طرطوس | تتوجه المعلمة نحو مكبر صوت صغير موضوع على الطاولة. تمتلئ الأعين بالفضول حول ما ستسمعه الآذان، ثم يغمر الصف صوت البيانو في مقطوعة «المارش التركي» لموزارت. يبتسم الأطفال تلقائياً، ثم يبدأ رباعي وتري لهايدن. تقدم المعلمة تعريفاً بالمؤلّفَين، وتوضيحاً حول موسيقى الحجرة. في وقت لاحق من الحصة، تصدح موسيقى شركسية على الأوكورديون. يُطفأ مكبر الصوت لدقيقة عند سماع أذان الظهر، ثم تبدأ أغنية معاصرة بإيقاع متفاوت السرعة، مصحوب بتصفيق متسارع من التلاميذ.

لم تتوقف مدرسة البيضا (الحلقة الأولى) في ريف بانياس عن العمل، رغم امتدادات الأزمة التي طالت القرية في ربيع العام 2013. آنذاك، تعطّلت امتحانات نهاية السنة الدراسية، وانطلقت السنة التالية ببداية خجولة، لأن أعداد الطلاب تناقصت بسبب النزوح.


يقول مدير المدرسة عبد الغني الشغري لـ«الأخبار»: إن «عدد الطلاب في العام الدراسي التالي للأحداث بلغ نحو 150 طالباً، توزعوا على ستة صفوف». ويضيف «في الأعوام اللاحقة كانت أعداد طلاب الصف الأول أكبر من أي وقت مضى، سن معظمهم تتجاوز سن طالب الصف الأول، لأنهم كانوا قد تخلفوا عن التسجيل في ذلك العام الصعب، وحاولوا تعويض السنة الدراسية في ما بعد». يصل عدد طلاب المدرسة اليوم إلى 375 طالباً، عدا أطفال الروضة التابعة لنقابة المعلمين، وفقاً للشغري، الذي يؤكد أن «الإقبال غدا أكبر من قدرة المدرسين الموجودين على استيعاب هذا الكم. في كل عام هناك شعبة تفتقر إلى من يدرّس فيها، ما يحمل المعلمين الآخرين على التناوب لسدّ هذا النقص». ويضيف: «ما يميّز هذا العام الدراسي، حصة التربية الموسيقية. دائماً كان هناك متّسع لها، لكن لم يتعاطَ أحد معها بالجدية المطلوبة. اليوم، ولأول مرة، نرى آثار الاهتمام بها على أبنائنا هنا، وتظهر لنا مواهب تحتاج فعلاً إلى من يرعاها».
تذهب مدرسة التربية الموسيقية حلا سمعان يومياً إلى المدرسة، مصطحبة معها مكبّر صوت ليسمع الأطفال المقطوعات الموسيقية من خلاله. تقول: «اعتدتُ اصطحاب آلة الأورغ إلى المدارس التي عملت فيها سابقاً، لكن لصعوبة المواصلات بات ذلك متعذراً، ولا توجد آلات في المدرسة. مكبّر الصوت يفي بالغرض، أقوم بتوصيله بالهاتف الجوال وتشغيل الموسيقى».
تستطيع استمالة الأطفال بالأنغام وبتقديم المعلومات بشكل قريب إلى عالمهم


قبل خمسة أشهر، لم يبدُ الأمر سهلاً على معلمة موسيقى تأمل تغييراً نوعياً في مدرسة مرّت بظروف خاصة. تقول حلا: «كنت أستطيع اختيار مدرسة أخرى، لكنني اعتبرت الأمر بمنزلة تحدٍّ يُغني خبرتي السابقة». وتضيف «في حديثي مع التلاميذ لم يكن لدى كثير منهم أدنى فكرة عن الموسيقى، معظمهم يتحفظ عن الحديث حولها. لكنك تستطيع دائماً استمالة الأطفال بالأنغام، وبتقديم المعلومات بشكل محبّب قريب إلى عالمهم وخيالاتهم. شيئاً فشيئاً تتعود آذانهم التذوق الموسيقي، والانتباه إلى تناغم الآلات والأصوات البشرية ووتائر الإيقاع».
بعد التعرّف على «موسيقى الحجرة»، يتوق الأطفال إلى الخروج عن نص الحصة، يتمايلون على لحن «نسم علينا الهوا»، ويتحدثون عن الأعراس. تشاكس تلميذة زميلها بالقول إن «الصبيان لا يذهبون إلى الأعراس»، فينفي محتجاً. يبدأ محمد بياسي حديثاً حول أغاني أفلام الكرتون، لكنه لا يتذكر على وجه التحديد أغنيته المفضّلة. ينتهز محمد صالح فرصة ارتباك زميله، ليشير إلى حلمه بالعزف على البيانو والغناء. تتذكر المعلمة الطالب الحلبي ذا الصوت الجميل عبد المنعم السلوم، فتحضره من صفه وتطلب منه أداء أغنية أمام زملائه، ليصدح بموال حزين عن الشوق والانتظار، ثم يخبرنا بدوره عن حلمه بالعزف على البيانو. يمسك أطفال المدرسة كتاب التربية الموسيقية بلهفة، بعضهم يستبق الصفحات للوصول الى درس مجهول في أواخر الكتاب، ثم يعود إلى درس اليوم. ينشغل تلميذ جديد بمراقبة زملائه والضحك من حماستهم وتمايلهم. تقول المعلمة: «بكرا بيتحمس متلهن»، وتضيف: «الخطة المدرسية غنية، ويمكن إثراؤها بالمزيد من الموسيقى. هذا ما أفعله بالتوازي مع الالتزام بالكتاب المدرسي».


منذ العام الدراسي 2016 ــ 2017، بدأ العمل بالمنهاج الجديد للتربية الموسيقية في سوريا، إذ خصّصت وزارة التربية كتاباً لكل صف، مع تناولٍ لكل ما يخص الموسيقى من تعريف بالعلامات والأزمنة والآلات والسلالم الموسيقية واشتقاقاتها والقوالب الشرقية والغربية والغناء الفردي والجماعي، إضافة إلى أناشيد متنوعة، واستماع إلى الألحان وتسجيل ملاحظات حولها، وإضاءات على مشاهير الموسيقى العرب والعالميين، ممن أغنوا هذا المجال، ومنهم موسيقيو العصرين الكلاسيكي والرومانسي.
يوضح الموجّه الاختصاصي للتربية الموسيقية في بانياس، رمضان محفوض حبيب، أن «تقييم جودة الحصة وفق الطرق الحديثة للمناهج المُطَوّرة يعتمد على نسبة تفاعل المتعلّم مع المدرس، إذ يشترط أن يشكّل دور المتعلم 70 في المئة، مقابل 30 في المئة للمدرس الذي يصبح دوره في هذه الحالة بمنزلة المشرف والميسّر للحصة». يقول حبيب: «نقوم، نحن الموجهين الاختصاصيين، بجولات دورية لرصد نجاح حصص الموسيقى التي نالت الاهتمام الذي تستحقه بفضل خطة الوزارة لمواكبة تطوير العملية التعليمية في المواد الاختصاصية». ويضيف «التربية الموسيقية لا تقل ضرورة عن أي حصة علمية، بل ترتبط بها ارتباطاً وثيقاً. الرياضيات مثلاً تشكّل أساس قياس الأزمنة الموسيقية والإيقاع. من المهم أن نلحظ الجدوى والتأثير الإيجابي لهذا التوجه على التلاميذ في كل المدارس السورية».