وأنت تعدّ العدّة لشتاء دمشقي، أبقِ نفسك مستعداً لكسب بضعة كيلوغرامات زائدة، فالضيف البارد يطلّ بنفس مفتوحة وشرهة لكلّ ما هو دسم وحلو المذاق. ولا يكفي لإشباعه، الاعتماد فقط على الوجبات الساخنة التي تبرع في إعدادها ربّات المنازل، بل يتطلب بين وقت وآخر، وجبات شهية تجذبك أبخرتها وروائحها المتصاعدة من العربات المتنقلة في معظم شوارع دمشق. وجبات ستمدّك ببعض الطاقة والدفء، وتعينك على البرد. حديثاً، دخلت البطاطا الحلوة، وعرانيس الذرة المشوية، إلى قائمة المأكولات الشتوية المنتشرة في شوارع دمشق. غير أن للحبوب والسحلب والفول النابت، زوايا خاصة في قلوب منتظريها كل شتاء. يضيع أبو محمد، وراء سحابة من ضباب حلّتي الحبوب والسحلب، وهو ينادي على بضاعته في حي «الشعلان» وسط العاصمة، ويقول بصوت جهوري «قرّب قرّب يا حبُّوب، تعا دوق هالحبوب. قرّب ع السحلب، طيب ودافي هالسحلب»، فيتحلّق حوله الباحثون عن طعم الدفء الحلو. والسحلب مشروب ساخن، عرفته منطقة بلاد الشام عموماً منذ أيام العثمانيين، يرغبه السوريون كثيراً في فصل الشتاء، بسبب احتوائه على المواد البروتينية والنشوية والكربوهيدرات فضلاً عن رائحته الزكية وطعمه الطيب. يتم تحضير هذا المشروب ذي القوام السميك واللون السكّري، بمكوّنات بسيطة، وهي الحليب المغلي مع نشاء السحلب والسكّر، ويُقدم بعد إضافة النكهات المفضلة كالقرفة وجوز الهند والفانيلا.

أما الحبوب فهي طبق سوري، ودمشقي بشكل خاص. يتم تحضيره من مزيج من الحبوب والبقوليات، أهمها القمح المقشور بكمية مضاعفة عن باقي المكوّنات، وهي الحمص، والفاصولياء والفول والعدس. يتم سلق الحبوب، منفصلة عن بعضها البعض، ثم تُطهى مع بعضها كي تتجانس. وهنا تأتي مرحلة إضافة النكهات، التي ترتبط بالذائقة وتفضيلاتها، أو الإمكانية المادية. إذ يفضلها البعض مع السكر، بينما يرغبها البعض الآخر محلّاة بالدبس أو العسل.
من المأكولات المعروفة شعبياً في فصل الشتاء أيضاً، «الفول النابت». ويُعد هذا الطبق جزءاً من الذاكرة المشتركة لمعظم أبناء المدن السورية. إذ لا بد أن يكون أحدنا قد توقف مرة واحدة على الأقل في حياته، لتناول صحن صغير من حبات الفول المسلوق، مصحوباً بكأس المرق، والتوابل المكوّنة بشكل رئيس من الكمون والملح وبعض الشطة والسماق. يُعرف الفول بغناه بالبروتينات والأملاح المعدنية، لذا فهو يقاوم التوتر والإجهاد اللذين يصيبان الجسم شتاءً. أما ماء السلق المنكّه بالليمون والكمون، فهو مشروب يبعث الدفء ويطرد البرد من الجسم ويساعد على الهضم. لكنّ كل هذه المعلومات الغذائية، قد لا تعني شيئاً لأبي علاء (بائع فول جوّال)، أمام متعته في اغتنام الأحاديث والقصص اليومية والجديدة التي تنساب إلى أذنيه من أفواه الزبائن القريبة، أو قصص الحب والتعارف التي لطالما كانت عربته شاهدة عليها. يقول أبو علاء «بحكم موقعي هنا، في دمشق القديمة، فإنني ألتقي يومياً مئات الأشخاص من مختلف المحافظات والأعمار وحتى الجنسيات الأجنبية. اخترت أن تكون هذه العربة المزيّنة بالطابع الفولكلوري عنصراً مكمّلاً للمكان، ليتمكن الجميع من التقاط هذا الشعور والاستمتاع به». ويضيف «على الرغم من ارتفاع الأسعار بشكل عام، فإن هذا الطبق الشعبي لا يزال في متناول الجميع، حتى أولئك الذين لا يملكون ثمنه. هناك دائماً فائض لمن يحتاج إليه».