لم تعد الطموحات نفسها. باتت مجرد أحلام يصعب تحقيقها. بطولة الدوري صارت سراباً يختفي كلما اقترب منها محاربو «Die Borussen». لكنهم إلى الآن ، لم يرفعوا راياتهم الصفراء بعد. أين بروسيا دورتموند؟ ماذا حل بالمنافس الدائم على اللقب؟ هل باتت الطموحات القصوى هي الوصول إلى مقعد مؤهل إلى دوري أبطال أوروبا؟ وهل أصبح النادي الألماني منجماً لتصدير اللاعبين لبقية الأندية العالمية؟ من الصعب الإجابة عن ذلك.

بعد ست سنوات رائعة في ماينز، خلف يورغن كلوب مواطنه توماس دول عام 2008 ليشرف الألماني على القيادة الفنية لنادي بروسيا دورتموند. رغم تردي الأوضاع في النادي وضعف الميزانية، استطاع يورغن كلوب بناء منظومة متماسكة بعد أن اصطحب معه النجم المصري محمد زيدان من فريقه السابق والصخرة الدفاعية نيفن سوبوتيتش، اللذين ساعدا النادي رغم قلة الحيلة في تقديم كرة مطربة تغنت بها جماهير دورتموند ونالت إعجاب المشجعين الألمان. المفارقة أن كلوب عاد وحقق الكثير مع مصري آخر هو محمد صلاح. منظومة كلوب في بروسيا تميزت بالتنظيم والأسلوب الهجومي الجذاب، بقيادة كل من ليفاندوسكي البولندي وجوهرتي ألمانيا رويس وغوتزة الذين لم تتجاوز قيمة انتقالهم إلى دورتموند الـ4 ملايين باوند. وجاءت ثمرة تعب كلوب عام 2011، إذ حصد المدرب «العاطفي» لقب الدوري الألماني بعدما زرع نهجه وروحه في نفوس اللاعبين، مهدين هذا اللقب الغائب عن خزائن النادي لسنوات طوال إلى جماهير «المارد الأصفر». فوز دورتموند بالدوري الألماني لم يأتِ وليد الصدفة. استطاع النادي تحقيق اللقب مرة أخرى آبياً التزحزح عن عرشه، الأمر الذي بثّ الرعب في قلوب البافاريين خاصةً أنّ دورتموند استطاع أن يسيطر على الكرة الألمانية عامين متتاليين، مسجلاً رقماً تاريخياً كأكثر فريق إحرازاً للنقاط في تاريخ «البوندسليغا» بـ81 نقطة. لم يكتفِ كلوب بهذا وحسب، بل حقق كأس السوبر الألماني على حساب بايرن ميونخ، لينحت المدرب الألماني اسمه في صفحات التاريخ بحروف من ذهب. وقد مثلت هذه الصفعة انطلاق شرارة الحرب بين كبيري ألمانيا، ليصبح كلاسيكو بروسيا دورتموند وبايرن ميونيخ أحد أكثر المباريات مشاهدةً في التاريخ.

