اعتزل مسعود أوزيل دولياً. لن يلعب صاحب الأصول «الكردية» مع ألمانيا بعد اليوم. لن يردّد النشيد الوطني «غصباً عنه»، ولن يُرغم على التصرف كألماني «أباً عن جد». لاعب أرسنال الفائز بكأس العالم في 2014، اعتزل اللعب دولياً. لم يعد بطلاً بنظر الألمان. صار «مهاجراً». اعتزل بلا ضوضاء، أو محاولاً أن لا يحدث الضوضاء. نشر بياناً كتب فيه: «بقلب مفعم بالأسى، وبعد الكثير من التفكير بسبب الأحداث الأخيرة، لن أعود لألعب على المستوى الدولي ما دمت أشعر بهذا القدر الكبير من العنصرية وعدم الاحترام تجاهي، بالإضافة إلى أن كرة القدم عندما تتجّه إلى مثل هذا الاتجاه، لن ولم تعد كرة قدم، تلقيتُ العديد من الانتقادات والكلمات الحادة من قِبل الاتحاد الألماني». وإن كنت توافق على «الأسى» وعلى عدم الشعور بالأسى، فإن الطريقة التي حدث فيها الأمر، تدل على أن الأمر صار «نهجاً لا حادثة». عندما يفوز يكون بطلاً ألمانيا، وعندما يخسر اللاعب يصير مهاجراً وعبئاً. في الواقع، تعود جذور تكوين أكبر جالية تركية في ألمانيا إلى ستينيات القرن الماضي. ولم يكن ذلك لوجه الله. اضطرت ألمانيا الغربية إلى استقدام الآلاف من المهاجرين من عدّة دول ومن بينها تركيا بحكم العلاقة التاريخية بين البلدين، والتي تعود إلى حقبة عبد الحميد الثاني، بسبب النقص الذي عانت منه ألمانيا، ومِن خلفها المعسكر الغربي بأسره، خلال تطبيقها خطة «مارشال»، في اليد العاملة الماهرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. سُمي البرنامج وقتها بـ«العمّال الضيوف»، لكنه كان استغلالاً لا استقبالاً. وقد فعلت فرنسا الأمر نفسه مع الجزائريين، جزء كبير من العمال الذين بنوا فرنسا كانوا جزائريين. والمفارقة، أن ما حلّ بكريم بنزيما، حلّ بمسعود أوزيل.

يعيش في ألمانيا اليوم ما يقارب 3 ملايين تركي من أصل 15 مليون تركي مهاجر حول العالم. ومن بين هؤلاء الأتراك، يحق تقريباً لنصفهم الاقتراع في الانتخابات الألمانية، ما يدفع أحزاب السلطة الألمانية إلى استغلالهم واستقطابهم للفوز بالأصوات. أوزيل، عملياً، خارج هذا الاستقطاب. لوقتٍ طويل، لم يكن ألمانياً أبيض وأشقر، كان مهاجراً، لكنه كان يعلن أن جذوره كردية. وهناك «التباس» كبير في تحول أوزيل نفسه إلى «تركيته». وهذا السجال ليس بعيداً عن الألمان. فأهمية هذه الجالية التركية لألمانيا لا تقف عند التمثيل السياسي. لديها تأثير كبير على الاقتصاد الألماني. وتذكر مواقع عربية نقلاً عن مجلة «wirtschaftswoche» الألمانية المتخصصة بالاقتصاد، أن الأتراك في ألمانيا حوّلوا ما يقارب الثمانمئة مليون يورو لبلادهم في 2016. ولكن على الرّغم من وجودهم داخل المجتمع الألماني لأكثر من 50 سنة (منذ ستينيات القرن الماضي)، إلّا أن هذا لم يمنع السلطات الألمانية من وضع بعض الشروط لدمجهم بشكل مباشر في المجتمع قسراً. يمكن للمهاجرين أن يتمتعوا بإقامة شرعية من جهة، ولكن من جهة أخرى لا يحق لهم التقدّم بطلب الجنسية قبل أن تنقضي 15 عاماً من الإقامة. ورغم تخفيض هذه المدة فإن كثيراً من المهاجرين لم يستطيعوا الحصول تعليم جيد مقارنة بالمواطنين الألمان ولا حتّى على وظيفة مقنعة، وذلك بحجّة عدم إتقان اللغة الألمانية بطلاقة. ألمانيا لا تمنح الجنسية لمن يولد ضمن أراضيها، على الرغم من إقامة آبائهم وأجدادهم لفترة طويلة. كما رفضت المستشارة أنجيلا ميركل (الديموقراطية للغاية) طلبات للسماح بازدواجية الجنسية تقدّم بها أتراك ومهاجرون من أصول أخرى.
