يكتشف السوريون يوماً إثر يوم، أنّ الحرب لن تنتهي في بلادهم بمجرد سكون المدافع، وأنّ «صمت البندقية» في كثير من المناطق لا يعلن سوى انتهاء «معركة النجاة»، لتبدأ بعدها معارك البقاء. وفيما يواصل الموت التحويم حول أطفال المناطق الساخنة كـ(إدلب، وحلب، وأرياف حماة واللاذقية)، يختبر أطفال المناطق التي غادرتها آلة الحرب، أشكالاً مختلفة من الاضطرابات، بفعل تكدّس الصدمات التي عاينوها، لتخرج بعد حين بأشكال عدّة، صنّفها الأطباء أنها اضطراب أُطلق عليه بلغة الطب «اضطراب ما بعد الصدمة».

في صيف عام 2014، أبصرت الوليدة شيرين النور، على وقع الحرب في إحدى بلدات ريف دمشق. نمت رائحة البارود مع جلدها، واختلط صوت أمها بأصوات القذائف التي اعتادت سماعها على مدار الساعة وامتداد السنوات. تروي الأم أنّ ابنتها كانت ترتجف مع صوت كلّ قذيفة، وتقبض على أصابعها إثر دويّ كل انفجار، وتغور عيناها داخل وجهها حين تبكي، ويطول صراخها. سُكب في أذني شيرين ما يسكب في آذان أطفال الحروب، لكنها لم تتعلّم التمييز بين أصوات الهاون والمدفع، ولم يتسنّ لها تكرار الحروف والأرقام في روضة الأطفال. تكمل الطفلة اليوم عامها الخامس. سكتت آلة الحرب في بلدتها (كفربطنا)، لكن عقل الطفلة الباطن ما زال يخرج كلّ ما خزنته من تلك الأصوات، ليترجمه عبر عينيها اللتين ترتجفان، ولا تستقيم إلى نقطة واحدة. حمل القلق والدة شيرين إلى طبيبة تعاينها، بعد أن لاحظت انطوائيتها المفرطة، وعزلتها التامة. شاركت الاختصاصية النفسية ديما نقولا في إعداد هذا الريبورتاج، وهي كانت المعالجة المشرفة على حالة شيرين، وعشرات الحالات المشابهة. لدى معاينتها أول مرة، كانت الطفلة شاردة، مع أنها تنظر نحو المعالجة مباشرة. تمشي بخطوات حذرة، وتفضل عدم الحركة، كأن الأرض تحتها ستهوي، ولم تُغرِها أي لعبة قدمت إليها. بدا بوضوح أن شيرين مصابة بـ«اضطراب ما بعد الصدمة»، وهو حالة صحية عقلية تنتج إثر حدث مخيف، وتتضمن أعراضه استرجاع الحدث، وكوابيس وقلقاً شديداً، وأفكاراً لا تمكن السيطرة عليها. حُسم الأمر مع تأكيد الأم الأربعينية وجود الأعراض الأخرى. «صوت طفلتي منخفض وغير مسموع، تتكلم بالهمس أو بالإشارة، رغم أنها لا تعاني أي مشكلة إدراكية أو جسدية. هي قادرة على الجلوس أربع أو خمس ساعات من دون أي حركة أو كلمة». لدى سؤالها عن ظروف نشأة الطفلة، قالت الأم: «كنا نخرج من البيت ونعود (تبعاً لظروف المعارك)، وننتقل بين البيوت المجاورة في ظروف مرعبة. كنت شديدة التوتر والخوف على أولادي، ولا أسمح لهم بالاقتراب من النوافذ، وأصرخ بنحو هستيري في حال اقترابهم منها. كثيراً ما بقينا في ممرات المنزل ساعات، والرصاص يطرق جدراننا بكثافة».

الاضطراب مُعدٍ!
لا تختلف أعراض حمزة (4 سنوات) كثيراً عن أعراض شيرين. هو أيضاً قليل الكلام والتواصل، ويشعر سريعاً بالذعر، وتؤكد والدته أنه يعاني من صعوبة النوم والتركيز. تُماثل أعراض الطفل أعراضاً كان يعاني منها والده، الذي كان أيضاً سريع الغضب والانفعال، ويستشعر الخطر من أصغر التفاصيل، ويُكثر الالتفات وتحسّس الأشياء. تقول أم حمزة: «يعاني زوجي من انهيارات نفسية، وكوابيس لا تفارقه، ونوبات بكاء لا إرادية. يبدو أنه نقل العدوى إلى حمزة». عاشت العائلة في منطقة قريبة من خطوط الاشتباك على أطراف دمشق الجنوبية، ونزحت مرات عدة من منزلها، كانت إحداها تحت وابل من الرصاص. وتعرّض ربّ الأسرة للتعذيب بعدما خُطف، وبقي مفقوداً أشهراً طويلة. ومن المعروف أن أعراض «اضطراب الكرب» قد تبدأ في غضون شهر واحد من الأحداث الصادمة، لكن في بعض الأحيان قد لا تظهر إلا بعد مرور سنوات. وتسبب هذه الأعراض مشكلات كبيرة في المواقف الاجتماعية أو العملية، وفي العلاقات. ويمكن أيضاً أن تتعارض مع القدرة على أداء المهمات اليومية العادية.

