لا تبدو الحياة في دمشق سهلة على أفراد مجتمع ما بعد الحرب، من الذي ناضلوا تمسّكاً بخيار «البقاء»، أو العائدين من دول الجوار، بفعل هدوء يوميات المدينة مقارنة مع بلدان النزوح المجاورة. هذه الصورة واضحة في تفاصيل صباحات العاصمة، رغم استفاقتها بين حين وآخر على حدثٍ هُنا، أو عدوان هناك. أما ليالي دمشق، فمختلفة كلياً، حين يستقر الراكضون خلف لقمة العيش في منازلهم أو مراكز إيوائهم، بفعل فقدان كثيرين لأسقف بيوتهم خلال الحرب، فيما يخرج إلى المطاعم وأماكن السهر سوريون آخرون لديهم القدرة على تلبية متطلبات ارتفاع الأسعار الذي تعيشه البلاد، ولا سيما العاصمة، بالتوازي مع التضخم السكاني المتزايد فيها.


عودة اضطرارية
إذا كان «الإنفاق المنطقي» يزيد على دخل الفرد في سوريا، فإن فرص العمل ازدادت أيضاً مقارنة مع سنوات جحيم الحرب والقذائف. غير أن تأمين اللقمة أضحى يتمّ «بشقّ الأنفس». يقول محمود، وهو ثلاثيني عائد من لبنان، إن حياته تشبه حياة كثيرين من أبناء جيله في دمشق، ويعبر عنها بشطر من بيت الشعر الشهير: «أُغرّب خلف الرزق وهو مُشرّق». ويضيف بحسرة: «تغيّر وجه دمشق بعد هذا الغياب. أكاد لا أعرف الناس والشوارع. غابت محالّ كثيرة وحلّت مكانها ملامح أماكن جديدة. الأسعار تضاهي دول الجوار، بفعل ارتفاع سعر صرف الدولار. مواد استهلاكية رديئة الصنع تباع في بعض المحال، ويبتاعها الناس لانخفاض ثمنها». وإذ كانت البلاد معروفة بلقب «أمّ الفقير»، فإن محمود يعترف بأنه لم يكن ينوي العودة حالياً، لولا الأحداث الأخيرة التي يشهدها لبنان. «لم أكن مهيأ للعودة، كنت أعتمد على فرق صرف العملة لأعيش بأجري الزهيد، وأرسل إلى أهلي ما يساعدهم قليلاً»، يقول.

«عطيني شحطة»
رغم تغيّر العاصمة على أبنائها، فإن بعض المسطّحات الخضراء تغصّ في أيام العطل بفقراء البلاد، ممن يفرحون بيوم مشمس وحركة آمنة في المناطق، بعد سنوات من الموت وصخب الصواريخ. ترى دعاء، وهي موظفة أربعينية، أن دمشق اليوم آمنة، وهذا، بالنسبة إليها، يعد كافياً لتُبنى على الأمر عودة كل شيء لما كان عليه. يعمل زوج دعاء سائقاً على خط الأردن. تُلغى رحلاته في أيام كثيرة، بسبب عرقلة الجانب الأردني لإجراءات المرور من «معبر نصيب الحدودي»، غير أنها تعيش معه «على القلّة»، برضى وصبر. النّرجيلة، رفيقة يومياتهما، وهي أهم ما يحتاجان إليه ليمضي اليوم بـ«رواق»، ومزاج عالٍ، أسوة بكثير من السوريين المدمنين على هذا الاختراع، من كل الشرائح والأطياف.

