دبي | يواصل منتخب لبنان لكرة القدم مشواره في بطولة كأس آسيا. ثلاثة وعشرون لاعباً، واثنا عشر إدارياً يشكلون بعثة المنتخب. هؤلاء جميعهم ينخرطون في معسكر بدأ قبل البطولة بأسابيع ويستمر حتى نهاية مشوار لبنان في المسابقة. الضغوط كبيرة والمدّة طويلة لكن الأجواء جيّدة جداً في معظم الأحيان. «خبريات وقصص» وشخصيات مختلفة في هذا المعسكر، ولكلّ دوره في مشوار لبنان في البطولة القاريّة.

غالباً ما تتردّد عبارة «معسكر» عند كل استحقاق رياضي. فيه ينتظم اللاعبون على مدى أيام سواء تحضيراً لهذا الاستحقاق أو خلاله. مجموعة كبيرة من العقليات والشخصيات والأهواء يجتمعون في مكان واحد. أمرٌ قد يظنه البعض سهلاً، لكنه في الواقع، هو صعب خصوصاً إذا كانت الفترة طويلة. يعتبر معسكر منتخب لبنان لكرة القدم في البطولة الآسيوية هو الأكبر مقارنة بمعسكرات ومشاركات لبنانية أخرى.

معسكر الإمارات يعتبر الأكثر انضباطاً (عدنان الحاج علي)

فيه يجتمع ما يقارب الخمسة وثلاثين شخصاً من أماكن وبيئات مختلفة. بعضهم لبناني وبعضهم أجنبي. منهم من يعيش في لبنان، ومنهم من هو محترف في الخارج. «الأخبار» زارت المعسكر اللبناني في الإمارات، وتنقل للجمهور كيف يعيش نجوم لبنان وكيف يقضون أوقاتهم.
المعالج الفيزيائي لمنتخب لبنان إيلي متني يُعتبر صندوق أسرار البعثة اللبنانية. بحكم طبيعة عمله وقربه من جميع اللاعبين، إضافة إلى شخصيته المحببة التي تجعل منه أكثر من معالج وأقرب إلى صديق لجميع اللاعبين. لا يتأخر متني كثيراً حين تسأله عن اللاعب «الأهضم» في المنتخب، إذ يجيب سريعاً «ربيع عطايا. نكاته قصة كبيرة». أمرٌ يؤكّده المستشار الفني للمنتخب يوسف محمد ومدير المنتخب فؤاد بلهوان. كلهم يجمعون على أن عطايا هو «أهضم» شخص في المعسكر. مزاحه يخفّف من الضغوط التي تسيطر على الأجواء. الأجواء الجميلة لا يصنعها عطايا وحده، فجوان العمري رغم جديّته يعتبره متني وبلهوان «مهضوم» أيضاً، كذلك الأمر بالنسبة إلى نادر مطر.
نماذج مختلفة من الشخصيات يضمّها معسكر المنتخب. فسمير أياس «أصحاب مع الكل لكن بحاله. فاعور لا تشعر به. فبعكس شراسته على أرض الملعب يكون هادئاً خارجه. بعكس علي حمام الذي «يتذمّر» كثيراً» يقول متني لـ«الأخبار» ضاحكاً.
في المنتخب هناك ما يسمى بالـ«مجموعات». فهناك مجموعة الـ«بلاي ستايشن» التي يقودها الحارس مهدي خليل. الحارس الأوّل يعشق هذه اللعبة، بعكس شريك غرفته وزميله في الحراسة أحمد تكتوك. فالأخير يعاني من مشاركة خليل نظراً إلى الضجة التي تحدثها اللعبة مع وجود عدد من الزملاء كنادر مطر والأخوين ملكي وسمير أياس. «مهدي بيهلكه للتكتوك. ما بيخليه ينام»، يقول متني.
وإذا كان خليل ملك «البلاي ستايشن» فإن قاسم الزين ملك الـ«PUBG». «في بعض الأحيان تكون معه في الغرفة وتسمعه يتكلم، فتظن أنه يتكلّم معك، لتكتشف أنه يتكلم مع رفاقه في اللعبة أون لاين» يضيف متني أيضاً.
بقدر ما يعشق الزين لعبة الـ«PUBG»، فإن زميله المهاجم هلال الحلوة يعشق النوم، «كل ما كان هناك وقت فراغ تجد الحلوة نائماً، يقول متني. بعكس عطايا الذي يبقى في حركة دائمة، وهو أمرٌ يوافق عليه (دودو)». فعطايا هو الأكثر حركة في المنتخب، في حين أن معتز وعدنان حيدر ووليد اسماعيل ونادر مطر والأخوين ملكي هم الكثر هدوءاً برأي دودو وبلهوان.
هناك مجموعة أخرى هي «غروب الصلاة والأدعية». هذه تضمّ القائد حسن معتوق وحسن شعيتو «شبريكو» وحسن شعيتو «موني» ويوسف محمد «دودو». هؤلاء يمضون أوقات طويلة بالصلاة وقراءة الدعاء. وإذا أراد أيّ شخص أن يشرب الشاي «الأسود الفلت فيجب أن يتوجه إلى موني والشبريكو» يضيف متني.
مهدي خليل ملك «البلاي ستايشن» وقاسم الزين يلعب الـ«PUBG»


