في 9 آذار كان لبنان يواجه، كما يحصل عدّة مرات في السنة، استحقاق تسديد أصل إصدار من إصدارات اليوروبوند بقيمة 1.2 مليار دولار. كان مصرف لبنان قد هيّأ مع المصارف اللبنانية وكبار حملة السندات الأجانب، لعملية مقايضة (سواب) ترمي إلى تأجيل سداد مبلغ الأصل لسنة، مقابل تسديد فوريّ جزئيّ.

قامت حركة واسعة في الرأي العام، رابطة بين مسألتَي الودائع واليوروبوند، ومدّعية أن تسديد اليوروبوند، إن تمّ، سيكون على حساب المودعين. الحجّة مستغربة لأن المصارف، إن كانت ترغب أصلاً بتسليم بعض العملات الأجنبية للمودعين، سوف تكون أكثر قدرة على القيام بذلك إذا سدّد لها مصرف لبنان، على حساب الخزينة، مبلغاً منها (من العملات الأجنبية). أتى الضغط لعدم السداد من حلقات من الاقتصاديين والعاملين في المؤسّسات المالية الذين بدأوا يطرحون، في الوقت نفسه، الذهاب لطلب برنامج من صندوق النقد الدولي. غالبية هؤلاء مقرّبون من الأوساط المالية الدولية. بعد بضعة أيام من التردّد العصبي، وبينما كانت المضاربات على السندات تنشط بقوة، أعلنت الحكومة التوقّف عن السداد في 7 آذار.


كانت النقاشات قد بدأت داخل الحلقة الحكومية قبل ذلك. من غرائب الأمور أن الاستشاري القانوني كليري – غوتليب استُدعي لمساعدة الحكومة في مفاوضاتها مع حملة السندات، لا سيما الأجانب منهم (مثل صندوقَي الاستثمار أشمور – وفيديليتي وغيرهما) وأمام محاكمة نيويورك التي يُحتمل أن تحجز أو أقلّه أن تجمّد موجودات لبنان في الخارج (ودائع المصارف ولا سيما مصرف لبنان لدى المصارف العالمية، وبالأخص الذهب)، وقد حصل استدعاؤه قبل ذكر التوقف عن السداد. أما وقد أُعلن التوقف عن السداد، وأصبحت الحاجة إليه متحققة، راح دوره يتلاشى لصالح دور الاستشاري المالي «لازار». لماذا؟ بماذا يشي ذلك؟ تكراراً هل هناك أحد يمسك بالمقود؟
سرعان ما ظهرت على الساحة الدعوة إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي. الإعلان الأبرز أتى على لسان أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، الذي نقض في 13 آذار كل مواقف حزبه السابقة تجاه اللجوء إلى صندوق النقد الدولي: «وعن الاستعانة بصندوق النقد الدولي»، قال إن «موقفنا واضح وبعيد عن أي التباس، وهو أننا لا نمانع لجوء الحكومة إلى استشارة أي جهة أو أن تقدّم أي مؤسّسة مساعدة ضمن ضوابط»، نافياً أن يكون حزب الله يرفض مساعدة خارجية للبنان. لكنه أكد أنه «إذا كانت مسألة قرض ولكن ضمن شروط لبنانية فلا مانع لدينا، ولكن إذا كان قرضاً مقابل توطين الفلسطينيين مثلاً فمن يقبل به؟»... لكنه رفض بشكل قاطع «أيّ شرط لفرض رفع ضريبة القيمة المضافة إلى %15 مقابل الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي».
أُعطيت الإشارة. طوال شهر ونصف انكبّت الحكومة ولجنتها الاقتصادية والاستشاري «لازار» على إنتاج «البرنامج»، وصولاً إلى تقديم الحكومة الطلب الرسمي لبرنامج من صندوق النقد الدولي في الأول من أيار. كيف حصل هذا الانزلاق الغريب من تأليف حكومة دياب وإقرار بيانها، إلى إعلان التوقّف عن الدفع وصولاً إلى طلب مساعدة صندوق النقد؟ من الواضح أنه لم تكن هناك خطّة مرسومة، أقلّه محلياً.
لا بدّ من التوقّف عند بعض التقاطعات الزمنية. يوماً واحداً قبل الضوء الأخضر من حزب الله، أعلن حاكم المصرف المركزي الإيراني، عبد الناصر همّتي، أن بلاده طلبت 5 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي. في 9 نيسان، عُيّن رئيس جهاز المخابرات الوطني العراقي مصطفى الكاظمي الذي يُعتبر شخصية مقبولة من الأميركيين، لتأليف الحكومة، بينما كانت إيران والأحزاب المقرّبة منها، في العراق وفي لبنان، تدعو قبل بضعة أسابيع، إلى طرد الأميركيين من المنطقة إثر اغتيالهم اللواء قاسم سليماني. في 27 نيسان، استثنت الولايات المتحدة، العراق، لشهر واحد فقط، من العقوبات التي تفرضها على إيران، فسمحت بدخول بعض العملات الصعبة إليها بالقطارة. الأوضاع الاقتصادية في سوريا كارثية والتوتّر الداخلي يشتدّ فيها، في ظل تباينات يصعب إخفاؤها بين الروس والإيرانيين. الضغوط الأميركية على السعودية تتصاعد...