«زدنا الأمر سوءاً»
تخرجُ د. سلام قاسم من إحدى جولاتها في الغوطة الشرقية، بعد أن عاينت في هذه المرة أيضاً عشرات الأطفال المصابين بـ«اضطراب ما بعد الصدمة». تقول قاسم: «أعراض الاضطراب عند الأطفال تتجلّى في إعادة تمثيل الصدمة، أو تكرار كلمة معينة، أو حدث معين بشكل لا إرادي، وقد ترتبطُ هذه الكلمة بذلك الحدث». تفاقمت الأعراض لدى محمد، ابن مدينة دير الزور. فهو يعاني أيضاً من تبوّل لا إرادي، ويردّد أسماء كثيرة لأشخاص لا يعرفهم، وقد علمنا لاحقاً أنها أسماء لمقاتلين متطرّفين ذبحوا أحد أقاربه أمام عينيه. لم يعبر مشهد الذبح ذاكرة محمد، إذ دأب الطفل (7 سنوات) على استعادة ما جرى بمفردات مبهمة يرددها بتواتر ثابت. واعتاد وضع يديه على عينيه مباشرة إذا ما اقترب أحد منه، ويسيطر القلق على شفتيه. تقول والدة محمد: «كان (تنظيم) داعش (المتطرف) في دير الزور يرغمنا على مشاهدة المعلقين في المشانق، والمقطوعة رؤوسهم. لقد رأى محمد كل ذلك». وتضيف: «حين حاولنا مساعدته، أخذناه إلى شيخ، ونصحنا بأن نجعله يطلق الرصاص من البندقية ليكسر خوفه. أطلق مئة رصاصة في الهواء، والآن أدركنا أننا زدنا الأمر سوءاً». لم يستطع محمد التأقلم مع الحياة الجديدة في دمشق إثر انتقاله مع عائلته من دير الزور قبل أكثر من عام، ولا يزال يجد صعوبة في التكيّف مع أقرانه في المدرسة. يقول والده: «البعض كان يقول إنه ممسوس وبحاجة لقراءة القرآن، والبعض كان يستهزئ به ويصفه بالجنون والبَلَه. نحن الآن، والحمد لله، نتابع تأهيله في دمشق».

مؤشرات... ولا إحصائيات دقيقة
تغيب النسب والإحصائيات الدقيقة للأطفال الذين يعانون من «اضطراب ما بعد الصدمة»، ولا سيما أن كثيراً من الأهالي لا يعون أن ما يعانيه أطفالهم ناجم عن حالات نفسية. ويبدو جليّاً أن كل طفل عايش مآسي الحرب والنزوح واللجوء والفقدان، عرضة لكثير من الاضطرابات. في شباط الماضي، خلُصت دراسة أعدها «مركز دمشق للأبحاث والدراسات/ مداد»، إلى أن «معظم الأطفال والمراهقين السوريين، يعانون أمراضاً نفسية نتيجة الحرب». طبقت الدراسة على 891 طفلاً ومراهقاً من محافظة حلب، من قاطني «مراكز الإيواء»، إضافة إلى 480 طالباً وطالبة من طلاب مرحلة التعليم الأساسي، و48 مرشداً نفسياً. وخلصت إلى أن «40% من أفراد العينة يعانون اضطرابات القلق بأشكالها المختلفة، و18% يعانون من الاكتئاب. فيما يعاني 42% متلازمات وأعراضاً نفسية متنوعة، شملت اضطراب الشدة بعد الصدمة النفسية، واضطرابات النوم والكوابيس، وفقدان الذاكرة النفسي المنشأ، وتبدد الشخصية المترافق باضطراب الوعي والذهول، ونوبات الهلع، والمخاوف المرضية». وفي آذار 2017، كانت منظمة «Save The Children» قد أصدرت تقريراً قال إنّ «جيلاً كاملاً من الأطفال في سوريا يعاني من خطر التعرض لمشاكل في الصحة النفسية مدى الحياة». تحدث معدّو التقرير وقتها إلى نحو 450 طفلاً ومراهقاً، وآباء وعاملين في المجال الاجتماعي في سبع محافظات سورية. وبحسب التقرير، كان «نصف الأطفال الذين شملهم البحث يعانون من شعور ثابت ومستمر بالأسى والحزن الشديد، و78% من الأطفال يعانون من تلك المشكلات بين فترة وأخرى». أما في عام 2015، فقد خلُصت دراسة ألمانية أجريت في «الجامعة التقنية في ميونيخ» على عينة من 100 طفل لاجئ، إلى أن «واحداً من بين كلّ 5 أطفال يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة، بينما يحاول نحو 30% منهم مقاومة المشكلات العقلية الخطيرة».