«صار عمري 85 سنة، تعبت كل هالعمر، وعم جهّز لأولادي مشان مستقبلهم. هلأ بدهم ياني روح لعدرا وأسّس من جديد، إي شو بقي من العمر؟!». بهذا يختتم أحد صناعيي منطقة «القابون» الصناعيّة كلامه أمام كاميرا التلفزيون السوري، مغالباً دموعه، قبل أن تخنقه في نهاية المطاف. الرجل واحدٌ من مئات المتضررين بـ«فضل» قرارات «تطويريّة» تخصّ واحدة من أعرق المناطق الصناعية في سوريا، وأقدمها. ومنذ شهور طويلة، يخوض الصناعيون معركة طويلة، بغية الحفاظ على مصانعهم، وأرزاقهم، التي لم تدمّرها الحرب، لكنّها مهددة بالذهاب ضحيّة إجراءات «تنظيمية» تجميليّة!


وعود... وعهود
تتاخم المنطقة الصناعيّة بالقابون العاصمة دمشق. ويشرح عدد من صناعيي المنطقة حكايتهم مع الجهات الرسميّة، وهي حكاية بدأت بوعود مُبشّرة، ووصلت اليوم إلى مطالبتهم بإخلاء المنطقة والانتقال إلى «مدينة عدرا الصناعيّة»، بغية تحويل القابون إلى «ضاحية سكنيّة». في منتصف شهر أيار من العام 2018 دُعي الصناعيون إلى اجتماع في «غرفة صناعة دمشق وريف دمشق»، وتم إبلاغهم قراراً حكوميّاً بدعم الصناعيين الراغبين في العودة إلى المنطقة وإعادة تدوير عجلة الإنتاج في معاملهم. طُولب الصناعيون الراغبون بالعودة بتوقيع تعهدات خطيّة، يؤكدون فيها التزامهم بترميم منشآتهم، وإعادة تأهليها، ومباشرة الإنتاج في خلال فترة لا تتجاوز ستة أشهر، على أن تقوم الجهات الحكومية بدعم المنطقة وتأهيل البنى التحتية بالكامل. وقّع الصناعيون التعهّدات المطلوبة، لكن النتيجة كانت مفاجئة. «الظاهر كان في حدا غيرنا لازم يوقع تعهّد»، يقول أحد الصناعيين لـ«الأخبار». شُكلت لجنة من «غرفة الصناعة» لمتابعة الملف، وزار رئيس مجلس الوزراء المنطقة في الأسبوع الأخير من شهر حزيران عام 2018، يرافقه كل من وزير الصناعة (السابق) ووزير الإدارة المحليّة، ومحافظ دمشق (السابق). وعد رئيس مجلس الوزراء بـ«إعادة تأهيل المنطقة، وإيصال الماء والكهرباء وخطوط الهاتف، خلال شهرين (من تاريخ الزيارة)». باشر عدد من الصناعيين أعمال ترحيل المخلّفات وتنظيف المنشآت، والترميم، والإكساء، استعداداً لتنفيذ تعهداتهم. لكن، وبعد خمسة أسابيع من زيارة الوفد الرسمي، لم يكن أي من تعهدات الحكومة قد نُفّذ، وبدلاً من ذلك، أُبلغ الصناعيون بأنّ النية قد انعقدت على «تنظيم المنطقة»، أي هدمها بالكامل، تمهيداً لتحويلها إلى ضاحية سكنيّة!

المحافظة «أقوى» من الحكومة!
في الفترة الممتدة بين زيارة الوفد الرسمي، وإبلاغهم قرار «التنظيم»، كان الصناعيون قد قاموا بترميم «غرف المحوّلات الكهربائية الخاصة»، لكنّها سرعان ما هُدمت من قبل «مجلس المدينة» (البلدية)، لأنّها «مُخالفة»! المفارقة، وفقاً لبعض الصناعيين، أنّهم كانوا قد سمعوا تلويحاً بهدم تلك الغُرف عقب زيارة رئيس الوزراء فوراً، رغم أنه «أوعز شخصياً بترميمها».

