هي خزّان الفرق والمنتخبات. منها تنطلق المواهب وفيها تُصقل، عندها يبدأ المشوار الكروي وحلم النجوميّة. هي الفئات العمريّة في كرة القدم. قطاع يعتبر أولوية في معظم البلدان المتطورة كروياً. هو المجال الأهم للاستثمار. في لبنان، العكس هو السائد، فهو قطاع نصف مهمل ومنسي، رغم كل المحاولات لتنشيطه. مهمة صعبة، فالمنظومة كلها خاطئة وكرة القدم تدفع الثمن.

لا يمكن أن يختلف اثنان على أن الفئات العمرية في لبنان ضعيفة على جميع الصعد. وإذا كان أهل هذا القطاع شاهدون على ذلك، فإن الشاهد الأكبر هو حال كرة القدم في لبنان، إن كان على صعيد المنتخبات أو الفرق. في بلد «الأرز» هناك ثلاث بطولات للفئات العمريّة. الشباب (دون 19 عاماً)، الناشئون (دون 17 عاماً) والأشبال (دون 15 عاماً). يفرض الاتحاد اللبناني لكرة القدم على كلّ نادٍ في الدرجة الأولى أن يشارك في اثنتين من البطولات الثلاث. وعلى كلّ نادٍ من الدرجة الثانية أن يشارك في بطولة واحدة. أما بالنسبة للدرجتين الثالثة والرابعة فالمشاركة اختيارية. عدم الالتزام يعرّض الأندية لعقوبات مادية. قليلة هي الأندية التي تشارك في بطولات الفئات العمرية. خمسة أندية فقط هي النجمة والعهد والأنصار وطرابلس والسلام زغرتا تجد أسماءها في الفئات الثلاث. غالباً ما تكون أندية البطولات السنّية مقسمة على مجموعتين أو ثلاث بنظام الدوري من مرحلة واحدة قبل أن تنتقل ستة فرق إلى المرحلة السادسية ذهاباً وإياباً، يحرز المتصدر فيها لقب البطولة. موسم 2018-2019 شهد ختام بطولتين من البطولات الثلاث: الشباب وأحرز لقبها النجمة للمرة الثالثة على التوالي، والأشبال وأحرز لقبها العهد للمرة الأولى منذ اربع سنوات سيطرت فيها الأكاديميات كهوبس، وBFA، وأتليتيكو، و ASA على الألقاب. أما بطولة الناشئين فإن منافساتها جارية حالياً.
«قبل عشرين سنة لم يكن عدد الأندية المشاركة عشرة فرق. الآن أصبحت بطولة الشباب تضم عشرين منتخباً، وكذلك الأمر في الأشبال و27 نادياً في الناشئين» يقول المدير الفني للاتحاد اللبناني لكرة القدم باسم محمد لـ«الأخبار». هذا مردّه إلى القرار الذي وضعه الاتحاد، وأجبر فيه الأندية على المشاركة «بهدف توسيع القاعدة لتزداد الخيارات بالنسبة لمنتخبات الفئات العمرية» يقول محمد. كما تمّ إفساح المجال للأكاديميات في بيروت للمشاركة في البطولات السنّية، في وقت تلجأ فيه الأكاديميات في محافظات أخرى إلى اللعب تحت اسم أندية مرخّصة. فالأخيرة تجد في هذا الحلّ فرصة للهروب من الأعباء الماديّة لإنشاء فرق فئات عمرية، وفي الوقت عينه تلتزم بقرار الاتحاد حول إجبارية المشاركة. لكن هل هذا أمرٌ صحّي بالنسبة للنادي؟ بالطبع لا. فخزان لاعبيه سيصبح فارغاً بعد سنوات وسيلجأ إلى شراء اللاعبين للاستمرار.
