عايش محيي الدين الكثير من قصص العشق التي ولدت في دير الزور في حقبة التسعينيات، وصولاً إلى مطلع الألفية الثالثة. الرجل الذي عمل مستخدماً في مركز اتصالات المدينة، كان يتولى مهمة تأمين «الفراطة» للعشاق. كان هؤلاء يجدون في الهواتف العمومية المنتشرة بالقرب من المركز، وسيلة آمنة للاتصال بحبيباتهم، في زمن الهواتف الأرضية، التي تحولت إلى قطعة زائدة في معظم المنازل في يومنا هذا. في تلك الأيام الخوالي، كان العشاق يحتاجون إلى هواتف عموميّة للاتصال بمنازل حبيباتهم، لأسباب كثيرة، على رأسها أن يزعم واحدهم أنه «أخطأ الرقم»، إذا ما استقبل الاتصال أحد ذوي المحبوبة.

يحكي الرجل لـ«الأخبار» كيف كان شبان المدينة يبدلون «الخمس ليرات، بأربع فراطة»، ليتمكنوا من تغذية حصّالات الهواتف العموميّة، فيكسب محيي الدين ليرة كاملة في مقابل كل عملية «تصريف». لاحقاً، لم تعد الليرة كافية لبث الحرارة في الهاتف العمومي، وصار لا بد من استخدام قطع معدنية أكبر قيمة. ثم أصيبت الهواتف بالكثير من «التطور»، وصار استخدامها متاحاً ببطاقة إلكترونية فحسب. تأثّر أحد مصادر دخل محيي الدين بسبب ذلك «التطوّر»، لكن ظهور بطاقات «ألو سوريا» للهواتف الأرضيّة، أعاده إلى العمل في مجال الاتصالات. صار الرجل يبيع تلك البطاقات المسبقة الدفع أمام باب المركز، بهامش ربح لا بأس به.
دار الزمان، وأجبرت الحرب محيي الدين على ترك مدينته دير الزور، المدينة المنسيّة التي تنتظر اليوم خطة جدية لـ«إعادة إعمار». صار الرجل واحداً من سكان العاصمة، التي يجول فيها ليبيع الكعك، ويتأمل حال أكشاك الهواتف العمومية المنتشرة على الأرصفة: بعضها بلا هواتف، وبعضها الآخر مع هواتف فقدت سمّاعاتها، وبعضها تحوّل إلى أجزاء من بعض «البسطات»! يحدث الرجل نفسه مستغرباً: «لماذا لا تزال المؤسسة العامة للاتصالات مصرّة على الاحتفاظ بهذه الأكشاك؟». نتساءل معه، لا سيّما أن تلك الأكشاك صارت أشبه بشواهد على قبر حقبة زمنيّة باتت خلفنا.
«أبو جرّاح»، وهو اللقب الذي حصل عليه من زبائنه العشاق في دير الزور، يستفيض في الحديث عن شجون العشق والهاتف. يقول: «ابن اختي اشترى هاتفاً خليوياً، في بداية ظهور هذه المعجزة التي وفرت الأمان للعشاق. كان يستفيد من الثواني الثلاث الأولى من الاتصال ليقول كلمة لحبيبته ويغلق الخط، لتعود هي وترد بالطريقة ذاتها». ويضيف «كانت تلك الثواني مجانية، قبل أن تنتبه شركتا الاتصال الخليوي العاملتان في سوريا إلى سهرات العشاق المجانيّة، وتقرر أن تحول الاتصال إلى مأجور منذ ثانيته الاولى». انطوت حقبة أخرى، ظهرت الهواتف الذكية، وبرامجها المتعددة الأشكال والاستعمالات. حتى وقت قريب، اعتاد أبو جرّاح استخدام برامج التواصل الاجتماعي، للاتصال بأخواته اللواتي أخذت الحرب كلاً منهنّ في جهة. لكنه بات أخيراً يعاني، مثل كل السوريين، من ضرورة استخدام برامج «كسر البروكسي» ليتمكن من تحصيل اتصال ينقطع مرة أو اثنتين في الدقيقة بسبب ضعف الإنترنت. نسأله: «هل سمعت ببطاقات الـVPN؟»، فيستغرب الاسم، ويطلب شرحاً حول تلك البطاقات. يستمع إلى الشرح، ثم يسخر منه ويردّد مثلاً شعبيّاً متداولاً في دير الزور «درب سعيّد درب أخوه». يشرح بعدها القصد من استخدام هذا المثل، إذ ستلتحق برامج التواصل الاجتماعي بقافلة «التطور»، التي سبق لها أن جرفت أكشاك الهاتف العموميّة، وحوّلتها إلى «قطعة أثاث زائدة» في الشوارع. لا يعرف الرجل كيف سيتمكن من مواصلة المشاركة في «محادثات لم الشمل الافتراضية» مع أفراد أسرته المتناثرة. لا يعرف أيضاً «ماذا سيفعل العشاق في زمن الـVPN». نضحك ونحن نردد على مسامعه بيتاً من الشعر «حجبوها عن الرياح لأني/ قلت يا ريح بلّغيها السّلامَ»، ثم نتفق على أنّ «هالحكي كان زمان. اليوم، عم يحجبوا الرياح بحد ذاتها».