الزائر لكنيسة النبي الياس الغيور في صحنايا، سيلفت نظره مجموعة من الأيقونات النحاسية، مشغولة بحرفية عالية، مع حفاظها على تفاصيل التراث البيزنطي في الرسم الكنسي، وتزيدها خامة النحاس هيبةً وجلالاً، فضلاً عن البعد الثالث الذي يمنح اللوحة عمقاً في البعد والأثر والدلالة. نسأل عن مبدع هذه الأيقونات فيأتي الجواب بأنه بشار قرة، الكاهن المُهجَّر من داريا، والذي يخدم الآن في الكنيسة ذاتها، نلتقيه مُستفسرين عن كيفية تطويعه النّحاس وتسخيره لتحقيق كل هذه الجماليات، فيقول: «نرسم الأيقونة على إحدى رقائق النحاس، فتظهر خطوطها الأساسية على الوجه الآخر. ومن خلال الضغط، على هذا الوجه الثاني، بعود خشبي وأقلام خشبية بطريقة تُسمّى «البَلْصْ»، تبدأ ملامح الأيقونة بالظهور على الوجه الأول، لكن هذا بحاجة إلى حرفية عالية وصبر كبير، أولاً من أجل المحافظة على روح الأيقونة، وثانياً لأن أيّ ضغط زائد في مكان خاطئ يُنْهي اللوحة من أساسها، وهو ما يوجب الدقة والحذر الشديدين.

أما ما يتعلق بخلفية العمل فتتشكّل ملامحها عبر الضغط من الطرفين، لتأتي الزخارف النباتية والهندسية مُعطيةً الأيقونة مزيداً من الحيوية، وبعد ذلك أضع معجونة خلف اللوحة وألصقها على قطعة خشبية من دون ترك أي فراغ حتى لا يؤدي إلى تشويه العمل».
أيقونات نحاسية منفّذة يدوياً بالكامل من دون أي قوالب، وبتقنية لا علاقة لها بالنَّقش وإنما هي رسم بالنحاس على رقائق تبدأ سماكتها من 2.3 دوزييم، ومع ذلك هي مقاومة لعوامل الزمن، والسبب في ذلك، كما يوضح قرة، أنه «بعد تلميع النُّحاس وتعتيقه، يتم عزله بمواد خاصة، بحيث إن أي لوحة بعد عشر سنوات مثلاً، فإنها تعود إلى نضارتها الأولى بقليل من التلميع والتعتيق».

أما عن الكيفية التي اهتدى فيها إلى هذه التقنية ومن علَّمه إياها، فيخبرنا أنه اكتسبها بشكل شخصي، ومن خلال التجريب، قائلاً: «حضرت على التلفزيون مرةً مقابلة مع شخص يشتغل لوحات نحاسية موضوعها البحر والسُّفن... وقام بشرح بسيط عن تقنيته في العمل، ومن حينها خطر في بالي موضوع رسم الأيقونات على النحاس، بعدما كنت أرسمها بالألوان الزيتية، لكنني قضيت فترة طويلة حتى اهتديت إلى نوع النحاس، ومعرفة كيفية تطويعه، بحيث إنني بعد شهر من البحث أحضرت عُدّة بَلْصْ نحاس، لكنّ قبضاتها كانت خشبية، ورِيَشها معدنية، بحيث لم تُحقق رغبتي، لذا صنعت عدّتي بنفسي من الخشب الخالص، والأمر ذاته يتعلق بمواد التعتيق التي رغم عملي في هذا المجال منذ عشرين عاماً إلا أن أحداً لم يخبرني عن ماهيتها، لذا اختبرت الكثير من المواد الزيتية التي نُصِحْتُ بها، ولم تكن ناجحة، فبعضها كان بحاجة إلى يومين حتى ينشف، لكنني في النهاية اهتديت إلى مادة طباعية مائية، حقّقت المطلوب بشكل كبير».
ثمة الكثير من الأيقونات التي اشتغلها قرة بذات الطريقة، ومن أكبرها كما أخبرنا أيقونة سيدة اللقاء، التي تزين أحد جدران دير مار توما في صيدنايا، والمكوّنة من 114 لوحة نحاسية للسيدة العذراء مجتمعة في إطار واحد بمساحة تقارب 50 متراً مربعاً، إلى جانب لوحات على أبواب كنائس مار تقلا في داريا، وجاورجيوس المظفر ومار جريس في جديدة عرطوز، وأيقونات أخرى موجودة في فنزويلا وفالنسيا، وأيقونسطانس كامل (حامل أيقونات) في تشيلي، وغيرها الكثير.