سيحاول فافر المتابعة كتوخيل محاولاً إبرام بعض الصفقات


بعد موسمين مميزين لدورتموند، انخفض مستوى الفريق تدريجياً. بدأ الفريق يتأرجح في جدول الترتيب طوال ثلاث سنوات، الأمر الذي جعل كلوب يركز على بطولة دوري الأبطال لاحتواء غضب الجماهير ونيران الصحافة. تحقق مراد كلوب في أول سنة من التأرجح إذ تمكن «أبناؤه» من الوصول إلى نهائي ويمبلي عام 2013 لملاقاة غريمهم البافاري، وذلك بعدما صرعوا كتيبة جوزيه مورينيو في النصف نهائي بحصيلة 4-3. حلم الجمهور الأصفر تبدد أمام إصرار البافاريين الذين كانوا قد خسروا النهائي السابق أمام «البلوز»، فتمكنوا بالتالي من الفوز على دورتموند بنتيجة 2-1 بعد هدف متأخر لآريين روبن. آبين التذوق من الكأس نفسه مرتين متتاليتين. فوز البافاريين لم يشفِ لوعة السنتين الماضيتين. أرادوا حرق قلوب الجماهير الصفراء وإحداث الخلل في منظومة بروسيا دورتموند المتينة، فكان لهم ما أرادوا بعد. خطفوا نجمهم الأول وهدافهم روبرت ليفاندوفسكي في صفقة مجانية كانت كفيلة لدخول النجم البولندي لائحة أكثر اللاعبين الخونة في تاريخ كرة القدم من الباب الواسع. استطاع دورتموند أن يعوّض «ليفا» بصاروخ الغابون بيير ايميريك اوباميانغ، حاول كلوب من خلاله ترميم الفراغ الذي خلفه انتقال نجمه السابق إلى الغريم الأزلي دون جدوى. بعد ثلاث سنوات من الجفاف في النادي الأصفر، التحق غوتزه بزميله البولندي. بقي ماركو رويس يقاتل وحيداً أمام المال، الأمر الذي كبّد كلوب خسارته لاستقرار غرفة الملابس واستهجان المشجعين الصفر، ما أجبر كلوب على تقديم استقالته عام 2015 بعد موسم مخيب قبع دورتموند فيه في المركز السابع. تبدلت الأحوال.


إذاً، ذهب الرجل الذي أعاد دورتموند إلى الواجهة. ماذا الآن؟ لا مدرب ولا لاعبين ولا نية للبذخ. رويس والجمهور لا يزالان يحاربان وحدهما. عام 2015 خلف توماس توخيل مواطنه يورغن كلوب بعد أن سبق وخلَفه أيضاً في ماينز. أدرك توخيل صعوبة الوضع فلم يتأخر بترميم الثغرات، واستطاع استقطاب كل من كاسترو، فيغل وبوليزيتش لتعويض فراغ غوندوغان، مخيتاريان والقائد ماتس هوميلز، قدم دورتموند الذهبية التي بترها البايرن مجدداً. انتقال القائد السابق لدورتموند جعله يتجاوز ليفاندوفسكي في القائمة الآنف ذكرها. استطاع توخيل أن يقدم كرة جيدة، وقارع البايرن على قدر المستطاع، لكنه فشل في تحقيق اللقب. في الموسم اللاحق استقطب كل من عثمان ديمبيلي، مارك بارترا و رافاييل غيريرو الذين ساهموا بزيادة قوة الفريق وقادوه للتتويج بكأس ألمانيا بعد الفوز على فرانكفورت 2-1. فرحة الجماهير باللقب الأول منذ خمس سنوات لم تدم أكثر من 3 أيام بعدما طُرد المدرب توخيل بسبب توتر العلاقة مع رئيس النادي. ذهب توخيل إلى باريس سان جيرمان وتسلم لوسيين فافر الشعلة، بانتظار ما سيحققه المدرب السويسري في القلعة الصفراء بعدما قدمه المدرب من مستويات مميزة مع نيس. سيحاول فافر إكمال النجاح على منوال توخيل محاولاً إبرام بعض الصفقات التي تلائم طريقة لعبه، لكن هل ستؤمن إدارة دورتموند له الميزانية الكافية لعودة «المارد الأصفر» إلى الواجهة الأوروبية ومقارعة بايرن ميونخ من جديد؟ أم أنّ سياسة تحويل المواهب الشابة إلى نجوم لامعة ثم بيعها بمبالغ خيالية للاستفادة من عائداتهم المالية باتت الهدف الرئيسي لإدارة النادي؟ أسئلة سنكتشف أجوبتها مع بداية الدوري الألماني الذي سينطلق في 24 كانون الأول/ ديسمبر 2018. لكن لا شيء مطمئناً حتى الآن.