ظهيرة يوم السبت الإنكليزي المشمس، وعلى عشب الـ"أنفيلد رود" الذي اشتهرت مدرجاته بأغنية "لن تسير وحدك أبداً" لفريقها ليفربول، ترك ستيفن جيرارد الزملاء فور الدخول إلى الملعب، ومشى وحيداً ــ مصطحباً صغيراته الثلاث ليزيد المشهد أحاسيس ومعاني ــ نحو الجماهير ليبادلها تحية الوداع.


كان المشهد مهيباً ومعبّراً ويختزل حكاية نجم وفريق قلّما عاشتها الكرة: جيرارد يقف متأثراً ويصفق للحشود الحمراء، وتلك الأخيرة تهتف باسمه وتبادله التصفيق، راسمة حرفي "S" و"G" ورقمه "8" الشهير على المدرجات. لحظات مؤثرة تختصر 17 عاماً قضاها هذا النجم في "أنفيلد"، لا بل 28 عاماً منذ أن دخل إليه طفلاً إلى فريق الناشئين، وها هو يخرج منه أسطورة وأيقونة طاوياً صفحة كتب فيها ذكريات لن تمحى مهما طال الزمن. صفحة رسم فيها هذا النجم أجمل اللوحات، ودخل بحروفها المطلية بذهب الانتصارات القلوب من أوسع الأبواب.
صحيح أن ليفربول خسر أول من أمس أمام كريستال بالاس 1-3 في يوم وداع نجمه الأسطوري ولم يسجل فيه جيرارد ولم يقد فيه الفريق إلى الفوز، كما كان يتمنى، هو الذي كثيراً ما رسم الفرح على وجه ليفربول، إلا أن يوم 16/5/2015 لم يعد يوماً عادياً في تاريخ النادي. ففي هذا اليوم قال "أنفيلد" وداعاً لنجمه الأسطوري قبل أن ينتقل في الصيف المقبل في "رحلة سياحية" في آخر الأيام مع الكرة إلى الولايات المتحدة، ليلعب لفريق لوس أنجلس غالاكسي، حاله كحال الكثير من النجوم الذين يبحثون عن الراحة خلف المحيط، بعيداً عن صخب أوروبا ويرتأون التوقيع على اعتزالهم من دون ضوضائها.
جيرارد هو ليفربول، وليفربول هو جيرارد، هذا مفروغ منه ولا جدال فيه. هذا مؤكد للاعب قضى عمره في هذا الفريق، وأبى أن يفارقه في أحلى الظروف عندما كانت كبرى الأندية تسعى إلى الحصول على توقيعه وفي مقدمها مانشستر يونايتد بقيادة مدربه التاريخي "السير" الإسكوتلندي أليكس فيرغيسون الذي كان يبدي إعجاباً وتقديراً شديداً لموهبة هذا النجم، وكذا الحال مع ريال مدريد الإسباني، وفي أحلكها عندما كان يخبو نجم ليفربول ويعيش أسوأ الأيام.
جيرارد هو ليفربول، وليفربول هو جيرارد، هذا حتمي للاعب قدّم كل شيء لهذا الفريق طيلة 17 عاماً كان فيها القائد المعطاء منذ عام 2003 ولم يبخل بقطرة عرق واحدة في سبيل شعار "الريدز" الذي يختزل مدينة برمتها.
صحيح أن أساطير كثيرين مرّوا على ملعب "أنفيلد"؛ من بيل شانكلي إلى كيني دالغليش والويلزي إيان راش وتركوا بصمات لا تنسى وكتبوا ذكريات لا تمحى في تاريخ هذا الملعب، إلا أن لأسطورة جيرارد شكلاً خاصاً ورونقاً مختلفاً بالنسبة إلى جماهير هذا الملعب، فهو ابن ليفربول وما تعنيه هذه الكلمة لمدينة تُصبح وتمسي على حبّ الكرة التي رفعت من شأنها بين أشهر مدن أوروبا والتي تزعمتها بقيادة جيرارد نفسه بالتتويج الشهير بلقب دوري الأبطال في "معجزة إسطنبول" عام 2005 على حساب ميلان الإيطالي.
في 17 عاماً، حقق جيرارد الكثير الكثير مع ليفربول إلا لقب الدوري الإنكليزي الممتاز الذي وصل إلى "فم" المدينة المستريحة عند شاطئ "الميرساي" في بحر إيرلندا عام 2014، لكن تعثر جيرارد نفسه ــ للمفارقة العجيبة رغم تقديمه موسماً أكثر تميزاً في مسيرته ــ بكرة السنغالي ديمبا با التي منحت الفوز لتشلسي في الجولة قبل الأخيرة، كان السبب في تحوّل الكأس إلى مانشستر سيتي، وهي لا شك اللقطة الأشد قسوة على قلب هذا النجم والجرح الذي لن ينساه طوال حياته بعدما كانت ليفربول على مقربة من استعادة الزعامة الإنكليزية للمرة الأولى منذ عام 1990، هو الذي نُقل عنه قبلاً في أحد الأيام قوله: "سأرحل عن ليفربول دون أن أحرز لقب البريميير ليغ".
أول من أمس، وقبل دخوله إلى الملعب، لمس جيرارد اللافتة الشهيرة "هنا أنفيلد" في الرواق المؤدي إلى عشبه الأخضر. كانت هذه المرة الأخيرة التي يقوم بها هذا النجم بذلك. بالتأكيد عادت به الذاكرة في لحظتها إلى تاريخ 29 تشرين الثاني عام 1998، يومها، عندما دخل جيرارد للمرة الأولى إلى هذا الملعب، وإذا به، بعد 17 عاماً، يستعدّ لأن يعبر المحيط وحيداً حاملاً في حقيبته ذكريات كثيرة، ومخلّفاً مدينة غنّت دوماً "لن تسير وحدك أبداً".