بعدما شاركت قوّات التّحالف في الحرب ضدّ الإمبراطوريّة الألمانيّة، ها هي اليابان تحالف ألمانيا كروياً ضدّ العالم بأسره. كتيبة «الدّعم» اليابانيّة الكرويّة نزحت على دفعات طوال الأعوام العشرين الماضية لترسو على العدد 30 في مطلع العام الحالي. رقم كان كفيلاً بإدخال أبناء الشّمس المربّع الذّهبي برفقة سويسرا، والنّمسا والبرازيل كأكثر الجنسيّات الأجنبيّة الموجودة في الدّوري الألماني ،علماً بأنّ الدّوري الياباني كان قد أنشئ عام 1992 فقط. لماذا هذه الطفرة؟

تاريخياً، بدأت حركة النّزوح اليابانيّة إلى ألمانيا عام 1932 عندما أرسلت وزارة التّعليم اليابانيّة أبناءها للدّراسة. كانت برلين آنذاك تضم 20% من النّازحين اليابانيّين في أوروبّا. أمّا كروياً، فتعود المودّة بين الألمان واليابانيّين إلى 1964، بعدما شارك المدرّب الألماني الرّاحل ديتمار كرامر في استعدادات المنتخب الياباني في أولمبياد ذلك العام، ليلقّب حينها بـ«أبي الكرة اليابانيّة». هذا بالإضافة إلى تعاقد Urawa reds مع الألماني جيدو بوكفالد لترؤس الإدارة الفنّيّة للنّادي الياباني في 2004، لينجح في الفوز مع النادي ببطولة الدّوري الياباني ودوري أبطال آسيا في غضون أعوام قليلة. وقد بدأت موجة النّزوح الكرويّة لليابانّيين تجاه ألمانيا عام 1977 بعدما استقطب نادي كولن الألماني لاعب فوروكاوا اليكتريك للهواة ياسوهيكو اوكوديرا. آنذاك، لم تسلم الصّفقة من تهكّم الصّحافة، وخاصّةً أنّ كولن كان مطالباً بالمنافسة على الألقاب. إلا أنّ محارب كولن الجديد أسكت الصّحافة حينها بأدائه الكبير، مساهماً على نحوٍ مباشر في تحقيق لقبَي الدّوري والكأس ليصبح كولن رابع نادٍ وقتها يحقق الثنائيّة في موسم واحد. صاحب القدم اليسرى صوّب أعين كشّافي المواهب في تلك الفترة تجاه «بلاد الشّمس»، عساهم يحظون بنجوم على غرار ياسوهيكو، لكنّهم لم يحقّقوا مرادهم. لاعب وحيد استطاع المشي على مساره خلال عشرين عاماً، هو المهاجم كازو أوزاكي الذي وقّع لنادي أرمينيا بيلفيلد.
بعد فترة الرّكود، بدأ غزو اليابانيّين الكروي إلى ألمانيا. كان أوّل الوافدين المهاجم الياباني ناوهيرو تاكاهارا الذي وقّع لنادي هامبورغ الألماني في 2003. تألّق اللّاعب اللافت جعله يتوج ذاك العام بجائزة أفضل لاعب في اليابان، ليكون بذلك المحترف الياباني الثالث في الـ«بوندسليغا» على مرّ التاريخ بعد كلّ من أوكوديرا وأوزاكي. حظي تاكاهارا بمسيرة جيّدة مع هامبورغ واينتراخت فرانكفورت، وكان له الفضل في اهتمام الأندية الأوروبية بالتعاقد مع لاعبين من اليابان وعودة تدفّق «الموج الأصفر» إلى الدوري الألماني بعد توقّف. انضمّ كلّ من الثّلاثي جونيتشي ايناموتو إلى اينتراخت فرانكفورت، وتشينجي أونو إلى بوخوم 1848، وماكوتو هاسيبي إلى فولفسبورغ، وقد شكّل هذا الثّلاثي في ما بعد الأعمدة الرئيسة التي بُني عليها المنتخب الياباني في فترة لاحقة.
في الحقبة المعاصرة، لعلّ أبرز اللّاعبين اليابانيّين الذين سطعوا في سماء الكرة الألمانيّة هو نجم بروسيا دورتموند تشينجي كاغاوا. في 2010، لفت لاعبٌ ياباني صغير يدعى تشينجي أنظار يورغن كلوب مدرّب بروسيا دورتموند الألماني بعدما قدّم موسماً رائعاً برفقة سيريزو أوساكا، العائد حديثاً إلى دوري الدرجة الأولى في اليابان. هذا الأمر حثّ النادي الألماني على التّوقيع مع هدّاف الدّرجة الثانية في اليابان آنذاك في صفقة بلغت 350 ألف يورو. فرض كاغاوا نفسه أساسياً في تشكيلة «المارد الأصفر»، مساهماً في تتويج الفريق الألماني بلقبَي الدّوري والكأس الألمانيين في جيل يعتبر الأفضل لفريق بروسيا منذ عقود. مستوى كاغاوا الكبير أثار أنظار عملاق مدينة مانشستر فوقّع معه، إلّا أنّ اللّاعب لم يحظ بمسيرة جيّدة نظراً إلى تعاقب المدربين آنذاك في فترة تعدّ الأسوأ لمانشستر يونايتد، ما أعاد اللّاعب إلى دورتموند مرّة أخرى.