يفصّل محمد المشكلات التي تعاني منها بطولات الفئات العمرية. من عدد المباريات، إلى نظام التواقيع، وعدم امتلاك الأندية لملاعب، وكذلك نوعية المدربين والتمارين وعددها. «عدد المباريات التي يخوضها اللاعب في كل فئة قليل. فرغم نظام المرحلة السداسية، الذي يُطيل عمر البطولة، لا يتجاوز عدد المباريات التي يلعبها اللاعب الـ19 مباراة. في حين أن العدد لا يجب أن يقل عن 30 مباراة في الموسم الواحد» يشرح محمد المشكلة الأولى. «هذا يمكن حلّه عبر قرارات جريئة يمكن أن يتخذها الاتحاد كالسماح للاعبي الفئات العمرية الذين لم تتأهل أنديتهم إلى السداسية بالانتقال إلى أندية الدرجة الثالثة والرابعة في الموسم عينه والتي غالباً ما تبدأ بعد انتهاء بعض بطولات الفئات العمرية كالشباب مثلاً. أما الأندية المتأهلة إلى المرحلة السداسيّة فمن الممكن أن ينتقل لاعبوها إلى أندية الثالثة والرابعة بين مرحلتي الذهاب والإياب. كما يمكن إقامة كأس لبنان للفئات العمريّة، ما يسمح للاعبين بخوض عدد مباريات أكبر» يضيف محمد. «هذا يفتح على مشكلة أخرى هي عدم وجود ملاعب كافية لإقامة بطولات جديدة. 90% من الفرق المشاركة لا تملك ملعباً قانونياً. وهذا ما يؤدي إلى خوض بعض المباريات على ملاعب تتمتع بالحد الأدنى من المواصفات. أضف إلى ذلك أرضية الملاعب الاصطناعية التي تلعب دوراً سلبياً في تطوير الناشئة».

غياب المال والملاعب والمدربين من أهم مشاكل الفئات العمرية


ومن المشاكل التي تعاني منها الفئات العمرية نظام التواقيع الأبدي. «في البحرين البلد الهاوي مثل لبنان يتحرر اللاعب في حال لم يشارك مع ناديه لمدة سنتين. هذا يضع حداً للتوقيع الأبدي. كما يمكن تحرير تواقيع اللاعبين بعد ثلاث سنوات من تاريخ توقيعه، فهذا أيضاً يساعد على إلغاء نظام التواقيع الأبدي» يسهب محمد. ويعتبر المدرب عنصراً أساسياً في تطوير المواهب، لذا تمّ إلزام الأندية بأن يكون مدربو فرق الفئات العمرية من حملة الشهادات «B» و«C»، لكن رغم ذلك تسعى الأندية للالتفاف على القانون عبر تسليم مدربين مهمة تدريب اللاعبين ممن لا يحملون شهادة «B» ومسجلين تحت صفة إداري. «أمرٌ حصل مع النجمة في بطولة الأشبال هذا الموسم. فالمدرب المسجّل هو محمد ابراهيم لكنه لم يحضر في أي مباراة، في حين أن أمين عوالي كان المدرب الذي لا يملك شهادة «B» ومسجّل كإداري. كل هذا بهدف توفير راتب مدرب. نادي الساحل مثالٌ آخر، حيث أن شخصاً واحداً يدير الفئات العمرية في النادي وهو الحارس السابق عباس شيت الذي يملك شهادة C» يقول محمد.
