الحسكة | قبل فترة وجيزة وصل علاء (اسم مستعار)، إلى مدينة الحسكة، في زيارة لأقاربه قادماً من مدينته، رأس العين. يؤكد الشاب أن الزيارة «متنفّس حقيقي، هرباً من جحيم تعيشه رأس العين، وفرصة لتأمين بعض المواد الغذائية التي تفتقر إليها المدينة، مع انعدام شبه تام للحركة التجارية فيها». يصف علاء، واقع مدينته في ظل الغزو التركي، بأنه «كارثي ولا يطاق، ويمضي نحو الأسوأ». يقول لـ«الأخبار» إن ما يحصل هناك «لا يمكن تشبيهه إلا بغزو هولاكو لبغداد، فحتى المسلحون الذين غزوا المدينة عام 2012 (في إشارة إلى مجموعات مسلّحة معارضة، من بينها «جبهة النصرة»)، كانوا أكثر رأفة من حكام المدينة الجدد». ويضيف «لم يبقَ هناك إلا أقل من 10% من سكان المدينة، التي تتعرض لنهب ممنهج، طاول حتى تمديدات الكهرباء في المنازل، والشبكة العامّة للكهرباء». ويلفت إلى أنه «لا أمان في المدينة، حتى موظفو المجلس المحلي، لا ينامون فيها، ويغادرونها باتجاه الأراضي التركية يومياََ، قبل حلول المساء». ودخل الغزو التركي شهره الثالث، وسط تتابع شهادات السكان، الذين يؤكدون تعرضهم لانتهاكات عدة، وممارسات تهدد هوية وتركيبة المناطق التي دخلها الاحتلال، والمجموعات المسلحة المحسوبة عليه. كما أن وجود أكثر من 300 ألف نازح خارج منازلهم، وافتقار مناطقهم الأمّ لأدنى مقومات الحياة، من مياه وخبز وكهرباء، يهددان باستحالة عودتهم في ظل الظروف الحالية، وغياب أي ضمانات حول سلامة الأهالي الراغبين بالعودة.


«يا زمان الوصل»
يستذكر داود، أيامه الجميلة في رأس العين، وهي ثالث أكبر مدن محافظة الحسكة (بعد الحسكة والقامشلي). يحبس الرجل حسراته في قلبه، ويقول إن «المدينة وأهلها، لا يستحقون ما أصابهم من تهجير وفقدان للأموال والأرزاق». ويؤكد أنهم «باتوا اليوم مشرّدين في مخيمات، أو نازحين ووافدين إلى مدن وأرياف المحافظة». يُبدي الرجل تخوفاً كبيراً على ممتلكاته في المدينة، بعد تواتر الأنباء عن استيلاء المسلحين على عدد كبير من المنازل وتحويلها إلى مساكن جديدة لعوائل المسلحين. فيما يتجوّل محمود، حولنا، أثناء محاولتنا استطلاع آراء سكان هُجّروا من منازلهم إلى مراكز إيواء في مدينة الحسكة، ليقطع الحديث بصوت مرتفع نسبياً، «تدمرنا وخسرنا كل شي». ويضيف «خرجنا بلباسنا الذي كنا نرتديه، بعد أن اشتدّ القصف على المدينة، وتركنا كل شيء وراءنا. لا نعلم أي شيء عن أرزاقنا». لا يُبدي محمود، تفاؤلاً بالعودة، ويقول «لا يمكن العيش مع من جاء ليرهبنا، ومن الصعب التأقلم مع قوانينهم». يشير إلى فترة سيطرة الفصائل المسلحة على المدينة في عام 2012، ويقول «(هم) مجرمون يدمرون المدينة للمرة الثانية، ويهجرون سكانها». أمّا مريم، فتصف لحظات فرارها من قريتها بريف تل تمر الشمالي، بأنها أشبه بالكابوس. تتحدّث عن الهرب مع أبنائها في طرق برية، تحت القصف الشديد، يرافقهم الرصاص، حتى وصولهم إلى مركز بلدة تل تمر. تقول السيّدة لـ«الأخبار» إنها ترددت بالعودة إلى القرية بعد سيطرة المسلحين، لكن «الفقر وعدم القدرة على تحمل أعباء النزوح، دفعاني للعودة». تعبر المرأة عن صدمتها، بالمشاهدات التي رأتها بعد العودة إلى منزلها، فتقول، «سرقوا كامل موجودات المنزل مع الدجاج والأبقار، ولم يتركوا لنا شيئاً لنعيش هناك، فعدت إلى المدرسة التي كنت قد نزحت إليها، مع بداية الهجمات».