من المبرّر اعتبار الانزلاق الذي حصل في لبنان جزءاً من عملية واسعة يقودها الأميركيون، لدفع الإيرانيين إلى التفاوض تحت الضغط قبل حلول موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية في تشرين الأول المقبل. الفرنسيون والروس يتموضعون على هذا الأساس. من المبرر اعتبار التوقف عن الدفع، من دون أي فكرة لدى من أعلنه عما يترتب عليه، وحتى من دون معرفة الوضعية المالية للدولة وحالة سيولتها، محطة لإطلاق تفاوض سياسي، على الصعيد الإقليمي، خلف ستار حكومة واجهة، وتحت ضغط حاجات للتمويل حادّة ومسيّرة.
ترافق إعلان برنامج الحكومة مع جهود مكثّفة لتقديم صورة إجماع وطني حوله في مقابل صندوق النقد.
وربط المسؤولون الأميركيون فوراً بين المفاوضات مع صندوق النقد الدولي ودور حزب الله، مركّزين على معابر التهريب بين لبنان وسوريا التي قالوا إنه يستخدمها لتمرير الأسلحة وإنها ترتّب جزءاً كبيراً من عجز المالية العامة. جاء رد حسن نصر الله في 4 أيار. بعد الإشادة بجهود الحكومة، أضاف أن «الخطة أو قرار مجلس الوزراء لم يعطِ أحد تفويضاً لأيّ أحد أن اذهب واتّفق أنت وصندوق النقد الدولي والذي تتفق عليه البلد كله سيمشي».
أولئك أنفسهم الذين أصرّوا على أن يروا في انفجار الغضب الشعبي في تشرين الأول 2019 نتيجة لمؤامرة دولية، انتهوا، بأفعالهم، بجعل تلك المؤامرة المتوهّمة واقعاً.
مرّة إضافية، يجد لبنان نفسه على طاولة مفاوضات دولية، ليس كشريك في المفاوضات، بل كأحد مواضيعها، غير الأساسية حتى. عاد يُحيي قرنين من تاريخ حزين (1825 والحملة المصرية التي آلت إلى تسوية بريطانية – فرنسية، 1841 وتقسيم جبل لبنان إلى قائمقاميتين تحت الإشراف نفسه، 1861 والبروتوكول الذي أنشأ متصرفية جبل لبنان تحت رعاية الدول السبع الكبرى، مفصل 1920 واتفاقيات سايكس – بيكو ثم معاهدتا سان ريمو ولوزان ووعد بالفور وإنشاء الدولة اللبنانية، 1943 والاستقلال إنما برعاية الجنرال سبيرز، 1958 وتلاقي الولايات المتحدة وجمال عبد الناصر ووصول فؤاد شهاب إلى الرئاسة، 1989 واتفاقية الطائف، ثم 2008 واتفاقية الدوحة، وكلاهما برعاية أميركية). كما في كلّ مرة، يتموضع زعماء الطوائف بحسب هذه التفاوضات، استباقاً لبعض النتائج المرجوّة منها للذين يعتقدون أنهم ممثّلون فيها من خلال هذا «الراعي» أو ذاك (مع خيبات أمل عديدة في النهاية)، أو انتهازاً للذين يراهنون على أكثر من طرف، وهم الأقل سذاجة. إنما يجمعهم كلهم قلق شديد من انتظار النتائج النهائية، ومتى ظهرت يسارعون جميعاً، ما عدا قلة يزاحون لتطبيقها.
يصرّ الطرف الأقوى في هذه اللحظة، حزب الله وهو الأكثر تعرّضاً محلياً وإقليمياً، على إعطاء المفاوضات التي تنطلق حظوظها. لكنه يتخوّف من أن يُعزل، فيعزّز وفاءه لراعيه الإقليمي، ويتمسّك بحليفيه، حركة أمل (كي لا تتفسخ الطائفة)، والتيار العوني (كي لا يُعزل في الطائفة). لكنه بذلك، يمدّ هذين الحليفين بقوّة كبيرة من دون أن يطمئن لطموحاتهما ولمناوراتهما ولخلافاتهما التي تتعاظم بحكم هذه القوة التي لهما مصلحة في استعارتها. الزعماء من الحجم الوسط، جنبلاط وجعجع، محكومان بالخوف والإرباك، لذا لا يقطعون شعرة معاوية لا مع حزب الله ولا مع الفريق الموالي للأميركيين. أما الأضعف، الحريري، فهو يسعى للبقاء ضمن نادي الزعماء رغم إفلاسه المالي والسياسي، وحجّته مصلحة اللاعبين الآخرين، المحليين والإقليميين، الواقعية أو المفترضة، في استيفاء زعامته خوفاً من نتائج غير متوقعة ومقلقة قد يولدها أفوله على «ساحته» الطائفية.
