فجأة، ينقطع التيار الكهربائي عن صالة المزّة الرياضية ــ في غير موعد غيابه المعتاد، لكن ذلك لن يؤثّر على حصّة رياضة اليوغا، فأغلب وقت التمرين يكون عادة على أضواء الشموع الخافتة، المترافقة مع أنغام موسيقى هندية، تنبعث من أحد الهواتف المحمولة. في يوم الاثنين، من كل أسبوع، تستقبل الصالة نحو ثلاثين متدرباً، يُرافقهم عدد من المتدربين المتخصّصين، لممارسة رياضة ليست منتشرة على نطاق واسع في دمشق، وربما في كل سوريا. يؤدّي المتدربون حركات دقيقة، على فرشات إسفنجية ملونة. يمدّون أيديهم تارة، وظهورهم تارة أخرى، ويتعثّر من هم في الصفوف الخلفية، حيث يتجمّع الأشخاص الذين يحضرون لأول مرة.

يضع حازم (17 عاماً) يده مقابل يده الأخرى، ويلصقهما إلى صدره تحت ذقنه، ويغمض عينيه. «إنه وقت التأمل»، وهو أحد أبرز أهداف هذه الرياضة. يواظب حازم على الحضور دوريّاً إلى هنا منذ أكثر من ثلاث سنوات، وقد اصطحبَ معه هذه المرة صديقه عبدالله. يقول الشاب: «كنت أعرف صديقاً يأتي لممارسة اليوغا في عام 2016. فيما كانت القذائف تنهمر على دمشق من كل حدب وصوب. كنت أصفه بغريب الطباع، الذي يمارس الرفاهية في وقت الحرب، لكنني توقفت عن نعته بذلك بعد أن جئت معه لأول مرة». يرى حازم أن هذه الرياضة «علاج ضروري في وقت الحرب»، ويتحدث عن فوائدها الروحية والجسدية «غير المكلفة». يعيد الشاب ما قاله المدربون عن هذه الرياضة: «تريح النفس من خلال التأمل وتفريغ الطاقة السلبية، وتقوّم الجسد بفضل الحركات التي تزيد ليونته، وتمكّنه من أداء بعض التمارين التي تحتاج إلى تدريب وتركيز عالييْن».
ودأبت السفارة الهندية في دمشق، على تنظيم جلسات يوغا دورية طيلة سنوات الحرب، بأسعار رمزية للغاية (لا يتجاوز الرسم الشهري حاجز الألفي ليرة). وأشرفت السفارة على تدريب أشخاص، أصبحوا لاحقاً مدرّبين ومشرفين على هذه الرياضة الروحية في دمشق.
«صرتُ في السبعين، وسأظل متمسكاً بهذه الرياضة طالما أنني أستطيع المشي»؛ يقول أبو فراس، وهو رجل كسا الشيب لحيته وشعره. يُوضح الرجل أن اليوغا لا تتعارض مع الأديان أبداً، ويؤكّد أنها «تعاليم روحية لكنها غير دينية. هي تقوم على مبادئ، منها: إدراك النفس والجسد، وتكثيف الإحساس في نقاط محددة، والسيطرة على العقل». سافر فراس، الابن الوحيد للسبعيني، ليظل الرجل وحيداً بعد وفاة زوجته في العام الماضي، قبل أن يجد في اليوغا «وسيلة لتخفيف ضغوط الحياة المتزايدة، ولا سيما خلال سنوات الحرب». يقول: «اليوغا تبدأ بتعلّم كيفية ضبط التنفس، ثم تتطور إلى ضبط الانفعالات والأحاسيس، وتخفيف الغضب والألم». ويضيف: «لا أكترثُ حين تنقطع الكهرباء في المنزل. على العكس تماماً، أعلم أن هذا هو الوقت المناسب للبدء بممارسة اليوغا على ضوء الشموع».