يمزج «رأس المال في القرن الحادي والعشرين» لتوماس بيكيتي بين التاريخ والإحصاءات والنظرية. أمّا كتابه الجديد «رأس المال والإيديولوجيا» فهو طويل بما يكفي (1200 صفحة) لجمع كتب عديدة معاً: تاريخ كمّي من انعدام المساواة عبر الزمان والمكان، من أوروبا في العصور الوسطى والهند القديمة إلى المجتمعات الحالية؛ نظرية غير اقتصادية للتقسيم الاجتماعي؛ تحقيق في الجذور الاجتماعية للشعبوية الراهنة؛ ومانيفستو سياسي لليسار الأوروبي. يتنقل الكتاب بين الثراء الاستثنائي لمادة بيكيتي التجريبية وصولاً إلى اتساع نطاقه الثقافي، ومن تحالف نادر بين الدقّة الإحصائية والمراجع المخطوطة إلى مستوى الطموح الفكري والسياسي لمؤلّفه. هناك الكثير ممّا يستحق الثناء عليه في هذا الكتاب الرائع.

مع ذلك، ومن وجهة نظر السياسة، يستحقّ الجزء الأخير، حيث يقدّم المؤلف أجندة لتعزيز العدالة الاجتماعية، مناقشة أكثر شمولية. وعلى الرغم من أن هذا الجزء أقصر بكثير من الأجزاء الأخرى، إلّا أنه على الأقل طموح مثل الفصول التحليلية.


هدف بيكيتي هو تقديم نموذج جديد بديل من المشروع الاجتماعي الديموقراطي الشائع. قد يبدو هذا الطموح مبالغاً فيه، لكنّه محقّ إلى حدّ ما. ففي سياق حالات الغضب الاجتماعي الراهنة، لم تعد كتالوغات المقترحات المُنزلة تقنع الناخبين، ولا تزوّد صانعي السياسات بدليل لاتخاذ القرارات في الوقت الصائب في بيئة غير متوقّعة. تحتاج الديموقراطيات في الوقت الحاضر إلى اتجاهات طموحة، تماماً كما كانت الرفاهية الكينزية في الستينيات أو الحكومة الصغيرة ومشروع السوق الحرة في الثمانينيات.
غالباً ما تفشل جداول الأعمال الواقعية في مواجهة التحدّيات الملحّة. وصلت مستويات انعدام المساواة في الثروة والدخل والحصول على الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحّية إلى مستويات لا يمكن معالجتها عبر التلميح إليها، كما كان يحصل عادة خلال النقاشات حول السياسات.
يعتمد جدول أعمال بيكيتي الجريء على ثلاث ركائز أساسية. الأوّلى هي تمكين الموظّفين من خلال إصلاح جذري لحوكمة الشركات، والثانية هي إعادة توزيع ضخمة للثروة والدخل من خلال إصلاح النظام الضريبي، والثالثة تنطبق بشكل أساسي على أوروبا، وهي الانتقال إلى الفيدرالية عبر الوطنية. هناك أسباب وجيهة للتفكير في كلّ هذه العناوين التي يمثل كلّ منها إشكالية بذاته.

تمكين الموظّفين من خلال إصلاح حوكمة الشركات
أوّلاً، حوكمة الشركات. هناك موضوع يتكرّر في الكتاب، ويتمثّل في نقد سياسة التسليم المطلق لحقوق الملكية (أو ما يُطلق عليه الملكيّة). يستخفّ بيكيتي بالشيوعية، لكن في المقابل، يعتبر أن التوسّع التدرّجي للملكية الخاصة (من الأرض إلى الإنتاج ورأس المال غير المادي والبيانات) والزيادة المتوازية لقوّة المساهمين هما اللعنة الرئيسية للرأسمالية والسبب الأساسي لانعدام المساواة.
يستند بيكيتي إلى التجارب الألمانية والسويدية لاستعادة التوازن بين مالكي رأس المال والموظّفين.
ومع ذلك، تتجاوز مقترحاته مفهوم «التعاون الإداري» وفق النموذج الألماني، حيث يحصل ممثّلو الموظّفين على نصف المقاعد في مجلس الإشراف، فيما يعيّن المساهمون أعضاء المجلس التنفيذي، وهو ما يضمن عملياً احتفاظ المساهمين بالسيطرة على القرارات مع إعطاء ممثلي الموظّفين إمكانية الوصول إلى المعلومات وإبداء الرأي في الاستراتيجيات الشاملة. في الواقع، يركّز بيكيتي على جبهتين أساسيتين: فهو ينادي بمنح الموظّفين نصف المقاعد في مجالس الشركات الكبرى، وإعطاء حقّ التصويب إلى المساهمين الذي يملكون أكثر من 10% من رأس المال في الشركة.
لا يوجد سبب لعدم التفكير في إصلاحات تطاول حوكمة الشركات المؤيّدة للعمّال، لا سيّما في اقتصاد يصبح فيه رأس المال البشري أكثر وأكثر أهمية. لكن اللافت في مقترحات بيكيتي هو تصوّر القضية من وجهة نظر توزيعية حصراً. ومع ذلك، سواء أفضت هذه الإصلاحات إلى كفاءة اجتماعية أو تحفيز للابتكار، إلّا أنها تبقى خارج نطاق البحث إلى حدّ كبير. يُنظر إلى الرأسمالية بشكل رئيسي على أنها آلية لمراكمة الثروة لا كمحرّك للتحوّل الاقتصادي.