وإذا كان «موني وشبريكو» اختصاصيين بالشاي، فإن نادر مطر هو «فاشينيستا» المنتخب كما يصفه متني، «إذا أردت أن تعرف شيئاً عن الأزياء أو الشوبينغ أو التصوير والإنستاغرام، فليس لديك سوى نادر كمرجع في هذه المواضيع».
في أيّ معسكر يتشارك كل لاعبين غرفة واحدة. وبحكم السنين ووجود معظم اللاعبين مع بعضهم البعض أصبحت شراكة الغرف شبه محسومة. فهيثم فاعور ومحمد زين طحان هما رفيقا غرفة واحدة منذ سنوات. الاثنان هادئان، بعكس غرفة الثنائي علي حمام ونصار نصار. هما سوياً في الغرفة باستثناء المعسكر الأخير، مع إصابة نصار وعدم استدعائه. حلّ بدلاً منه محمد حيدر الذي يشارك حمام غرفته. أمرٌ أراح الأجواء من «نقار» حمام ونصار. فالأول هادئ يفضل النوم باكراً وعدم سماع موسيقى بصوت مرتفع، بعكس نصار. إقامة حمام وحيدر في غرفة واحدة قرّبتهما من بعضهما. أمرٌ بدا واضحاً في لقاء قطر، حين سجّل حمام هدفاً وتوجه مباشرة نحو حيدر للاحتفال معه. شراكة الغرف تَنسحب أيضاً على نور منصور وربيع عطايا، نادر مطر وقاسم الزين، جوان العمري وهلال الحلوة، معتز بالله الجنيدي والحارس مصطفى مطر. الأخير يعاني من انضباطيّة معتز إذ يصفه متني بأنه «لا يفعل شيئاً في المعسكر. من التمرين إلى الغرفة وبالعكس. الجنيدي ينام باكراً وعند الساعة العاشرة ليلاً تُطفأ أنوار الغرفة». عدنان حيدر ووليد إسماعيل شريكان آخران. غرفتهما مثال للترتيب، «كل غرض في مكانه والملابس مرتّبة. أما إذ غيرت في مكان غرض ما فحينها تسمع الكلام القاسي منهما» يقول متني. لكن ماذا عن القائد حسن معتوق؟ «معتوق خجول جداً وشخصيّته محببة. فهو خارج الملعب كما في داخله. خلوق ولا يتكلّم سوى الكلمة اللازمة. رغم ذلك فهو يحبّ الضحك والتسلية» يقول المعالج الفيزيائي.
لكن معسكر المنتخب اللبناني لا يضم لاعبين فقط. فهناك الجهاز الفني والإداري. تسأل عن المدربين فيجيبك متني بأن مدرب الحراس يملك حسّاً فكاهياً. من الممتع أن تقضي وقتاً معه، أما المدير الفني المونتينيغري ميودراغ رادولوفيتش «فهو خارج المباريات والتمارين شخصية أخرى تماماً. مرحٌ جداً ويحب الضحك» يقول متني. جميع اللاعبون يحبونه وهو يعرف كيف يتعامل معهم ويفهم عقليتهم. حتى أنه كان يتسامح معهم في بعض الأحيان ويغضّ الطرف عن بعض التجاوزات المقبولة خصوصاً في فترة الراحة. لكن هذا الأمر تغيّر في معسكر الإمارات الذي يعتبر الأكثر انضباطاً بعد وضع معايير ثابتة ونظام صارم من قِبل لجنة المنتخبات. بالنسبة إلى مدير المنتخب فؤاد بلهوان الأمور تغيّرت كثيراً عن السابق. فاللاعبون الذين هم مع المنتخب منذ فترة طويلة أصبحوا أكثر انضباطاً والتزاماً خصوصاً على صعيد المواعيد. صحيح أن العقلية اللبنانية تطغى في بعض الأحيان لكن بعض «الزعبرات» تبقى مقبولة، يقول مدير المنتخب لـ«الأخبار».
وما يساعد على ذلك البرنامج الضاغط للاعبين. فيوم المعسكر يبدأ عند الساعة العاشرة صباحاً حيث يستيقظ اللاعبون ويتناولون فطورهم، قبل أن يخضعوا لساعة علاج فيزيائي وتليين. من الممكن بعدها أن يكون هناك جلسة فيديو وغداء ثم راحة، قبل أن يتوجهوا إلى التدريب إذا لم يكن هناك تمرين صباحي أيضاً. بعد التمرين المسائي يعود اللاعبون إلى الفندق حيث يتناولون عشاءهم ومن ثم يخضعون لساعة علاج فيزيائيٍ أخرى قبل أن يتوجهوا إلى غرفهم. يفرض المدرب رادولوفيتش أن يكون اللاعبون في غرفهم عند الساعة الحادية عشرة. ليس مهماً أن يخلدوا للنوم مباشرة، لكن المهم هو أن يكونوا في غرفهم.
معسكر المنتخب شهد قدوم وافدٍ جديد إلى الجهاز الإداري. شفيق فارس. هو «دينامو التجهيزات» في منتخبات الفئات العمرية. جرى الاستعانة به لخبرته في المنتخب الأول كمساعد للمسؤول الرئيسي أحمد فخر الدين (أبو حسين). «أبو حسين هو بركة المنتخب» يقول بلهوان عن رفيق دربه منذ عام 2000. في غرفته يتجمّع أعضاء الجهاز الإداري من بلهوان إلى المنسق الإعلامي الزميل وديع عبد النور وطبيب المنتخب الدكتور جوني ابراهيم ومساعده إيلي متني. «إذا أضعت فؤاد بلهوان تجده في غرفة أبو حسين» يقول متني ضاحكاً. يُختَم الحديث الطويل مع متني وبلهوان حول كواليس المنتخب بسؤال لبلهوان، من هو الشخص الذي لا تتخيّل المعسكر من دونه؟ فيجيبك مدير المنتخب «المعسكر ليس جميلاً من دون الجميع».