قُدّم 740 اعتراضاً على المخطط التنظيمي، لكنها حتى اليوم لم تُثمر شيئاً مفيداً


منذ ذلك الوقت، بدأت معركة الصناعيين الطويلة، وكان تاريخ 26 كانون الأول 2018 محطة بارزة في تلك «المعركة»، إذ دُعي عدد من الصناعيين إلى اجتماع مع رئيس الوزراء، وأعلموا بأنه «لا رجعة عن قرار التنظيم». في الاجتماع المذكور، وعد رئيس الوزراء بدراسة أوضاع المنشآت بشكل مفصّل. وطُلب من «غرفة الصناعة» إعداد قوائم تفصيلية تقسم المباني إلى ثلاث فئات: قائمة، ومدمّرة، وشبه مدمرة، مع وعود بالسماح للصناعيين أصحاب المباني السليمة في حال جديتهم، بالعودة إلى منشآتهم ومواصلة العمل، على أن تقوم «وزارة الإدارة المحلية» بالكشف على المباني عقب إعداد القوائم المطلوبة. تعذّر إعداد القوائم بسبب عدم وجود «موافقة أمنية». في 14 نيسان 2019 تقدمت «غرفة الصناعة» بطلب رسمي إلى «وزارة الإدارة المحلية» لتسهيل الحصول على الموافقات اللازمة لدخول المنطقة، أحيل الطلب إلى «محافظة دمشق» لإبداء الرأي، لكن الرأي تأخر كثيراً. أخيراً، وقبل يومين، قامت لجنة بزيارة المنطقة، لكن المؤشرات، وفقاً لعدد من الصناعيين توحي بإصرار «المحافظة» على المبالغة في تقييم الأضرار. وتقول تقييمات «المحافظة» إن نسبة الدمار في المنطقة تقارب 80%، وهي «نسبة مخالفة للواقع كليّاً»، وفقاً لتأكيدات عاطف طيفور، أحد صناعيي المنطقة. يؤكد طيفور أن «واقع المنطقة موثق بدقة بأشرطة فيديو وصور احترافيّة، والتوثيق يوضح أن حجم الضرر مغاير لتلك التقديرات». ويشرح لـ«الأخبار» أن «نخبة من مهندسي نقابة المهندسين قد أعدّت تقريراً عن نسبة الدمار الحقيقية، وهو مصدق من وزارة العدل». ووفقاً للتقرير المذكور، «تبلغ نسبة دمار الكتلة (أ) ثلاثة في المئة فقط، في مقابل 16 في المئة للفئة (ب)»!

«وراء الأكمة»؟
للوهلة الأولى يبدو إصرار «محافظة دمشق» على المضيّ في الخطط التنظيمية مُستغرباً. لكن الغوص في التفاصيل قد يكون كفيلاً بكشف شيء مما «وراء الأكمة». تبلغ مساحة المنطقة 200 هكتار تقريباً. وتطمح «المحافظة» إلى الحصول على نسبة 20% من تلك المساحة في مقابل تنظيم المنطقة وتقديم الخدمات والبنى التحتية، عبر «شركة الشام القابضة»، التابعة لـ«محافظة دمشق»، ما يعني «حق المحافظة» في استثمار 40 هكتاراً من المساحة الكليّة، وهي نسبة قادرة على استيعاب عدد هائل من الأبراج السكنية، يتم بيعها بمبالغ باهظة. لكن طيفور يؤكد أنّ «هذا الأمر مخالف للقانون أصلاً». ويشرح لـ«الأخبار» أن المنطقة قد تأسّست أصلاً بموجب مرسوم جمهوري (عام 1948)، بعد أن كانت عبارة عن أراض زراعيّة، و«قد تم اقتطاع نسبة تراوح بين 60 و75% منها في ذلك الوقت، مقابل المرافق والخدمات». ويضيف «تم تنظيم المنطقة مرة أخرى عام 1972، واقتطعت المحافظة في ذلك الوقت نسبة 20% من المساحة في مقابل الخدمات والمرافق، وتوسيع الطرقات. كيف سيتم اقتطاع نسبة تنظيمية للمرة الثالثة؟»

هل من «مُغيث»؟
كما ينص القانون، تقدم الصناعيون باعتراضات على «المخطط التنظيمي» المقترح. 740 اعتراضاً تم تقديمها وفقاً للطرق القانونية، لكنها حتى اليوم لم تُثمر شيئاً مفيداً. شأنها في ذلك شأن شكوى كانت قد قُدمت قبل أكثر من عام إلى «الهيئة العامة للرقابة والتفتيش»، موقّعة من 270 صناعياً، وتطالب بـ«التحقيق في التقييم الأوّلي للجنة تقييم الأضرار، وفي التقرير الذي قدم لرئيس مجلس الوزراء، ومعرفة من قام برفع نسب الضرر بين التقرير الأولي والتقرير النهائي»، الأمر الذي ينطبق أيضاً على عشرات التقارير الإعلامية، تلفزيونية وصحافية وإذاعيّة، شرح عبرها الصناعيون مشكلتهم، من دون جدوى.