يوم خرج النجم الإيطالي أندريا بيرلو من الملعب في الدقيقة 37 خلال المباراة التي جمعت يوفنتوس وضيفه بوروسيا دورتموند الألماني في ذهاب دور الـ 16 لدوري أبطال أوروبا وجلس على معقد البدلاء في ملعب «يوفنتوس أرينا» متألماً، أصاب الهلع جماهير «اليوفي»، وخفقت القلوب سريعاً هناك. صبيحة اليوم التالي، هرع هؤلاء إلى أكشاك الصحف في مدينة تورينو باحثين عن الخبر الذي يوضح حالة نجمهم الكبير قبل «المانشيت» حول المباراة. تنفّس هؤلاء الصعداء، إذ إن الإصابة اقتصرت على غياب يصل إلى 3 أسابيع بعد أن بدت الصورة قاتمة للوهلة الأولى، وبات بإمكانهم بعدها مواصلة يومهم باطمئنان.


ففي تورينو، لا يزال بيرلو بأعوامه الـ 36 يضبط إيقاع مزاج مدينة، إذ كل شيء يهون إلا أن يصاب هذا النجم الكبير بسوء او إعياء. هناك، الحرص كبير على كل خطوة لهذا اللاعب الذي لم تهزمه السنون، ولا يزال الرئة التي يتنفس منها قلب يوفنتوس، الذي يضعف كثيراً إذا ما غاب.

كلوزه حقق أقصى ما يطمح إليه نجم، في عالم الكرة، وهو لا يزال يملك نفس الطموح والحافز

على مقربة من تورينو تقع مدينة أوديني، وعلى مقربة من «الأسطورة» مع فريقها الشهير أودينيزي يواصل أنطونيو دي ناتالي كتابة فصول قصة لمّا يصل فيها بعد إلى كلمة الختام. يحار وتحار معه المدينة كيف سيكون شكلها للاعب قطع كل مسافة الأرض الإيطالية من مدينة الولادة في الجنوب نابولي، حيث نهل من مدرسة الأسطورة الأرجنتيني دييغو أرماندو مارادونا، إلى أقصى الشمال، هناك حيث رسم الفرحة كثيراً على الوجوه بأهدافه الرائعة التي تخطت حاجز الـ 200 في «السيري أ»، في أكثر من 400 مباراة. هناك، حيث لا يزال دي ناتالي في الثامنة والثلاثين، كما في ريعان الشباب لا يضيع البوصلة نحو الشباك، وهذا ما تتحدث عنه أهدافه العشرة، وآخرها في المباراة أمام تورينو.
في مدينة فيرونا، لا يقل لوكا طوني شأناً عن دي ناتالي. هو مثله، بات في الثامنة والثلاثين من عمره، ومثله أيضاً لم تتعرض ماكنته التهديفية لأي صدأ، لا تزال بكامل فعاليتها.
فلندع القدرات التهديفية العالية التي أتاحت لطوني تسجيل 11 هدفاً هذا الموسم مع فريق متوسط مثل هيلاس فيرونا، وكان آخرها في مرمى ميلان، ولنتحدث عن العزيمة الفولاذية لهذا المهاجم المميز، إذ إنها بالضبط مصدر قوته الحقيقية التي تبقيه شاباً في الملاعب، حيث إن لاعباً بسنه وقد خاض 14 تجربة احترافية داخل ايطاليا وخارجها ومني في بعضها بنكسات غير عابرة، من «المفترض» أن يكون الآن في منزله يتابع المباريات على التلفاز. واللافت أكثر والدليل الآخر هو الخيبة الكبيرة التي تعرّض لها طوني في الصيف عندما لم يوجّه له تشيزاري برانديللي الدعوة لتمثيل منتخب البلاد في مونديال البرازيل، كما كان يحلم اللاعب بعد تسجيله 20 هدفاً في الموسم الماضي، إلا أنه رغم ذلك حافظ على رباطة جأشه ولم يستسلم لهذه الضربة المعنوية القاسية بل واصل خوض غمار التحديات.
ومن فيرونا إلى روما. لا يزال الصوت الأقوى في عاصمة الطليان لملكها فرانشيسكو توتي، ولا يزال في قلب فريقها روما مكان كبير يتّسع لنجم بحجمه. لا يزال «إل كابيتانو» في روما حبيب القلوب الأول والرمز الأقدر. صحيح أن الهمّة ثقُلت، لكن السحر الذي أوصل توتي إلى مرتبة «الأسطورة» في روما لا يزال على حاله لم يتبدل. في الـ 39 من عمره، لا يزال توتي قادراً على أن يطلق تسديدة من خارج منطقة الجزاء تهتز لها إيطاليا برمتها، أو يمرر كرة ماكرة تصيب الخصوم في مقتل. ولا يمكن الخروج من روما دون المرور على فريقها الثاني لاتسيو. هناك، لا تسل عما فعله الألماني ميروسلاف كلوزه بجمهور هذا الفريق. هؤلاء باتوا يمسون ويصبحون على بحث عن سر تألق «كهل» في السابعة والثلاثين، لكن عبثاً لم يعثروا بعد له على دليل. كيف لهم أن يستوعبوا «حالة» مثل كلوزه حقق أقصى ما يطمح إليه نجم، بتتويجه بلقب مونديال 2014 وحصوله على لقب الهداف التاريخي لكأس العالم، وهو لا يزال يمتلك الطموح والحافز بحيث سجل 8 أهداف حتى الآن هذا الموسم، آخرها ثنائية في شباك فيورنتينا رغم مشاركاته القليلة؟ صدقوا أن بلغة الأرقام، «ميرو» هو الهداف الثالث الآن في البطولة، إذ إنه سجل هذا العدد في 1058 دقيقة، أي بمعدل هدف في كل 132 دقيقة، فيما شاغل هذا المركز، الأرجنتيني غونزالو هيغواين مهاجم نابولي، سجل 13 هدفاً في 2000 دقيقة، أي بمعدل هدف في كل 154 دقيقة.
... بيرلو ودي ناتالي ولوكا طوني وتوتي وكلوزه هم، ببساطة، مدارس يجدر أن تنهل منها الأجيال الصاعدة العبر والدروس في أسباب الوصول إلى النجاح، والأهم المحافظة عليه حتى الاعتزال. هم الآن، في ملاعب إيطاليا، «عواجيز» في الشكل، لكن في المضمون فإنهم ممتلئون بروح الشباب.