بدأت حكاية المختطفين السوريين منذ الشهور الأولى للأزمة. الانفلات الأمني الذي عرفته بعض المناطق تدريجياً، أدى إلى ازدهار «سوق الخطف» لأسباب تتعلق بتكديس أموال الفِدى، على يد جماعات نشطت في تلك المناطق بمختلف أنواع السيطرة فيها. إضافة إلى تنامي ظاهرة الخطف لأسباب تتعلق بالميول السياسية، مرة بوصفها فعلاً، وأخرى بوصفها ردّ فعل. ومع أن ملف المفقودين (مختطفين ومعتقلين) طُرح مرات عدة في بعض المحافل (مثل سوتشي وأستانا) فإنّ الجرح لا يزال مفتوحاً إلى اليوم. أما المحظوظون الذين تم تحريرهم من الخطف، فلم تتوقف معاناتهم رغم تحريرهم، إذ أن الآثار النفسيّة «لا ترحم».

«لا أرقام دقيقة عن أعداد المختطفين في سوريا». الجواب الذي يردّده علي حيدر في كل لقاءاته الإعلامية. حيدر، هو المسؤول عن ملف المختطفين، وقد شغل منصب «وزير المصالحة الوطنية»، قبل أن تتحول وزارته إلى «هيئة» أواخر عام 2018. أما المختطفون المُحرّرون، فلا عمل ممنهجاً لتقديم الدعم لهم عقب تحريرهم، باستثناء جهود متفرقة محدودة تقوم بها بعض الجهات الأهلية. التقت «الأخبار» على مراحل عدداً من المختطفين المحررين، ينحدرون من مناطق مختلفة، وقد عاشوا ظروف احتجاز متباينة، لكن القاسم المشترك بينهم جميعاً أن ظروفهم النفسيّة لا تزال بالغة السوء.
كان الخامس والعشرون من تموز لعام 2017، نقطة فاصلة في حياة لانا ويعرب ولميس. الأطفال الثلاثة اختطفهم تنظيم «داعش» الإرهابي، عقب هجومه على بلدة الشبكي في ريف السويداء الشرقي. تتزاحم دموع الأطفال الثلاثة في خلال حديث متقطّع مع «الأخبار». يقول يعرب: «الأمل كان السبب الوحيد لنضل عايشين». فيما تقول لانا: «كل يوم بفكر إنو يمكن يرجعو المسلحين يجو لعنا، ويكلبشونا (يقيدوننا) ويسكرولنا عيوننا، وما نشوف غير العتمة». أما لميس، فلا تزال ذاكرتها محتفظة بتفاصيل ما جرى معها. بؤس الدنيا يجتمع في عينيها، وترفض الحديث لغير والديها.

«إذا أحبّ عبداً ابتلاه»
لم تتوانَ السيدة الأربعينية سعاد أبو عمار، من قرية الشبكي، عن نبش ذاكرتها، متحسّسة مكان القيود على معصميْها. «كان عندي أمل وإيمان بقلبي إنو رح يجي يوم ونتحرر، والرب إذا حب عبدو رح يبتليه بأصعب المحن. والحمد لله هالإيمان ما خاب»، تقول. وتضيف: «بعد ما تحررنا (8/11/2018) تعبت نفسيتي. أول شهرين بعد التحرير كنت عيش حالة من البلادة. ما فيني قوم اشتغل بالبيت، وما بدي غير أبقى لوحدي. طبعاً هالشي أثر على نفسية الأولاد».