للطعام قصصه في المنتخب
لا تنحصر الأخبار بكيفية تمضية الوقت وطبيعة شخصياتهم. فللطعام أيضاً حصة من «نهفات» اللاعبين. فمن المعروف أنّ أي معسكر لبعثة رياضيّة لا بد وأن يخضع لمعايير صحية تتعلق بنوعية الغذاء والمأكولات المسموح تناولها والكميات وما هو ممنوع. هذا النظام يصبح بعد فترة طويلة متعِباً ما يدفع اللاعبين إلى الضغط على المسؤولين لكسر نمط الغذاء الصحي بأنواع طعام يحبونها. غالباً ما يأتي اللاعبون ويطلبون أن يكون هناك بيتزا أو همبرغر أو بطاطا مقلية، بعيداً عن المعكرونة والأرز واللحوم والدجاج التي تعتبر من أساسيات غذاء الرياضيين. «في بعض الأحيان نسمح بذلك خصوصاً بعد المباريات، لمساعدة اللاعبين على كسر إيقاع النمط القاسي للغذاء الصحي» يقول المعالج الفيزيائي في المنتخب إيلي متني لـ«الأخبار». وتتنوع تجارب اللاعبين مع الأكل. فعلي حمام على سبيل المثال غالباً ما يتذمّر من الطعام خصوصاً أنه يملّ بسرعة. أما نور منصور فغرامه المشروبات الغازيّة، لكن يحصل عليها كثيراً. حين تسأل المسؤولين عن المنتخب عن اللاعب الأكثر شراهة يجيبك جيمعهم من المدير فؤاد بلهوان إلى متني إلى المستشار الفني يوسف محمد باسمٍ واحد: عدنان حيدر. فهم يُجمعون على أن حيدر يأكل كثيراً، لكن «دودو» يستغرب أن هذا لا يؤثر على لياقته البدنية وحضوره في الملعب. وإذا كان حيدر الأكثر استهلاكاً للطعام، فإن وليد اسماعيل هو الأكثر استهلاكاً للوقت خلال تناوله الطعام. «إذا كان النظام يفرض بأن ننهض جميعاً سوياً عن الطعام فحينها يصبح الجميع ملزمين انتظار وليد حتى ينتهي من طعامه. فعلاً هو يأكل ببطء ويستغرق وقتاً في وجبته» يقول متني ضاحكاً.
وما لا يعرفه كثيرون أن منتخب لبنان لديه «شيف» هو قائد الدفاع قاسم الزين. فإلى جانب تألقه في الدفاع وفي لعبة الـ«PUBG» يملك الزين موهبة الطهي. وهو كان طاهي البعثة اللبنانية في كوريا الشمالية حيث كان يُعِدّ وجبات الغذاء والعشاء للاعبين في بيونغ يانغ.