إعادة توزيع الثروة والدخل من خلال إصلاح النظام الضريبي
الضرائب هي الأداة الثانية التي من خلالها يعتزم بيكيتي احتواء التركّز في الثروة والملكية. مقترحاته دقيقة وجذرية على هذه الجبهة، إذ يتمّ تقديم معايير الرقمية مؤشّراً لتحقيق هدف لا لبس فيه: تحويل طبيعة الملكية وجعلها مؤقّتة لا دائمة. فاليوتوبيا الاجتماعية لبيكيتي تشبه نظام ملكية الأراضي حيث يتمّ إعادة توزيع الممتلكات بانتظام من الملّاك إلى الفلّاحين.
يركّز بيكيتي على ثلاث ضرائب تقدّمية مختلفة لتحقيق هذه الغاية: ضريبة الثروة وضريبة الإرث وضريبة الدخل. من المفترض أن تموّل عائدات الضريبتين الأوليين، والتي تشكّل نحو 5% من مجمل الناتج المحلّي، عملية توزيع رأس المال العالمي التي يمنح خلالها كلّ مواطن 60% من متوسّط الثروة الوطنية (نحو 130 ألف دولار في البلدان المتقدّمة) في سنّ الخامسة والعشرين. أمّا الضريبة الثالثة فسينتج عنها نحو 40% من مجمل الناتج المحلّي، وستخصّص لتمويل الخدمات العامّة والتأمين الاجتماعي والدخل الأساسي للفقراء.
لا تبدو هذه الأرقام متطرّفة. في الواقع، يصل الإنفاق العام إلى 45% من متوسّط الناتج المحلّي الإجمالي في الاتحاد الأوروبي، ما يجعل العبء الضريبي ثابتاً تقريباً. لكن ما تهدف إليه هذه الاقتراحات فعلياً هو إجراء إصلاح جذري في نظام الملكيّة. وفقاً للجدول الرقم 17.1 في الصفحة 1130 من الكتاب، يمكن أن يصل معدّل الضريبة السنوي على الثروة إلى 5% للفرد الذي يبلغ صافي أصوله 10 أضعاف متوسّط الثروة. وبما أن بيكيتي يقترح (عن حق) فرض ضريبة متساوية على كلّ أشكال الثروة، وبما أن متوسّط ثروة الأسرة الفرنسية يصل إلى 250 ألف يورو، فإن الضريبة على ثروة بقيمة 2.5 مليون يورو ستكون 125 ألف يورو سنوياً. بالمقارنة مع الولايات المتحدة، تقترح السناتور إليزابيث وارين فرض معدّل ضريبي هامشي بنسبة 2% فقط على الثروة التي تتجاوز 50 مليون دولار (بدلاً من معدّل بيكيتي الفعلي البالغ 10%)، ويصل المعدّل إلى 3% على الثروة التي تتجاوز مليار دولار (بدلاً من أكثر من 60%).
إضافة إلى ذلك، ستكون الأصول نفسها خاضعة لضريبة عقارية بنسبة 60%، وسيصل معدّل الضريبة الفعلي على الدخل إلى 60% للفرد الذي يكسب 10 أضعاف متوسّط الدخل. من المرجّح أن تقضي هذه المستويات على الملكيّة التي تبلغ مستويات منخفضة نسبياً، باستثناء تلك الخاصّة بروّاد الأعمال القادرين على تحقيق عائدات عالية على رأس المال. تشير المحاكاة التي أجراها إيمانويل سايز وغابرييل زوكمان (2019) لأغنى 400 فرد في الولايات المتّحدة إلى أن ضريبة الثروة بنسبة 10% على الأصول التي تتجاوز مليار دولار ستمنع حصول أي تشوّه في اتجاهات توزيع الثروة التي لوحظت منذ الثمانينيات. وبالتالي، مزيج ضريبة الثروة المُصادرة وضريبة العقارات والدخل التقدمية، الذي يقترحه بيكيتي سيذهب أبعد من ذلك بكثير، إلى نهاية ملكيّة رأس المال كما نعرفها.
يعتمد جدول أعمال بيكيتي الجريء على ثلاث ركائز أساسية؛ الأوّلى هي تمكين الموظّفين من خلال إصلاح جذري لحوكمة الشركات، والثانية هي إعادة توزيع ضخمة للثروة والدخل من خلال إصلاح النظام الضريبي، والثالثة تنطبق بشكل أساسي على أوروبا، وهي الانتقال إلى الفيدرالية عبر الوطنية


