يعتبر أبو جواد، المنحدر من بلدة الشحيل في ريف دير الزور الشرقي، أن تحوّله من العمل في الزراعة إلى صيد الأسماك من نهر الفرات، تبديل لشكل العمل لا أكثر. فهو، وفق رؤيته، كان يقضي وقته أيام الفلاحة في تحويل المياه من «مسكبٍ» إلى آخر، والآن في الصيد لا يزال على تواصل مباشر مع الماء. يتحدث الرجل إلى «الأخبار» بكثير من السخرية عمّا دفعته ظروف الحرب إليه، فصيد السمك كان لفترة طويلة من الأعمال غير الآمنة في المنطقة، بفعل وجود «داعش»، الذي كان يعتبر استخدام القوارب النهرية من دون تصريح خطي يستصدر من قبل «الديوان» أو «الشرعي»، جريمة. ولا تقلّ خطورة هذا العمل اليوم عما سبق، فالاشتباه بأن القارب يعمل في «تهريب» البشر أو المواد النفطية بين ضفتي الفرات قد يعرضه لإطلاق نار من دون سابق إنذار.

يشرح الرجل الذي قارب العقد الخامس من عمره، أن بداية عمله في صيد الأسماك قبل خمسة أعوام، كانت «مغامرة اقتصادية» بمبلغ يعد ثروة بالنسبة إليه. فشراء معدات الصيد من قارب وشباك كلّفه مبلغاً قارب المليون ليرة سورية، استدان غالبيته من أبناء عمومته ليبدأ مشروعه الصغير دون أي دراية بآليات المهنة. غير أن «الفرا»، كما يطيب لسكان الشرقية تسمية النهر، كان كريماً، وصار مدّ الشباك مع الأيام عملية سهلة بالنسبة إلى أبو جواد، وبعد تعلمه المهنة بمجهود ذاتي، زاد من نشاطه بشراء قارب ثانٍ لابنه الأكبر، ليبدآ عملهما معاً.
يشتكي الصياد الوافد من الحقول، من الفوضى التي تشهدها مهنة صيد الأسماك في الفرات وبحيرة الأسد، من خلال استخدام الأساليب التي تمنعها القوانين السورية، ولكنّه يؤكد في الوقت نفسه أنه لن يعود إلى الزراعة، فهي من وجهة نظره «لم تعد تطعمي خبز، وفيها من الخطورة الكثير نتيجة لجهالة السكان بخرائط حقول الألغام التي زرعها داعش خلال فترة المعارك».

صيد الأسماك كان من المهن التي استقطبت الغالبية في مرحلة الحرب


أبو جواد ليس الفلاح الوحيد الذي هجر الزراعة في منطقته، أو المناطق القريبة منها، فهناك آخرون كثر تحولوا إلى العمل في مجالات عدّة، مثل بيع الخضار أو تجارة الأسلحة أو المشتقات النفطية، غير أن صيد الأسماك كان من المهن التي استقطبت الغالبية في مرحلة الحرب، ولا سيما بوجود وسطاء ينقلون السمك إلى أسواق مدينتي الحسكة و الرقة، وحتى إلى إدلب من خلال المعابر الموجودة في محيط منبج.

«مو واقفة عليّ القصة»
يسكن أبو حسين في «مخيم السد»، مع عائلته المؤلفة من ثمانية أفراد. الفلاح السابق يعمل حالياً في «التجارة» وفقاً لتوصيفه، فقد حصل على دراجة نارية ثلاثية العجلات من خلال بيعه مصاغاً ذهبياً كان يختزنه «للأيام السوداء»، وبعد تزويد هذه الدراجة بالمواد التي يحتاجها سكان القرى، يبدأ بالطواف من قرية إلى أخرى لبيع بضاعته مقابل «مرابح معقولة». ويعرب في حديثه إلى «الأخبار»،عن أمله بـ«استئجار محل في بلدة العريشة، القريبة من المخيم، لافتتاح مشروع تجاري صغير». العمل الزراعي لم يعد يعنيه في شيء، هو الآخر، فحتى لو عاد إلى الشعفة، التي هرب منها قبل ثلاث سنوات، فهو يفكّر في احتمال بيع الأرض التي يمتلكها ليبدأ تجارته، أملاً بتعويض خسائره المادية في الحرب؛ وعند سؤاله: مَن سيزرع إن هجر سكان الشرقية أراضيهم؟ يقول بحزم: «مو واقفة عليّ القصة».

«شريك الماء»
تشير التقديرات غير الرسمية إلى نزوح ما يزيد على 700 ألف شخص عن قراهم في المنطقة الشرقية نحو المخيمات، إضافة إلى هجرة عدد مماثل من هذه المناطق إلى خارج البلاد. وإلى جانب ذلك، فإن عدداً كبيراً من الشباب المنحدرين من المحافظات الشرقية، منخرط حالياً في أعمال قتالية مع عدد من الجهات، فيما انتقل البقية إلى مهن أخرى بعيداً عن العمل الزراعي، ومن بقي ضمنه، أصيب بخيبة أملٍ بعد موجتي الفيضانات والحرائق اللتين ضربتا محاصيلهم خلال الموسم الحالي.
داخل «مخيم السد» الذي يعتبر ضمن تصنيفات الأمم المتحدة «نقطة تجمع للنازحين»، يحاول كثير من السكان البحث عن مهنة جديدة. وعلى أساس قاعدة اقتصادية شعبية تقول: «شريك الماء ربحان»، افتتح جمال مقهى صغيراً داخل المخيم، يقدّم المشروبات وأدوات التسلية، بما في ذلك خدمة مشاهدة مباريات كرة القدم على القنوات المشفّرة لزبائنه. يقول إن أكثر من 15 عاماً في فلاحة الأرض قبل الحرب «ضاعت» من عمره، لا تعادل في عائداتها المادية ما يجنيه خلال سنة واحدة في المقهى، لذا سيقوم، إن عاد إلى بلدته هجين، بافتتاح مقهى بمواصفات «سياحية» وفقاً لوصفه، وحلمُه تركيب «شاشات عملاقة» تجذب الزبائن إليه أكثر من غيره.

«رائحة الزيتون»
أبو عدنان، النازح من عفرين قبل عام، يتحدث بمرارة عن كرم الزيتون الذي أحرقته المعارك. ويقول في حديثه إلى «الأخبار» إنه لم يبتعد عن الزيتون، فبدلاً من العناية بأشجاره، بات تاجراً يشتري ويبيع، قبل أن يضيف القول مع ابتسامة: «أتحسس رائحة الزيتون العفريني في أسواق مدينة عامودا عن بعد». يصف الرجل البالغ من العمر 74 عاماً، العمل الزراعي بأنه «عادة، إن تركتها لن تعود إليها نهائياً»، ويضيف أن أغلب النازحين من مناطقهم الزراعية يبحثون عن مهن أخرى «تحقق أرباحاً عالية وسريعة». يحمّل أبو عدنان مسؤولية هجر الزراعة كاملة للحرب، ويؤكد أن الأخيرة «لم تحرق الأرض وتأخذ الشبان وحسب، بل زرعت مكان المحاصيل الزراعية لعنة لن تزول إلا بقدرة الله عن هذه البلاد التي كانت يوماً أرض خير».