توضح الإحصاءات أنّ نسبة ذوي الإعاقة في المجتمع السوري مرتفعة، قياساً بالنسبة العالميّة. يترافق ذلك بمحدودية التمثيل الفعلي لهم في سوق العمل. ثمة حاجة ملحّة لتدارك هذا الخلل، عبر «برنامج وطني» شامل. فيما تسعى مبادرات محدودة إلى «سدّ الفراغ»، ومن بينها مبادرة فريق «عدسة سلام»، الذي درب عشرة من ذوي الإعاقة وعشرة من غير ذوي الإعاقة على «تخطيط وتنفيذ الحملات الإعلامية».

تحاول شهد التعامل مع إعاقتها كما لو أنها «مجرّد زكام، ولكنه دائم». أصيبت الصبيّة العشرينية بـ«الحثل العضلي»، وهي في الحادية عشرة من عمرها، لـ«سبب وراثي، وزواج أقارب» على حد قولها. مع ذلك، بدأت شهد الدراسة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، قسم اللغة العربية، وتسعى لتكون فتاة اجتماعية لديها أصدقاء وعمل مستقل. تقول: «كباقي الناس، أحب أن أتعلم أشياء جديدة ومفيدة، لذلك قررت المشاركة في (مخيم عشرة) وتم قبولي». أقيم المخيم المذكور في العاصمة دمشق، بمبادرة من فريق «عدسة سلام»، وتقوم فكرته على تدريب عشرة أشخاص من ذوي الإعاقة، وعشرة من غيرهم، على تخطيط الحملات الإعلاميّة وتنفيذها. قدّم المخيم تدريبات نظرية وعملية على امتداد عشرين يوماً، ويجري حالياً الإعداد لحملة خاصة بنشر التوعية عن الأشخاص ذوي الإعاقة. تهدف المبادرة إلى تحقيق دمج فعّال، يُنتج عملاً ويبث رسائل تغيّر الصورة النمطية الخاطئة عن المعوّقين. تقول شهد لـ«الأخبار» إنّ «فكرة تعلم التخطيط وتقديم التوعية بشأن موضوع يلامسني بشدة شكّلت لي إغراءً كبيراً». حققت شهد غايتها بالخروج من غرفتها المنعزلة في مدينة اللاذقية، وتكوين صداقات جديدة من مختلف المحافظات مع أشخاص معوقين وغير معوقين، لكنها لم تكن لتتوقع أن يعلو سقف طموحها في ما يخص العمل، وتتغير نظرتها للأشياء من الناحية النفسية والعملية معاً، كما حدث بالفعل. تقول: «أنا ضمن فريق الإعلام والمحتوى، لا أواجه صعوبات كبيرة. المتعة في العمل هي التي تطغى على كل شيء».

يحدد القانون نسبة 4% من وظائف الجهات الحكومية السورية لذوي الإعاقة


أما أنس، الذي عانى من شلل الأطفال منذ سنواته الأولى، فقد أخذت معاناته منحىً آخر في مرحلة الدراسة الجامعية. الشاب الثلاثيني، خريج كلية الفنون الجميلة والمتطوع في «دائرة العلاقات المسكونية والتنمية»، استطاع برأيه «تحدي الإعاقة وصعوبات التواصل والوصول ونظرة المجتمع ومخاوف الأسرة، والتغلب عليها». من بين الغايات التي جعلته ينضم إلى الحملة، توظيف خبرته في التعامل مع هذه الفئة، ومعرفته بأغلب احتياجاتها وحقوقها وواجباتها وكيفية التعامل معها. أُسندت إلى أنس مهمة ضمن فريق العمل، هي المساهمة في صناعة الهوية البصرية واقتراح أفكار للأفلام. يقول عن العمل ضمن الفريق: «الأشخاص من ذوي الإعاقة، والأشخاص من غير ذوي الإعاقة، يشبهون الشخص الواحد المتكامل، القادر على صناعة رسالة حقيقية وفريدة من نوعها، لتخبر المجتمع الأكبر بتساوينا جميعاً بكلمة إنسان». الخبرة التي كان يمتلكها أنس في مجال التصوير والتصميم وصناعة الأفلام قبل مخيم التدريب، وصلت إلى درجة شبه احترافية، ما دفعه إلى التفكير في بدء عمل شخصي في مجال الإخراج السينمائي، سعياً إلى «إيصال الكثير من الأفكار حول قدرات الأشخاص المختلفين شكلاً فقط، وإمكاناتهم».