مرّة أخرى، لا يوجد ما يمنع كسر المحرّمات والنظر في إصلاح ملكية رأس المال، لكن بشرط معالجة تبعاته. إن عدم اهتمام بيكيتي بالآثار المترتبة على مقترحاته محيّر. حتى إنه لم يكلّف نفسه عناء مناقشة عواقب معدّلات الادّخار أو سلوك الاستثمار أو الابتكار. بالنسبة إلى حوكمة الشركات، يبدو أن التوزيع هو التوجّه الوحيد المقترح. أمّا الاستخدام المتكرّر لمصطلح «رأس المال» في عناوين كتبه فهو إشارة لا لبس فيها إلى كارل ماركس، في حين لا يبدي بيكيتي أي اهتمام تقريباً في جانب الإنتاج. رأس المال، بالنسبة اليه، يعني ما هو أكثر بقليل من الثروة.

الانتقال إلى الفدرالية عبر الوطنية في أوروبا
أمّا الركن الثالث، الفيدرالية الأوروبية، فيُصوَّر باعتباره وسيلة للتغلّب على قيود السياسة الناجمة عن التشوّهات الناشئة عن المنافسة الضريبية وقاعدة الإجماع في الاتحاد الأوروبي حول المسائل الضريبية (وبشكل غير مباشر عن إطار الانضباط المالي في منطقة اليورو). ولحلّ الجمود الناتج عن إضافة حقّ الفيتو داخل مجلس الاتحاد الأوروبي (حيث يتمّ تمثيل كلّ دولة بواسطة وزيرها)، دعا بيكيتي إلى إضفاء الطابع الديموقراطي على الاتحاد الأوروبي ونقل صلاحيات المسائل الضريبية إلى جمعية تجمع البرلمانيين الوطنيين والأوروبيين.
التشخيص صحيح، لكن من غير المرجّح أن يرى هذا الحلّ الضوء. المشكلة في أوروبا ليست في تركيبة البرلمان كما يعتقد بيكيتي. بل تنشأ من حقيقة جوهرية، وهي أن الدول التي وافقت على تجميع السيادة الاقتصادية في مجموعة من القضايا ليست على استعداد لتزويد الاتحاد الأوروبي باختصاصات متعلّقة بالضرائب أو توزيع الثروة. هذا هو موقفهم منذ نشأة الاتحاد، والمناخ السياسي الحالي يجعلهم أقل تعاطفاً مع أفكار مماثلة، أكثر من أي وقت مضى.
بصرف النظر عن أن مجلساً يجمع بين البرلمانيين الوطنيين والأوروبيين لن يتصرف وفقاً لرغبات بيكيتي على الأرجح، السؤال الذي يطرح: لماذا قد توافق الدول فجأة على تغيير جوهري في توزيع الاختصاصات؟ في ألمانيا، أصبح السؤال مسألة دستورية. ففي سلسلة من الأحكام، أقامت المحكمة الدستورية الاتحادية حواجز أمام نقل صلاحيات جديدة إلى الاتحاد الأوروبي. ومن المفارقات المثيرة للسخرية أن حجّتها لها نفس طبيعة حجّة بيكيتي، لكن استنتاجاتها مختلفة: بالنسبة إلى محكمة كارلسروه، الاتحاد الأوروبي ليس ديموقراطياً بما يكفي ليحظى باختصاصات جديدة مهمّة، لأن مواطني الدولة ذات الوزن الديموغرافي الأقوى ــ ألمانيا ــ تمثيلهم ناقص في نظامها المؤسّسي.
بالنسبة إلى الركائز الثلاثة: حوكمة الشركات والضرائب والحوكمة الأوروبية، تثير مقترحات بيكيتي العديد من الأسئلة التي يفشل أو حتى لا يحاول الإجابة عنها. ففي ظلّ غياب أي مناقشة منهجية للآثار والاعتراضات المُحتملة على أفكاره، لا يمكن اعتبار هذه الاقتراحات بمثابة سياسات جادّة. في النهاية، ليس التطرّف في خططه الواردة هو ما يثير القلق، بل التناقض بين دقّة تحليله التجريبي ومقاربته العفوية لقضايا سياسية.

* معهد بيترسون للاقتصاد الدولي
* ترجمة: فيفيان عقيقي