«الحياة مدرسة كبيرة، وهذا المقهى مدرستي الصغيرة. لقد وضعت منهاجاً لنفسي، وأسمع الدروس يومياً من الفنانين والمثقفين والناس العاديين. زرياب أعاد لي حلمي بأن أتابع الدراسة، فكان مدرسة الظل». بهذا يكثّف برنار جمعة، نهج مشروعه: مقهى «زرياب». لم تسعفه ظروف الحياة في متابعة دراسته الأكاديمية، فقرّر برنار تعويض ما فاته من خلال مشروع ثقافي، جسّده داخل دمشق القديمة، في مكان هو «مقهى» في الشكل العام، لكنه أشبه بمكتبة، يجمع فيه الكتب بلغات عدة، ويشجع الطلاب والشباب على الدخول والدراسة والقراءة، ومناقشة مواضيع علمية وتاريخية واجتماعية.

بالإضافة إلى الزبائن، يستقبل برنار في مقهاه الذي يتوسط حيّ القيمرية، الشعراء والأدباء والصحافيين والرسّامين وبعض السياح. يتجول بين الطاولات، يجالس زبائنه الذين سرعان ما يتحولون إلى أصدقاء، ويتحدث بطلاقة مع السياح الأجانب. يُفاجئ برنار من حوله، حين يعرفون أنه لم يكمل حياته الجامعية بعد، إلا أنه يتحدث الإيطالية والإنكليزية، ويسعى حالياً لتعلم الإسبانية. ينحدر برنار (41 سنة) من جزيرة أرواد، ويُلقّب نفسه بـ«أبو بحر». أما نصفه الآخر من جهة أمه، فهو دمشقي من المدينة القديمة. انشغل في سنوات شبابه بالعمل المدني، والتطوع، ثم سافر إلى أوروبا، ليعاين نماذج من المشاريع الثقافية الربحية، ويعود ويطبّق أحدها على شكل «مقهى ثقافي». أثمرت جهوده أخيراً، تحويل «زرياب» إلى ما يشبه دار نشر بالمعنى المجازي، فقد جمع فيه، بالتعاون مع الكاتب خليل صويلح، عدداً من النصوص الأدبية التي توثق حالات مختلفة من الحرب، حمل عنوان «متحف الأنقاض... نصوص الحرب والعزلة»، يتناول الكتاب تفاصيل السنوات الأخيرة، بأقلام شبابية، وقد صدر أخيراً عن «دار نينوى».
يقول برنار: «مذ كنتُ شاباً عشرينياً، كانت تدور في رأسي أفكار تتمحور حول أن العمل الثقافي لا يجب أن يكون حكراً على المؤسسات الحكومية، بل يجب أن ينفتح على مبادرات شبابية مستقلة. زرت مدينة بازل السويسرية، ورغم صغر مساحتها، لاحظت وجود مقاهٍ ثقافية كثيرة، أسّسها شباب وطلاب، يجتمعون فيها، ويدرسون ويتبادلون الأفكار، وأحياناً يُقيمون الحفلات الموسيقية». يرى الرجل أن المؤسسات الكبيرة غالباً ما تتوجه في مشاريعها الثقافية نحو المحترفين أو المشاريع الثقافية الصغيرة، فهي غالباً ما تتوجه نحو الهواة، وهذا ما يفعله في «زرياب»
على الجدران الحجرية القديمة، عُلِّقت آلات موسيقية، استخدامها متاح للجميع. وفي جهة مقابلة، وضع «أبو بحر» مجموعة من الكتب، بعضها اقتناه خلال أسفاره، والبعض الآخر تطوّع الزبائن في وضعها، من أجل القراءة مجاناً أيضاً. ولا تزال بعض اللوحات الضوئية معلقة على الجدران، منذ آخر معرض للصور أُقيم في المكان. تجاورها رسومات زيتية، والكثير من الأوراق التي كتب عليها الزبائن أمنياتهم، وعلّقوها على «شجرة الأمنيات». حينَ يشعر برنار بالملل، يتوجه نحو الطبخ، لأنه «أفضل ما تعبّر به الشعوب عن نفسها»، ويتفنّن بمزج الثقافات الساحلية والدمشقية من خلال أطباقه. ويُبقي الدعوة مفتوحة لأي شخص يُحبّ أن يشارك في إعداد أطباق الطعام. يقول: «في هذا المكان، يجب على الجميع أن يفعل ما يحبه، العزف أو القراءة أو الغناء أو الطبخ. مرة طلبت مني سيدة أن تؤدي مسرحية. وبالفعل، خلال ساعة حوّلنا المكان إلى مسرح، وصار الزبائن جمهوراً، وصفّق الجميع بحرارة». يميّز برنار بين الثقافة والتعلّم. يقول: «التعلّم قد يكون لصنعة أو مهنة أو علم معيَّن. أما الثقافة، فهي الاطلاع والقراءة، وتشمل التعلم في منحى معين». ويضيف: «الشهادة في النهاية وثيقة تستوجب المعرفة، لكنها لن تكون أبداً الطريق الوحيد للمعرفة».
لا يحصر برنار نشاطه الثقافي داخل المقهى، بل تطوع مع جمعية «نحنا» الثقافية، من أجل ما وصفه بمواجهة ثقافة الموت بالموسيقى والفن، وتدرّج فيها حتى صار عضواً في مجلس إدارتها، ثم أمسى لاحقاً مدير فرقة «نبض» الموسيقية. تروّى برنار كثيراً حتى أطلق على مقهاه اسم «زرياب»، ويقول عن التسمية: «هو أول من أسس مدرسة موسيقية في العالم العربي. هو موسيقي من بلاد الرافدين، وانتقل للعيش في الأندلس، ثم أضاف الوتر الخامس إلى العود، وجمع في مدرسته بين الثقافة والموسيقى. هذا ما نسعى إليه في هذا المكان».