يتميّز اليابانيّون بالتّسلسل الهرمي ويعملون كشخص واحد في الفريق

تزامن مع سطوع نجم كاغاوا مجيء العديد من المواهب اليابانيّة وبروزها على نحوٍ لافت. هكذا، برز كل من غوتوكو ساكاي وشينجي اوكازاكي في شتوتغارت، هيروكي ساكاي وهيروشي كايوتاكي في هانوفر، اتسوتو يوشيدا ظهير شالكه وهاجيمي هو سوجاي الّذي ارتدى قميص باير ليفركوزن، قبل أن يوقّع لهيرتا برلين في ما بعد. في الواقع، تسهم عوامل عدة في قرب «فلسفة اللّعبة» بين الشّعبين. فالأولويّة لكلّ من اللّاعبين اليابانيّين والألمان بطبعهم هي اللعب الجماعي، على عكس اللاتينيين مثلاً، الذين يميلون إلى المهارات الفردية. يتميّز اليابانيّون باتّباعهم التّسلسل الهرمي داخل الفريق، وهو ما يساعدهم على العمل كشخص واحد. يكمن سرّ نجاحهم بقدرتهم في كثير من الأحيان على التّضحية بالفرد من أجل الجماعة، الأمر الّذي يتشابه كثيراً مع العقليّة الألمانيّة في ما يتعلّق بطريقة تدرّج الفريق. ورغم اعتماد الألمان في بعض الأحيان على المهارات الفرديّة، إلّا أنهم لا يقلّلون من أهميّة العمل المشترك. هذا ما استنتجه الكشّافون الألمان بعد قيامهم بدراسات معمّقة على اللاعبين اليابانيّين، لاحظوا من خلالها مدى تلامس عقليّة الشعبين. رغم اختلاف الثقافات والأيديولوجيّات، يربط الانضباط والنّظام بين الاثنين ويوطّد اللّعب الجماعي أرواحهم، ما شجّع الأندية الألمانيّة أكثر على إحضار المواهب اليابانيّة إلى بلادهم.
بيولوجياً، يظهر الفرق الشّاسع في البنية الجسدية للشّعبين الياباني والألماني. تمتاز بنية الأخير بطول القامة والقوّة الجسديّة الهائلة على عكس أجساد اليابانيين، إلّا أنّهم ومع قصر قاماتهم لم يعانوا في التّأقلم بسبب انضباطهم الكبير وسرعتهم في نقل الكرة، إلى جانب جدّيتهم بالتّدريبات والتزامهم بخطط المدرّبين. وتجدر الإشارة إلى أنّ الجانب المالي يلعب دوراً كبيراً في كثرة الانتقالات اليابانيّة إلى ألمانيا، فاللّاعب الياباني لا يحظى بقيمة ماليّة كبيرة على الرّغم من إمكاناته الجيّدة. تستفيد ألمانيا أيضاً من الجانب التسويقي الكبير للّاعب، إذ إنّ أي نادٍ يشتري لاعباً يابانياً يستفيد من بيع قمصانه ومن حقوق البثّ لاحتواء اليابان على 126,860,000 نسمة .
اليابانيّون، إذاً، لم يكتفوا بنقل الثقافة الألمانية إلى بلادهم وحسب، بل هم الآن ينقلون ثقافة الفوز بكرة القدم أيضاً. يشهد على ذلك الأداء المشرّف الذي قدّموه في بطولة كأس العالم 2018، حيث وصلوا إلى مكان لم يصله الألمان أنفسهم!