانت الثقة بإمكانية تحقيق شيء كبير مع المنتخب في فترةٍ كانت فيها الأمور أصعب بكثير من الزمن الحالي، إذ إن منتخبين فقط كانا يمثلان آسيا في المونديال، وكان لبنان أحدهما، وهو الذي بلغ نهائي بطولة آسيا ثلاث مرات، ووقف ندّاً للصين وعملاقها ياو مينغ أوّلاً، ومن ثم واجه الإيرانيين ومجموعة مواهبهم التي سرقت الأضواء في القارة الصفراء.

ذكريات المونديالات والمجد
مع المدرب الأميركي جون نيومان، أطلّ أولئك الذين طبعوا اللعبة بطابعهم الخاص منذ منتصف التسعينيات وحتى مطلع الألفية الجديدة، أمثال فادي الخطيب وإيلي مشنتف وغازي بستاني وروني فهد وياسر الحاج ووليد دمياطي وبدر مكي. أضيف إلى هؤلاء عدد من الوجوه الشابة، أمثال روي سماحة وشارل بردويل، في وقتٍ بدأت فيه الخطوات الحقيقيّة لاستقطاب لاعبين من أصول لبنانية أو مواهب ناشئة في الخارج، فأطلّ بول خوري (أميركي من مواليد جزيرة تونغا)، وجورج شيباني القادم من كندا. كذلك، كانت خطوة التجنيس الصائبة جداً بمنح جواز السفر اللبناني لجو فوغل لملء مركز الارتكاز الفارغ من لاعبٍ قادر على تغطيته حتى يومنا هذا. صحيح أن لبنان خسر مبارياته الثلاث أمام البرازيل وبويرتوريكو وتركيا على التوالي في المونديال المذكور، لكن تلك المرحلة أسست لمرحلة ذهبية أخرى في كرة السلة اللبنانية، أفرزت تأهلاً جديداً إلى كأس العالم 2006، وذلك في ظل استمرارية الإنتاج الصحيح التي قدّمت جيلاً جديداً قاده الخطيب بدلاً من مشنتف. أطلّت أسماء جان عبد النور، حسين توبة، عمر الترك، علي فخر الدين، صباح خوري وباسم بلعة. وترافقت طبعاً مع استمرار وصول المهاجرين لتعزيز صفوف المنتخب، فتعرف الجمهور إلى براين بشارة وعلي محمود. منتخبٌ لم تكن الآمال كبيرة لرؤيته يحقق الانتصارات الموندياليّة، ليس بسبب التغيّر الكبير الذي طرأ عليه على صعيد التشكيلة، بل بسبب الظروف التي أحاطت بعمليّة الإعداد، حيث عانت البلاد كلّها ظروفاً سياسية دقيقة حينها. ورغم ذلك، حقق المنتخب فوزاً «مدوّياً» على فرنسا (74-73) وقبله انتصاراً على فنزويلا (82-72).
محطات عدة تركت إنذارات متفرقة حول الحال التي وصلت إليها اللعبة


بعدها عاشت اللعبة على غيمة رفض أي فشل أو عودة إلى الوراء، لدرجة أن جرى تأمين «بطاقة دعوة» (وايلد كارد) لفرض حضور لبنان مجدداً في كأس العالم بعد عجزه هذه المرة عن التأهل، رغم استمرار فورة المواهب الجديدة، ودخول أسماء مغتربة مهمة، مثل مات فريجي وعلي كنعان، فكانت النتيجة مؤشراً غير صحي لم يتنبّه له إلا قلة من أصحاب الخبرة.