«لا يمكن العيش مع من جاء ليرهبنا، ومن الصعب التأقلم مع قوانينهم»


لا أمان
عادت ظاهرة خطف الأشخاص وطلب فدى مالية للإفراج عنهم، بعد سيطرة الجماعات المسلحة على عشرات القرى والبلدات في ريفَي تل أبيض ورأس العين. وشهد الأسبوع الفائت الإفراج عن مختار قرية «عنيق الهوى»، بعد دفع فدية قدرها ثلاثة ملايين ونصف مليون ليرة سورية (قرابة 4000 دولار). كما اختطف ثمانية شبان من قرية المباركية، وطولب ذووهم بدفع فدى. وانفجرت أكثر من 15 سيارة مفخّخة، في تل أبيض ورأس العين وأريافهما، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين وإصابة العشرات بجروح. وتتهم الفصائل المسيطرة على تلك المناطق «وحدات حماية الشعب» الكردية، بالوقوف خلف التفجيرات، لمنع السكان من العودة إليها، فيما ترى «الوحدات» أنها نتيجة الخلافات الكبيرة بين الفصائل على النهب وتقاسم السرقات، عدا عن الاختلافات الإيديولوجية التي تدفعهم لتصفية الحسابات في ما بينهم. وتترك ظاهرتا الخطف والتفجيرات، مخاوف واسعة لدى السكان، تدفعهم لعدم التفكير بالعودة إلى مناطقهم، بفعل عدم توافر الأمان، وانعدام ثقة بالجهات التي تسيطر عليها. وتؤكد المعطيات المتوافرة أن المدارس تم تعطيلها تماماً، مع عدم توافر المحروقات والمياه والكهرباء والاتصالات، وتوقف عمل الأفران بشكل شبه كامل، وإغلاق جميع المراكز الصحية. يصف إبراهيم، واقع الحال في بلدة سلوك (ريف تل أبيض)، بأنه مأساوي، يقول «كل شيء مفقود هناك»، يؤكد أنه أفلح بصعوبة في الحصول على علبة حليب لطفلته، بأسعار مضاعفة. ويضيف «السكان يبدون تذمراً كبيراً، وقسم منهم بدأ يفكر بالتوجه إلى مراكز نزوح، لأن خدماتها أفضل من الواقع الحالي لمنطقتهم».

تغيير التركيبة السكانية
تعمل آليات تركية، على جرف وتسوية عدد من الأراضي الزراعية في منطقة مشرافة في رأس العين، تمهيداً للبدء بتشييد وحدات سكنية مسبقة الصنع، بغية نقل أعداد من اللاجئين السوريين من الداخل التركي إلى المدينة. وبحسب سكان تلك المنطقة، فإن المساحات التي يتم تأهيلها كبيرة، وهي تتسع لعدد كبير من الوحدات السكنية، ما يعني التخطيط لتوطين أعداد كبيرة، وسط مخاوف السكان، على مصير أراضيهم ومنازلهم في المنطقة. بالتوازي، صادر عدد من المسلحين المنحدرين من أرياف دير الزور وحماة وإدلب، أعداداً كبيرة من منازل المدنيين، بعد توجيه تهم التعامل مع «قسد» أو الحكومة السورية. وبدأت بالفعل أعداد من أهالي المسلحين بالقدوم إلى مدينة رأس العين والاستقرار فيها، مع تواتر الأنباء عن وصول عوائل آسيوية من أهالي المسلحين الأجانب إلى مدينة تل أبيض، للاستقرار. وتشكل خطوة تغيير التركيبة السكانية واحدة من أخطر نتائج «نبع السلام»، في ظل أنباء عن جهود تبذلها أحزاب سياسية داخلية، لإطلاق حملة لإعادة سكان المناطق التي احتلها الأتراك، بضمانة روسية، والوقوف في وجه مخطط التغيير الديموغرافي.