لا تزال روح الدعابة حاضرة عند الحاج راغب نظام، الذي يحرص على نشرها في محيطه برغم أنّ عمره صار «في حيطان الميّة».

يفتح الحاج راغب باب منزله بحي الشاغور، بدمشق القديمة. يستقبلنا ليُقلّب لنا تاريخاً عايشه قرناً إلا خمس سنوات، ولا يزال يحتفظُ بتفاصيله. يُقارن بين أجيال وأزمان، تسرّبت من بين أصابعه التي تحكي عن كمّ الأيادي التي صافحتها خلال سني عمره الطويل، (من مواليد دمشق عام 1924). يقول «عندما أسير في الحارة، تتعب يدي من كثرة الأشخاص الذين يسلّمون عليّ. يستوقفني العشرات من أبناء الحي، فيستغرق منّي الطريق نصف ساعة، رغم أن المسافة لا تتجاوز كيلومتراً واحداً». مكانة الحاج راغب بين أهله وجيرانه، دفعت العشرات منهم لدعوته كي يكون على رأس «جاهته»، وهي عادية شامية قديمة، تتمثل بأن يُحضر العريس معه كبارَ عائلته من أجل التقدّم للخطوبة. شارك الحاج راغب في تزويج أكثر من مئة رجل من أبناء حارته، حتى صار بمثابة أب لجميعهم، كما يقول.
يحتفظُ الحاج راغب بقوة عضلية، وذاكرة حديدية، تدفعان من يُجالسه لتكرار عبارة «ما شاء الله» عشرات المرات خلال الجلسة الواحدة. يتحدّث عن الماضي والحاضر، بالقول «أذكرُ كيف كانت الحياة في دمشق قبل مجيء الكهرباء والسيارات والهواتف والراديو... كلّ شيء كان بسيطاً ويأخذ حقّه من الوقت والمتعة». يضع الرجل تلفازاً في زاوية الغُرفة، وقد خفّض صوته بشكل كامل، ليتابع بعينيه آخر الأخبار في سوريا. يقول «لم نكن نفكّر في الأخبار كثيراً. لم تكن هذه الكلمة تتردّد إلا بشكل محدود، كانت همومنا محصورة في تأمين لقمة عيشنا، وكنا سعداء للغاية رغم الفقر والبساطة».
لا يملك ابن «الزمن الجميل» هاتفاً محمولاً، ويرفض اقتناءه، إذ يجد فيه «اختراعاً مؤذياً» ساهم في تغيير نمط الحياة بشكل كلّي، وأداة تُلهي الأيادي والعيون ساعات طويلة. يعرض علينا بعضاً من صوره القديمة، ووثائق عمرها عقود. يبتسمُ تارة، ويتجهّم تارة أخرى. نكسر الصمت الذي سيطر لدقائق ونسأله «ما الذي تغيّر»؟ يُجيب من دون أن يرفع عينيه عن صورته، ويقول «لقد تغيّر الزمن، تغيّرت أخلاق الناس».