إنذار قديم
يشير متابعون إلى أن محطات عدة تركت إنذارات متفرقة حول الحال التي وصلت إليها اللعبة، وبالتالي ما نتج منها على صعيد الأندية والمنتخب. ومن هذه المحطات سعي لاعبين معيّنين لسرقة النجوميّة من زملائهم، فجرى الحديث عن «تمرّد» على قائد المنتخب في إحدى البطولات، وعن عدم تعاون بين بعض اللاعبين، وعن صدامات بقيت خفية حول أحقية هذا اللاعب أو ذاك بأخذ الأمور عاتقه أو السيطرة على النسبة الأكبر من المحاولات على أرض الملعب. إنذار آخر قديم حول بدء تخبّط اللعبة، مع دخول مجموعة من المطامع الشخصيّة والتجارية إليها علناً. وهنا لم يكن الإيقاف الدولي الذي طاول لبنان وحرمه محاولة السير نحو مونديال رابع على التوالي، إلا مشهداً قاسياً من سلسلة مشاهد الصراعات الإدارية، وانجرار إداريين كبار وأصحاب قرار وراء مصالح أندية معيّنة أو تأثرهم بآراء مستشارين غير مدركين أو آخرين باحثين عن مجدٍ شخصي، فكانت قرارات مؤثرة سلباً في المصلحة العامة، وتابعت اللعبة مسارها الانحداري.

خيبة أمل كبيرة أصيب بها الشارع السلّوي (عدنان الحاج علي)

إنذار آخر أطلقه اللاعبون أنفسهم عندما تقاطروا إلى ملعب مجمع ميشال المر الرياضي وقرروا رفع الصوت بوجه ما عدّوه ظلماً بحق اللاعب اللبناني مع إقرار قانون اعتماد ثلاثة لاعبين أجانب على أرض الملعب. وقتذاك، الكل تآمر على اللاعبين اللبنانيين، ووصل الأمر إلى حدّ تهديد بعض النوادي لهم، فهذه الأخيرة ظنّت أنها ستوفّر مبالغ كبيرة قبل أن تكتشف أن تبديلها المستمر للأجانب وتكبّدها مصاريفهم وفسخ عقودهم أحياناً، نقطة قتلت وأخفت بعضها عن خريطة اللعبة، قبل أن تقتل اللاعب اللبناني، الذي أصبح دوره محدوداً على أرض الملعب، ما أثّر بتطور العديد من الأسماء التي كان من المفترض أن ترث الخطيب وأبناء جيله.

الجيل القديم يتحسّر
في حديثٍ مع لاعبٍ سابق عايش وعاش الفترة الذهبية وقدّم التضحيات على أرض الملعب في سبيل المنتخب، يقول إن المنافسة لكسب مكانٍ في التشكيلة الوطنية كانت كبيرة، ما جعل اللاعبين يضعون كل إمكاناتهم في كل مباراة محليّة أو خارجية مع أنديتهم. كذلك شعر هؤلاء بالتهديد الدائم من قبل القادمين من بلاد الاغتراب الذين كانت عملية البحث عنهم تشمل نطاقاً واسعاً. ويعقّب قائلاً: «أما اليوم، فالامر يختلف تماماً، إذ ليس هناك لاعبون بشخصية قيادية كتلك التي تمتع بها مشنتف أو الخطيب، مثلاً، لناحية كبح جماح أي لاعبٍ يريد الخروج عن المنظومة على أرض الملعب سعياً لمجدٍ شخصي». أضف إلى هذه الأمور نقطة استرضاء اللاعب والسعي إلى كسب خاطره من أجل دفعه لتمثيل وطنه، «وهو أمر ناتج من غرور بعض اللاعبين الذين لا يستحقون المبالغ التي يحصلون عليها، وهم يتأثرون بما يكتب عنهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو في كل مرّة جرى التواصل معهم للمشاركة في حملة إعلامية أو إعلانية».
الواقع أن في هذا الكلام صحة، إذ إن التضخيم الإعلامي للعبة تخطى قيمة تضخيمها المالي التي أثّر فيها سلباً أيضاً، فكان التلهّي بالاستعراض والإغفال عن الإضاءة على المشاكل التي تحوّلت إلى كوارث فعلية تُرجمت من خلال نتائج الأندية في البطولات الخارجيّة الرسميّة. ببساطة، العودة إلى الماضي تترك الجميع أمام مرحلة محاسبة شخصية، من المتعاقبين على إدارة الاتحاد، مروراً بالأندية، ووصولاً إلى اللاعبين أنفسهم، إذ بمجرد الاتعاظ من أحد الإنذارات القديمة التي تُركت على الساحة السلوية، يمكن البدء في عملية تصحيح الأخطاء والانطلاق من جديد نحو عملية بناء بعيدة كل البعد عن العيش في الأوهام.