خمسون سوقاً في دمشق تعاني من كثرة الشكاوى التموينية


دجاج عابر للحدود!
مع دخول الكثير من المداجن إلى ساحة الإنتاج في ريف دمشق، حصل بعض السكان على فرص عمل، غير أنها ليست كافية لمواكبة متطلبات الحياة التي تتعقّد أكثر فأكثر. بينما يُسجّل أثر إيجابي للأمر، بما يفيد استقرار أسعار الفرّوج مقارنة بالسنوات الفائتة. يلفت ثائر، العامل في إحدى المداجن، إلى تمكنه من الحصول على دخل يومي، بعد فترات من البطالة، إضافة إلى ما يناله أسبوعياً من لحم الدجاج. وتفاخر «غرفة زراعة دمشق»، على لسان رئيسها عمر الشالط، بإحصاءات شهرية جيدة في ما يخص تصدير الفروج إلى الخارج، بما فيه أقدام الدجاج التي يجري تصديرها إلى الصين وفيتنام، إضافة إلى تصدير اللبن السوري إلى لبنان والخليج. يؤكد الشالط أن «استمرار التصدير ضرورة وطنية»، ويلفت إلى منح الغرفة شهادات تصدير كثيرة إلى العراق، أغلبها شملت تصدير الخضر خلال الأيام الأولى من فتح المعبر الحدودي بين البلدين (القائم)، رغم معوقات سببها الحظر الذي يطاول كل ما هو سوري. من تلك المعوقات، الاضطرار إلى تبديل سيارات النقل السورية (البرّادات)، بأخرى تتبع جنسيات مختلفة، ما يؤثر على جودة المنتج الزراعي. ووفق إعلان «محافظة دمشق» عن متوسط استهلاك دمشق يومياً من الفروج بما يبلغ 400 طن، فإن استهلاك اللحم الأحمر يصل إلى 50 طناً فقط يومياً، بينما يبلغ الاستهلاك اليومي لدمشق وريفها 4 ملايين بيضة.

بالأرقام: الدولة «قادرة»!
مع خسارة الكثير من السوريين مصادر رزقهم خلال الأعوام الفائتة، فإن محاولات بعضهم مستمرة للعمل في مهن أُخرى، بهدف الاستمرار. خسر إلياس، سيارة الأجرة التي عمل عليها عشر سنوات، من جرّاء قذيفة سقطت قبل أعوام في حي «القصّاع» الدمشقي. ورغم صعوبات الحصول على عمل بديل، فإنه لا يفكر بالخروج من البلاد، بسبب حرصه على رعاية والدته المريضة. بين حين وآخر، يعمل الرجل الخمسيني لدى أحد أصحاب سيارات الأُجرة، أو في أحد مطاعم دمشق القديمة. يلعن «الظلام والشمعة»، وضيق الحال، وغلاء الأسعار. خمسون سوقاً في دمشق تعاني من كثرة الشكاوى التموينية، إذ بلغ عدد الشكاوى في عام 2019 (حتى شهر تشرين الأول) 2790 شكوى. أما المخالفات الجسيمة المتعلقة بانتهاء الصلاحية ومخالفات اللحوم (عددها وحدها 176)، والخبز التمويني والمحروقات، فقد وصل عددها إلى 1787، بمعدل 179 ضبطاً شهرياً. أغلب المخالفات تتكرر بالنسبة إلى الأجبان والألبان والزيت واللحم الأحمر والمحروقات. وخلال المدة نفسها، أغلقت «مديرية التجارة الداخلية» في دمشق 997 ضبطاً، مع إدخال إيرادات إلى الخزينة العامة بلغت 188 مليون ليرة، ومنحت 1170 سجلاً تجارياً، منها 105 للصناعات الغذائية. ويُحدد وسطي إنتاج دمشق من الخبز التمويني بـ16 ألف طن شهرياً، تنتج مخابز القطاع العام (عددها 27 مخبزاً) ما يعادل 70% من خبز دمشق، فيما يبلغ عدد المخابز الخاصة 54، تنتج الباقي. ويتزايد الاستهلاك في دمشق، بسبب اعتماد سكان الريف على مخابز المدينة لجودة خبزها، بحسب توصيف مصادر في محافظة دمشق. أما استهلاك البنزين، فقد وصل خلال أيلول الفائت إلى 30 مليون ليتر، موزعاً على 22 محطة، هو عدد محطات دمشق، وسط قدرة المحطات الخاصة على التصريف بضعفي قدرة المحطات العامة، مع تكرار المشاكل التي يسببها الوقود المتوافر في البلاد على محركات السيارات، ما يدفع البعض إلى استخدام الوقود المستورد من لبنان، رغم ارتفاع أسعاره. فيما بلغ استهلاك الغاز خلال المدة ذاتها 436 ألف أسطونة.