تشغل الضغوط الاقتصادية حيزاً كبيراً من تفكير الشاب المُحرّر


أما لينا، فقد حُررت من الخطف منذ مطلع عام 2013. السيدة الأربعينية المعروفة بـ«أم أيهم» واحدة من أبناء قرية عقرب، في ريف حماة الغربي. تشرح أن إحدى المجموعات المسلحة كانت قد ابتزّتها، وأجبرتها على تصوير شريط فيديو يتحدث عن «ممارسات الجيش السوري»، ليتم عرضه على بعض قنوات التلفزة. تقول السيدة لـ«الأخبار» «حط واحد منهم السكين على رقبة ابني ورا الكاميرا، وابني أطرش أخرس، لا بيحكي ولا بيسمع. كان عم يبكي بس. قلتلو للمسلح داخلة عليك، إلا ابني». تصمت لحظات، وتضيف «وافقت صوّر الفيديو من حرقة قلبي. كل شي إلا الضنى. معقول شوف ابني عم يندبح قدامي وما أعمل شي؟». تنفجر أم أيهم بالبكاء، لكنها تصرّ على إكمال حديثها. تقول: «لليوم بحلم بنفس الكابوس، وقت فجروا المسلحين البيت يلي احتجزونا فيه، وكان جسمي كلو دم، وحواليي شقف من جثث أقاربي وجيراني». وتضيف: «بعد التحرير بقيت بمدرسة أنا وولادي. ما رجعت على بيتي لليوم، البيت مدمر وما عندي قدرة على تصليحه».

خطف الصّور!
«الحياة لحظة»، يقول معن، ويطلق شهقة طويلة. كان الشاب جندياً في صفوف الجيش، وقد أمضى ثلاث سنوات في أحد سجون حي جوبر، شرق العاصمة دمشق. (اختطف في النصف الأول من عام 2016، وحُرر عام 2018). «كُنت يومياً شوف الموت ألف مرة. اليوم عندي زهد بالحياة، وبحس إني بأي لحظة ميت»، يقول لـ«الأخبار». يبدو صعباً تحرّر الشاب مما عاناه، خطواته لا تزال ثقيلة، ونظراته ساهمة. «أعاني حالياً من ضغط نفسي، ومن (انفعالات) عصبية زائدة في وجه أولادي وزوجتي وأهلي وأصدقائي. وسرعان ما أشعر بالندم بعد تلك النوبات». ويظهر جليّاً أن تفاصيل الحياة اليومية، والضغوط الاقتصادية، تشغل حيزاً كبيراً من تفكير الشاب، وتفاقم حالته. يتساءل معن «لماذا لا يحظى المختطف باستثناءات وتقدير مثل أي شهيد أو جريح؟ في النهاية كلنا قدمنا وضحّينا». افتتح الشاب استديو تصوير، يعود عليه بدخل مادي يعينه وعائلته لسد الرمق. «ذاكرتي احتفظت بكثير من المشاهد عندما خُطفت. أظن أنها لن تُمحى أبداً. اليوم، من خلال عملي أستطيع تصوير كل اللحظات الحلوة، كي نضحك عندما نتذكرها» يقول.

«ارحمنا بالموت»
محمد (اسم مستعار)، أحد المحرّرين من «سجن التوبة» التابع لـ«جيش الإسلام». يستقبلنا بمصافحة قوية، وكأنه يحاول منح الثقة وتخفيف وطأة ألمه. يقول: «نعم، نحن محررون، لكن لا نزال مختطفين بين ذكريات أقل ما يقال عنها بأنها وحشية». ويضيف: «عندما تُقطع الكهرباء اليوم، أشعر بضيق في صدري. وأعود حبيس ذكريات سجن التوبة، عندما كنت في زنزانة أشبه بالقبر، بطول 3 أمتار وعرض متر واحد، لم أكن أعرف الليل من النهار» يصمت الشاب لحظات، يطلق تنهيدة طويلة، ثم يستأنف حديثه «أصبح اليوم لديّ وسواس النظافة. لا أتحمّل رؤية أي ذرّة على ملابسي، وأفضّل غسل يديّ بعد لمس أي شيء». يقول: «النمل والجرب نهشا أجسادنا خلال أربعة أعوام من الأسر، بلا وجود لأدنى مقوّمات النظافة الشخصية». يُنهي محمد حديثه «كان دعائي، ولا يزال، يا رب ارحمنا بالموت. فهو الراحة الحقيقية».