ما حدث مع أوزيل، هو استمرار لنهج. أكبر دليل على التمييز الذي تعاني منه الجاليات التركية في ألمانيا، هو تقرير «دايتن» 2016 الصادر بعنوان «التقرير الاجتماعي للجمهورية الفدرالية الألمانية». يرد فيه أن 36% من الأتراك في ألمانيا يعيشون تحت خط الفقر مقارنة بـ25% من المهاجرين من دول البلقان وأوروبا الجنوبية الغربية. كما يبين التقرير أن الأتراك لديهم تحصيل تعليمي أقل من المجموعات المهاجرة الأخرى الموجودة في ألمانيا. استعراض هذا التاريخ التركي ــ الألماني وعلاقة الشعبين مع بعضهما البعض لم يأت عبثاً. ما حدث مع لاعبي المنتخب الألماني قبل بداية كأس العالم، يعتبر نتاجاً لكل هذا الحقن المتبادل بين البلدين. ففي تلك «الحادثة»، اتجه كل من إلكاي غوندوغان ومسعود أوزيل إلى رئيس تركيا رجب طيب أوردوغان، وقدّموا له قمصان فرقهما (أرسنال ومانشستر سيتي) موقعةً منهما. وما أحدث الجدل الكبير، هو الرسالة التي كتبها غوندوغان إذ قال: «إلى رئيس بلادي أوردوغان». هذه الرسالة «فجّرت» المجتمع الألماني من رئيس الاتحاد الألماني، إلى أنجيلا ميركيل وغيرهما من الشخصيات الألمانية الأخرى، التي وقفت في وجه اللاعبين. منهم من نعتهما بالـ«خونة» ومنهم من طالب بعدم ارتدائهما القميص الألماني من جديد. الأمور توتّرت، ولكن كأس العالم كانت بمثابة «قاطع» لهذه النقاشات والـ«مشاحنات». لكن كانتونا وجيرارد دوبارديو وغيرهما فعلوا الأمر نفسه، ولم يتهموا بالخيانة. ذلك لأنهم ليسوا «مهاجرين». وأوروبا، ستبقى «تمنن» مهاجريها. ما تعرّض له أوزيل، وغوندوغان، ليس بالأمر المفاجئ، فمن يعرف وكما قلنا سابقاً، التعامل مع الجالية التركية في الأراضي الألمانية ليس تعامل «الضيف» ولا حتى المواطن، بل هو تعامل «الفوقية» وتعامل «الرجل الأبيض الألماني» الذي ينفّذ سلطته عليهم. فمن حق أي مهاجر، أن يعترف بأصله وبعائلته وببيته وأهله.
وما زاد طين أوزيل بلة، هو تصريح أولي هونس، رئيس بايرن ميونخ. أطلق الأخير تصريحاً «أبيض»، لصحيفة «بيلد» الشهيرة: «أوزيل يلعب على نحوٍ سيئ منذ سنوات، وقد ربح آخر ثنائية في الملعب منذ مونديال 2014، والآن يختبئ خلف نفسه». هكذا هو الأمر بالنسبة إليه!