في عام 2017 أمضى عبد الرحمن الرزج، شهرين في أحد مخيمات النزوح في الحسكة. قبل أن يقرر العودة إلى قريته الكشكية (ريف دير الزور الشرقي). أسبوع واحد بعد العودة، كان كافياً ليفقد الرجل إحدى ساقيه، بانفجار أحد الألغام التي خلّفها تنظيم «داعش» المتطرف في منزله. بعد تعافيه من جراحه، بدأ الرزج يفكر في الحصول على ساق بديلة. ولأن السفر إلى أي منطقة خارج البلدة للبحث عن «طرف اصطناعي»، كان مسألة مستحيلة أمام قلّة دخل الرجل، قرر أن يصنع ساقاً لنفسه! أثمرت التجارب بعد ثلاثة أشهر، وصنع الرزج طرفاً اصطناعياً خفيف الوزن، وسهل الاستخدام!

يحكي الرزج، لـ«الأخبار»، عن الأطراف الاصطناعية، التي بدأ إنتاجها لحاجته الشخصية، ومن ثم لسكان ريف دير الزور الذين باتوا يعرفونه بلقب «الدكتور». يقوم التصنيع على استخدام بعض المواد البلاستيكية (أنابيب صرف صحي)، والخشب، والأقمشة وبعض البراغي، لتكون النتيجة «أطرافاً تساعد على المشي بحركة شبه طبيعية، وبتكلفة 10 دولارات أميركية في الحد الأقصى، للطرف الواحد». لا يتحمل الراغب في تصنيع «طرف اصطناعي»، أي تكلفة، فـ«الدكتور» يقدم المواد، والتصنيع، والتدريب على استخدام الطرف الصناعي، بوصفها خدمات مجانية للمصابين من أبناء منطقته. تشير التقديرات إلى وجود نحو 100 مصاب في قرى الشعيطات وحدها (الكشكية، غرانيج، أبو حمام). فيما يقول أبو موفق (الرزج)، إن لديه 300 اسم من ريف دير الزور الجنوبي الشرقي لأشخاص فقدوا أطرافاً سفلية أو علوية خلال العامين الماضيين، ويتمنى «الحصول على دعم من أي منظمة» ليتمكن من تصنيع أطراف لهم. يقول «لا توجد مراكز لتقديم الأطراف الاصطناعية في منطقتنا، والمنظمات النشطة في ريف دير الزور لم تعمل في هذا الملف من قبل». ويضيف «الحصول على طرف اصطناعي يستوجب السفر إلى مناطق أخرى، والتكلفة عالية بالنسبة إلى فقراء شرق الفرات. هذا ما دفعني إلى التفكير بطريقة لتصنيع هذه الأطراف». يحكي عن تجربته الشخصية «بعد أربع محاولات فاشلة، فوجئ سكان القرية بي وقد صنعت طرفاً اصطناعياً، أول الأمر، ظن البعض أنني حصلت عليه من إحدى المنظمات». عمل الرزج على تشكيل الطرف الذي صنعه من خلال تعريض أنابيب البلاستيك للحرارة، لتأخذ الشكل الذي أراده. وقد تدرب على استخدامه، كما قام لاحقاً بتدريب الشبان العشرين الذين صنّعَ لهم أطرافاً سفلية، ليتمكنوا من ممارسة أعمالهم وقيادة السيارات أو الدراجات النارية! وبرغم أن الأمر بدا أول الأمر متعذّر التحقق، فإن الورشة التي كان يعمل بها أساساً على تصليح الإلكترونيات، تحولت اليوم إلى ورشة لـ«تصنيع الأطراف».
عبد اللطيف الأحمد، واحدٌ من الشبان الذين استعادوا القدرة على المسير بفضل «الأطراف الاصطناعية» التي صنعها الرزج. كان الشاب، قد فقد طرفيه السفليين نتيجة انفجار لغم أرضي في قريته أبو حمام. يقول الأحمد لـ«الأخبار»، إن الأطراف التي يصنعها «الدكتور أبو موفق»، قد وفرت عليه الحاجة إلى معونة الآخرين في دفع كرسيه المتحرك. ويضيف «كانت بداية السير بالأطراف الاصطناعية تحتاج الى استخدام العكازات». التدريب المستمر لمدة شهر كامل، أفضى إلى قدرة الأحمد على المشي، ومن ثم قيادة دراجته النارية ما بين منزله وعمله. يؤكد الشاب الذي ينتظر عيد ميلاده الخامس والعشرين مطلع شهر أيلول، أن من لا يعرفه، لا يكتشف أنه يمشي على طرفيين صناعيين، فـ«الأطراف الاصطناعية التي يصنعها الرزج، لا تختلف كثيراً من حيث الشكل عن الأطراف الطبيعية، ولا يمكن تمييز الشخص الذي يستخدم أحدها، إلا إذا كان يرتدي ثياباً تكشفها للعيان».