مشكلة أخرى، هي نوعية التمارين وعددها، فبعض الأندية تدرّب لاعبوها مرة واحدة أو اثنتين إضافة إلى مباراة، في حين أن المطلوب هو ثلاثة تمارين على الأقل إضافة إلى المباراة التي يلعبها الفريق. وهذا سببه إدارات الأندية، لتوفير المال وبَدَل النقل الذي يُعطى للاعبين، كما يشير المدير الفني للاتحاد. تبقى نقطة واحدة قد تكون الأهم في مشكلات الفئات العمرية. مشاركة اللاعب المميز مع فرق الدرجة الأولى. فاللاعبون المواهب حتى لو تألقوا في بطولاتهم يبقى حلمهم الأكبر هو الأضواء واللعب مع الفريق الأول. هذا أمرٌ غير متاح في الفرق التي يخاف مدربوها من الاعتماد على اللاعبين الشباب. «قدمنا اقتراحاً إلى اللجنة التنفيذية في الاتحاد ينص على إجبار الأندية في الدرجتين الأولى والثانية على إشراك لاعب واحد من مواليد 1997 وما فوق في كل مباراة كأساسي وأن يكون بديله من الفئة العمرية عينها. ومع أندية الدرجتين البالغ عددهم 24 نادياً، يصبح هنا 48 لاعباً مميزاً شاركوا مع لاعبين كبار واحتكوا بهم، وبالتالي يصبح من السهل اختيار منتخبات الفئات العمرية بحيث يُستدعى هؤلاء اللاعبون على أن يتم اختيار 23 منهم. لكن الاقتراح سقط في اللجنة التنفيذية، بحجة أن بعض الأندية لا تملك لاعبين صغاراً مميزين، ولا يمكن للاتحاد التدخّل فنياً في شؤون الأندية. في حين أن البحرين أقرّ نظاماً بضرورة إشراك كل نادٍ للاعبين من فئات عمرية صغيرة لمدة 1000 دقيقة في كل موسم. وتتم معاقبة الأندية غير الملتزمة، مقابل مكافأة الأندية الملتزمة» يقول محمد.
مسألة عدم مشاركة اللاعبين المواهب مع فرق الرجال، هي أولى المشاكل التي يتحدث عنها المدرب ومسؤول الفئات العمرية في نادي الأنصار غيثان صيلمي، فيقول: «يلعب اللاعب ويحرز بطولات ومن ثم يجد نفسه على مقاعد الاحتياط سنة بعد أخرى حتى تتحطم نفسيته ويتراجع مستواه» يقول مدرب الأنصار لـ«الأخبار». لكن المشكلة الأكبر بالنسبة إلى صيلمي هي غياب المال واهتمام الرؤساء بالفريق الأول فقط. «تشعر أن هناك «فوبيا» لدى رؤساء الأندية من موضوع الفئات العمريّة وصرف الأموال عليها. في الأنصار لا تتجاوز الموازنة الأربعين ألف دولار بما فيها رواتب المدربين، وفي أندية أخرى لا تتجاوز العشرة آلاف دولار، في حين أن الموازنة لا يجب أن تقل عن الـ170 ألف دولار. فقطاع الفئات العمرية هو الأهم في أي نادي». ويتوافق رأي صيلمي مع رأي محمد في مسألة نقص الملاعب وعدد التمارين وعدد المباريات. «نحن في الأنصار نعاني من عدم توفر ملعب لتمرين اللاعب في كل وقت. بعض الأحيان يكون الملعب الكبير مؤجراً فأضطر إلى تدريب اللاعبين على ملعب صغير. وفي بعض الأحيان تقتصر التمارين على اللاعبين المقيمين في بيروت دون لاعبي المحافظات لتوفير بدل النقل». أما بالنسبة لعدد المباريات فهو قليل «رغم جهود الكابتن باسم لرفع العدد. فاللاعب يجب أن يلعب ما يقارب الـ35 مباراة في كلّ موسم ولذلك اقترحت إقامة كأس لبنان للفئات العمرية».
مشكلة أخرى يتحدث عنها صيلمي وهي الأكاديميات التي تأخذ اللاعبين وتحرم الأندية منهم، وحين يصلون إلى عمر الـ15 عاماً تراهم يتركون كرة القدم. أما المشكلة الأكبر بنظر صيلمي فهي غياب ملاعب العشب الطبيعي ما يضر بالأجيال الصاعدة، «فالاتحاد يجب أن يمتلك ملعباً بعشب طبيعي لمنتخبات الفئات العمرية التي بدورها تعاني من مشكلة اختيار اللاعبين. لا يمكن الطلب من المدربين تقديم لاعبين للتجارب التي تقام لاختيار اللاعبين. على المسؤولين في تلك المنتخبات متابعة المباريات لاختيار اللاعبين» يختم صيلمي حديثه مع «الأخبار».