تدريب ونتائج
سعى أكثر من ألف متقدم من مختلف المحافظات السورية للمشاركة في المخيم. وبلغت نسبة المتقدمين من ذوي الإعاقة 9.5%، وقُبِل 10 مشاركين (5 ذكور و5 إناث) من ذوي الإعاقة (حسية وحركية) ومثلهم من غير ذوي الإعاقة، ليتلقوا تدريبات موحدة على أساسيات التصميم وصناعة الأفلام القصيرة وتخطيط الحملات الإعلامية وتنفيذها. يقول بشار مجدلاوي (أحد مؤسسي عدسة سلام) لـ«الأخبار»: «استنتجنا أن التواصل مع ذوي الإعاقة أسهل مما نتخيل. استطعنا تجاوز التحدي الذي وضعناه نصب أعيننا بأن يتمكن أي فرد في المجموعة من التعامل مع باقي الأعضاء ضمن فريق عمل منتج». ولعل أبرز المؤشرات على تحقيق الهدف المذكور، أن مترجمي لغة الإشارة المتطوعين، قد انتهى دورهم باكراً، وبدأ العمل الجدي لتنفيذ حملة توعية بكيفية التعامل مع المعوّقين وكيفية دمجهم بالمجتمع.

نسب مرتفعة
تشير أحدث الإحصائيات الرسمية، إلى أن النسبة العامة لذوي الإعاقة (وفقاً للمسح الديموغرافي الاجتماعي المتكامل المتعدد الأغراض لعام 2017، الذي يقيس مختلف الإعاقات على مدى 5 سنوات)، وصلت إلى 23.7%. وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالنسبة العالمية التي تصل إلى قرابة 15%. ارتفاع النسبة في المجتمع السوري «جعل هدف فريق عدسة سلام، الذي كان عام 2017 محصوراً بالاهتمام بذوي الإعاقة من خلال ورشات تدريبية تساعدهم على العمل والإنتاج ضمن المجتمع، لا يفي بالغرض» وفقاً لحديث هيام عبيد، إحدى أعضاء الفريق. «كسر الصورة النمطية عن الأشخاص ذوي الإعاقة ضمن المجتمع»، كان الهدف الأبعد الذي سعى إليه المخرج سيمون صفية، المشارك في مخيم التدريب، وذلك من خلال محتوى يقوم بصناعته المتدربون وينشرونه في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي. يقول صفية لـ«الأخبار»: «اكتشفنا الهوة الكبيرة بين أسلوب حياتنا، وأسلوب حياة الأشخاص ذوي الإعاقة، وكمية الجهل التي نحملها حول قضاياهم وحقوقهم. لكن يمكن القول إن الفريق استطاع تجاوز تلك المشكلة».

«عوز الأرقام»
تحدد «وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل» نسبة 4% من وظائف الجهات الحكومية السورية لذوي الإعاقة. هذا التمثيل، بافتراض تحققه فعلياً في القطاع العام، لا يشمل القطاع الخاص. بالإضافة إلى أن الدمج بين ذوي الإعاقة وغير ذوي الإعاقة ما زال محدوداً في مبادرات فردية. وصدر في عام 2004 «قانون المعوقين» الذي حمل رقم 34، ويُعنى بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع السوري، بالإضافة إلى ترخيص المعاهد الخاصة بهم. وعن القانون يقول المخرج صفية: «رغم وجود هذا القانون، فإن السؤال الأهم: ما الدور الذي تؤديه هذه الشريحة في المجتمع؟ والجواب يحتاج إلى إحصائيات وأرقام لا تتوافر لدينا». ويضيف: «ننطلق من الحاجات، لا من الأرقام، ما يحصر عملنا بالتوعية وتصحيح المفاهيم. هذا عمل أساسي ومهم وضروري، لكننا نحتاج أيضاً إلى رصد الواقع لنتمكن من صناعة التغيير والأثر الإيجابي».