أما الانتهازية فتتغذى من القلق وتولده، وهي محكومة بقصر النظر وقصر الذاكرة. هذا هو بالتحديد ما ذهب البعض، عن سذاجة، لتسميته صموداً صمود حيال استمرار الحرب، وصمود حيال تراكم الدين. هل يحتفلون في يوم آت بالصمود حيال تصفية المجتمع؟


هل يصحّ استنتاج أن لا شيء يتغير في هذا البلد؟ لا أبداً. خلال القرنين الأخيرين، شهد المجتمع تحوّلات جذرية تندرج ضمن سياقين. سياق الخسائر: سلسلة طويلة من الحروب الأهلية/ تراجع حادّ في موقع ما بات اليوم لبنان ضمن فضاء الإقليم، تبديد هائل للموارد الإنسانية والمادية. وسياق المكاسب: انتشار التعليم بين الذكور والإناث معاً، إنجاز الانتقال الديمغرافي والهجرة من الريف، والانخراط في الحياة المدينية، وتكثيف العلاقات الاقتصادية والمجتمعية ضمن رقعة البلد الذي لم يعُد وجوده موضوع سجال، ونسج شبكة علاقات عبر العالم في المجالات كافة، وتكوين طاقات مهنيّة وثقافية وافرة، وإن بقيت فرديّة ومبعثرة وفي جزء كبير منها مستلبة ومصدرة.
سياق الخسائر توافق مع مأسسة تدريجية للطوائف. من بشير الشهابي الذي راهن على تقلّبات المنطقة إنما بتوظيف قدرات داخلية أراد إظهارها ببناء قصره ومن دون إعلان التزام بطائفة، إلى عاميات الفلاحين وتحالف الأعيان مقابل العوام في نزاعات القرن التاسع عشر التي شهدت أول الاصطفافات الطائفية، إلى المواجهات السياسية في القرن العشرين، بين الكتلوية والدستورية، ثم بين النهج والحلف، التي لم تتموضع الطوائف كتلاً متراصة على جانب أو آخر من جانبيها، إلى أيامنا حيث الطوائف – الأحزاب تدّعي أنها مكوّنات بذاتها، نشهد سياقاً انحدارياً مخيفاً في القدرات وتصلّباً شديداً في البنى الطائفية، لم يُستكمل إلّا خلال الحرب الأهلية واستديم حتى اليوم.
كانت الطوائف مرتبة من مراتب التقسيم المجتمعي أسوة بالعائلات والأنساب والمناطق، لكن الطوائف باتت اليوم شيئاً آخر تماماً. نشأت ولو تحت المسمّى ذاته، وتمأسست وتجذّرت ككيانات سياسية وسلوكية لأنها لبّت حاجة وظيفية نشأت في الحرب، فكانت أدوات أبدعت في المزج بين مقولتي التسليم بالقدر والانتهازية. فالتسليم هو بقدر ليس في الواقع سوى صنيعة الكيانات الطائفية ونتيجة عجزها الذاتي، فتضطر، تعويضاً عن عجزها الذاتي، إلى تأييد الهويات والذوات الجماعية. أما الانتهازية فتتغذى من القلق وتولده، وهي محكومة بقصر النظر وقصر الذاكرة. هذا هو بالتحديد ما ذهب البعض، عن سذاجة، لتسميته صموداً صمود حيال استمرار الحرب، وصمود حيال تراكم الدين. هل يحتفلون في يوم آت بالصمود حيال تصفية المجتمع؟
تدور المواجهة الحالية حول أيٍّ من هذين السياقين، وكلاهما واقعي، تكون له الغلبة. هو تحدّ سياسي، لأن النظام السياسي القائم ليس سوى وليد سياق المآسي والعجز الذاتي، سياق التسليم بالقدر والانتهازية ونهجيهما. بينما يقوم النظام الذي تهدف هذه الوثيقة (اقتصاد ودولة للبنان) إلى تعزيز شروط إرسائه في ظلّ الشعور العارم بالغضب ومع حفظ ذاكرة الخسائر والمآسي على تأطير المكاسب والطاقات في مشروع سياسي يغلّب حجة القوة على حجّة الضعف.

تابع حساب «رأس المال» على إنستغرام هنا
اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا