ديفيد سيمز، كاتب اقتصادي متخصّص في التخطيط المديني ولديه خبرة واسعة في هذا المجال، عاش وعمل في مصر عقوداً طويلة، ألّف كتباً عدّة آخرها كتاب بعنوان «أحلام مصر الصحراوية: تطوير أم كوارث؟»، صدر عن الجامعة الأميركية في القاهرة. صيغة السؤال في عنوان هذا الكتاب ليست استفهامية بقدر ما هي استنكارية، إذ يضع الكاتب التوسّع في الصحراء ضمن قصّة تنمية الصحراء الكبرى التي بدأت منذ القرن التاسع عشر، وينتقد المشاريع الزراعية الضخمة والمجتمعات الحضرية الجديدة والمشاريع الاقتصادية الكبرى، مثل ممرّ تنمية الصحراء والمناطق الاقتصادية والصناعية الخاصّة والتنمية الساحلية التي تركّز على السياحة. ويبحث في الأسس التي دفعت حكّام مصر إلى اتباع استراتيجية مكلفة لتطوير أجزاء كبيرة من الصحراء، ويشرح سبب عدم قبوله تسويغات هذا النهج وأسباب إخفاقه. إضافة إلى أن الكتاب المذكور يمثّل صرخة ضدّ الفساد والمحسوبية والبيروقراطية، ويفضح الاقتصاد السياسي لهذه المشاريع التي صبّت في مصلحة النخب وأضرّت بمعظم المصريين.


سكة سفاجا - الخارجة. ساحات التبديل المهجورة في قنا. نيسان 2014


قرية الظاهر الصحراوي غير المأهولة - المنيا


عندما أزال الحراك الشعبي حسني مبارك من السلطة تمكّن عدد من الناشطين والصحافيين والمخطّطين المصريين من كشف فضائح تنمية الصحراء، منها على سبيل المثال: بيع مساحات شاسعة من الأراضي العامّة للمصالح الخاصّة بأسعار منخفضة، والاستيلاء غير المصرّح به على عشرات الآلاف من الفدادين من الأراضي الصحراوية، وإهدار كمّيات هائلة من الأموال العامّة في بنية تحتية لمشروعات ضخمة فشلت في تحقيق نتائج فعّالة، وفقدان الإيرادات من خصخصة الأصول العامّة المنظّمة وغير المنظّمة. يستند ديفيد سيمز في كتابه الأخير «أحلام مصر الصحراوية: تطوير أم كوارث؟» إلى هذه المعلومات ليقدّم كشفاً مفصّلاً بالاختلاسات وسوء استخدام الموارد الجماعية للبلاد. ويقدّم دراسة مستفيضة للإحصاءات والتقارير المنشورة وغير المنشورة في هذا الشأن، ويكشف فصلاً تلو الآخر عن مصير مخطّطات التنمية في مجالات الزراعة والإسكان والتصنيع والموارد الطبيعية والسياحة، ويوثّق طموحات التنمية الصحراوية وأسباب إخفاقاتها المتكرّرة وعواقبها غير المتوقّعة وآثارها الجانبية. ويخلص الكاتب إلى أن محاولة استخدام «الأراضي الجديدة» في الصحراء كانت مدفوعة بأسباب خاطئة، فهي لم تنطلق من النظر في الاستخدام المناسب للمناطق القاحلة، بل من محاولات حلّ مشاكل «الأراضي القديمة». فقد جرى تقديم استصلاح أراض صحراوية كما لو أنه الحلّ لكلّ مشاكل مصر: من الاكتظاظ والفقر والتلوّث والعمالة والإسكان والتصنيع... إلى الاستثمار الأجنبي.

صفقات عقارية ومضاربات
اكتسبت مسألة تطوير الصحراء مكانة متقدّمة في تفكير حكّام مصر منذ القرن التاسع عشر، بحجّة حلّ التحدّيات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد. ولأن معظم سكّان مصر يعيشون ويعملون في الشريط الأخضر الواقع على ضفتي نهر النيل، بدا للبعض أن المساحات الصحراوية المتاخمة توفّر فرص نموّ لا محدودة، انطلاقاً من فرضية كونها منهلاً لا ينضب للثروة الوطنية.
مع أن القرن التاسع عشر شهد محاولات عديدة لاستصلاح أراضٍ صحراوية، إلّا أن منتصف القرن العشرين شهد تكثيفاً غير مسبوق في هذا الاتجاه، إذ أطلقت الحكومة برنامجاً (انتهى أمره إلى الفشل) لبناء شبكة من المدن الصناعية في الصحراء. لكن مسألة التنمية الصحراوية بقيت حلماً لمجموعة من رجال الأعمال (والنخب العسكرية الحاكمة - ز. م.) كونها درّت على جيوبهم ثروات طائلة، وانتهت إلى أن تكون كابوساً وكارثة على اقتصاد البلاد والمجتمع المصري. ففي سبعينيات القرن الماضي، أي في بداية عصر «الانفتاح» الساداتي الذي قاد البلاد إلى كوارث لا حدود لها، شرعت الدولة المصرية بإطلاق سلسلة من المشروعات الكبرى الصحراوية، مثل بناء وادي نهر ثانٍ يوازي النيل في الشرق لريّ شبه جزيرة شمال سيناء، ومنح المجتمع هناك ثباتاً واستقراراً، وكذلك مضاعفة حجم القاهرة ببناء وحدات سكنية في الصحراء محيطة بالعاصمة لخلق ما سُمّي حدائق صناعية ومرافق الموانئ على نطاق غير مسبوق، وتأسيس منتجعات سياحية تغطّي كلّ متر تقريباً من ساحل البلاد الصحراوي. وروّجت الحكومة المصرية لهذه المشروعات الضخمة كوسيلة لخلق زيادات كبيرة في فرص العمل والإمدادات الغذائية والأراضي الصالحة للزراعة وخلق أمكنة سكن جديدة وفتح المجال أمام تأسيس صناعات جديدة. لكن النتائج كانت أقل من عادية، ولم تسهم في تلبية تلك الاحتياجات الرئيسة، ولم ينتج منها سوى صفقات عقارية وفرص التعاقد وعروض المضاربة التي تتمتّع بها مجموعة صغيرة من رجال الأعمال ذوي الصلة الجيّدة بالنظام وقوّاته المسلّحة.


انقر على الصورة لتكبيرها


انقر على الصورة لتكبيرها

* أنجزت الخريطتان رشا علي نقلاً عن الكتاب
EGYPT’S DESERT DREAMS: DEVELOPMENT OR DISASTER?. AMERICAN UNIVERSITY IN CAIRO PRESS 2018. 488 PP. DAVID SIMS. NEW EDITION.


يطرح تِمُثي مِتشِل، الذي كتب مقدّمة هذا الكتاب، سؤالاً محورياً: لماذا حاولت الحكومة مراراً مواجهة التحدّيات الجماعية للتحسين الاجتماعي من خلال اللجوء إلى الصحراء؟ ويحاول أن يبحث عن إجابات في ما سمّاه «ثروة الأدلة والتحليلات الواردة في الكتاب». يقول إن جغرافية مصر تقدّم ما يبدو ضرورة حتمية طبوغرافية، تستخدمها الحكومات والمخطِّطين لجعل الحلول القائمة على الصحراء تبدو كأنها طبيعية ومن دون الحاجة إلى تقديم مسوغات أو تقويم أو دراسة. فليس ثمّة أي عمل بحثي عن التنمية في مصر يتجنّب وصف البلد بالصورة المرئية المبسّطة للخريطة: وادي نهر ضيق، مزدحم بالناس، وتحيط به تخوم صحراوية غير مطوّرة لا حدود لها. طبيعة هذه الصورة والحلول التي تقترحها تساعد في تجاوز شرط تسويغ المحاولات المتكرِّرة والمكلفة للتوسّع في الصحراء، أو النظر عن قرب في النتائج الفعلية لمبادرات تنمية الصحراء أو في الخيارات الأخرى المُتاحة.
يخالف مِتشِل هذه الصورة النمطية: هناك طرق بديلة للتفكير في هذه الجغرافيا الرائعة. فكلّ بلد يواجه حدوداً لمساحة أرضه المُنتجة، حتّى لو كانت هذه الحدود أقل دراماتيكية في أماكن أخرى. ويستشهد بقول الكاتب: صحيح أن كثير من الناس يعيشون على طول نهر النيل، لكن الكثافة السكّانية لوادي النيل والدلتا في مصر تشبه مثيلاتها في المناطق الحضرية في الولايات المتّحدة.

ماذا يجعل من الكثافة السكّانية مشكلة؟
يقول مِتشِل: ثمّة طريقة أخرى لرؤية الصورة نفسها، وهي اعتبار جغرافية مصر تمثّل نجاحاً ملحوظاً. فعلى عكس المناطق الريفية في الغرب، مكّنت الجغرافية المُدمجة في الريف المصري الأسر من البقاء في الأرض. فالزراعة الصغيرة التي تمّ القضاء عليها في أجزاء كثيرة من العالم على مدار القرن العشرين، والتي تحاول بعض الدول إحياءها الآن، هي في مصر أكثر مرونة. فالمزارع الأسرية في مصر من بين أكثر المزارع كفاءة وإنتاجية في العالم، وهي توفّر غذاءً منخفض الكلفة، ومستوى معيشة بالحدّ الأدنى لعدد من السكّان أكبر من أي منطقة مماثلة.
تعكس بعض من هذه المرونة نجاحاً سياسياً: فالكفاح المتواصل للمزارعين المصريين على مدار القرن الماضي نجح بفرض قيود على فقدان الأراضي لصالح عمليّات تجارية كبيرة. فقد كان على صغار المزارعين الدفاع عن هذا النصر ضدّ المحاولات المُتجدّدة للتحرّك نحو الزراعة واسعة النطاق.
يشير سيمز إلى سمة بارزة في الريف المصري، وهي تمتّعه بأحد أدنى معدّلات الهجرة من الريف إلى الحضر في العالم، وهذا بفضل قابلية الزراعة على نطاق صغير، علماً أن معدّلات الهجرة من الريف إلى المدينة انخفضت منذ سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته. ويورد الكاتب أرقاماً تدعم قوله، إذ إن مقدار تلك الهجرة في البلاد يبلغ 8% (مقدار السكّان المهاجرين إلى إجمالي السكّان في سنّ العمل)، وهو يمثّل نصف المتوسّط العالمي، بالمقارنة مع معدل 35% في المغرب وأكثر من 60% في الهند.
ينظر إلى الكثافة السكّانية على أنها عامل سلبي، إلّا أنها تعني أن كلّ شخص في الريف المصري يعيش بالقرب من بلدة محلّية ومركز إداري، ما يعني أن تكاليف النقل والتسويق منخفضة، ويمكن للأسر دعم المزارعين وأولئك الذين يعملون في المدينة. ونظراً لهذه الكثافة والقرب من البلدات يمكن للقرى بدورها أن تدعم الأطبّاء والمحامين والمدارس.
يوضح الكاتب أن العديد من نكسات التنمية الصحراوية سببها عدم مراعاة قيمة هذه الترابطات. كان هذا هو الحال في كلّ من استصلاح الأراضي الزراعية وفي محاولة لتحديد موقع الإسكان والصناعة في الصحراء. تلك المخطّطات الخاصّة بالصحراء جعلت مصر تقود العالم في عدد المدن الجديدة التي حاولت بناءها في النصف الثاني من القرن العشرين. لكن قلّة من الناس كانت قادرة على تحمّل تكاليف العيش في مدن لا تقدّم أي صلة بالريف أو حتّى بين الأحياء والمباني السكنية الخاصّة بها، وتمّ جذب عدد قليل من الصناعات إلى مواقع تفتقر إلى مساكن بأسعار معقولة أو روابط مع المنتجين والموردين المحلّيين الآخرين. ومن بين أسباب المشاكل الرئيسة للتنمية الصحراوية، سواء في المشروعات الزراعية أو في المدن والمواقع الصناعية الجديدة، يظهر سبب رئيس هو تجاهل الترابط الاجتماعي والمادي والكثافة السكّانية والقرب من الأراضي المنتجة، ما أدّى إلى أشكال معزولة متفرّقة من المعيشة والإنتاج غير قابلة للحياة. لذلك فإن التطوّر الفاشل يعكس نظرة إلى مشاكل البلد التي حلّت فيها الصور الجغرافية المبسّطة محل النظر في الواقع الفعلي.

التنمية كمشروع سياسي
يقول مِتشِل: إن النقطة الثانية التي يمكن تعلمها من الكتاب لفهم الجاذبية الغريبة للتنمية الصحراوية هي أن التنمية مشروع سياسي. حتى عندما تتشكّل الأهداف من خلال الاهتمام بالصالح الجماعي بدلاً من إثراء النخبة، فإنها تنطوي على صراع بين القوى المتنافسة. فالكثافة والقرب الاجتماعي والمكاني اللذان يمثّلان قوّة لريف مصر (وبالتساوي مع معظم المناطق الحضرية) يعدّان مشكلة للدولة ومخطِّطيها. في الأراضي القديمة يكون مخطّط التنمية في وضع ضعيف. قد يكون من الصعب تحديد موقع حيث يمكن أن تكتسب نقاط القوّة والموارد الخاصّة بالمخطّط تأثيراً كبيراً في الترتيبات والروابط بين السكّان الحاليين والمساحات والموارد. في الصحراء يتمّ عكس مواقع القوة والضعف هذه. ومن الضروري التنويه إلى أن مخطّطات الحكومة تواجه عدداً قليلاً من القوى التي يمكن أن تتنافس معها: فلكلّ مشروع يمكن ترسيم المواقع واتخاذ القرارات وتحديد المساحة المخصّصة والبنية التحتية الموضوعة والموارد الموزّعة وسط عدد أقل كثيراً من القوى والمصالح، وبالتالي فمن الأسهل للسلطات الحكومية أن تحصل على اليد العليا والشروع في أعمال التنمية. كما تتمتّع الصحراء كموقع للتطوير بمناطق جذب لها علاقة بالقوى النسبية للوكلاء أكثر من الجدوى الفعلية أو ملائمة المخطّطات لتحسين الحالة الجماعية.

القوّة المحرّكة
النقطة الثالثة التي يتعلّمها المرء من هذا الكتاب هي أن ديناميات التنمية الصحراوية في مصر ليست بالضرورة صحيحة في التنمية الصحراوية بشكل عام. في مصر تشكّل الموارد الصحراوية جزءاً كبيراً من الأصول العامّة القابلة للتصرّف، والعديد من البلدان لديها مساحات واسعة من الأراضي القاحلة، لكن ما يهمّ في كثير من الأحيان ليس توافر الأراضي القاحلة وإنّما العلاقة بين أنواع الأرض المختلفة. في المغرب والجزائر وتونس، على سبيل المثال، هناك مساحات كبيرة من الصحراء، لكن في مصر تجاور الأراضي الصحراوية العاصمة وكل المناطق الحضرية الرئيسة تقريباً، وكذلك الحال في معظم الساحل والكثير من المساحة المزروعة في البلاد.
على طول هذا الهامش، حيث توجد المدينة أو الحقل أو الشاطئ المجاور توجد الصحراء أيضاً، حيث معظم فرص التنمية - والإثراء الخاص - وعادة ما تدعي الدولة ملكيّة هذا الهامش والسيطرة عليه.
في مصر، يشكّل الهامش الصحراوي مورداً رئيساً للدولة. هذا ترتيب مختلف تماماً عن معظم البلدان، حيث الأراضي العامّة غالباً ما تكون نائية أو صغيرة نسبياً، أو يتمّ تخصيصها أساساً كوسيلة لحماية مناطق طبيعية معيّنة من التنمية. لكن الهامش الجافّ في مصر يشكّل القوّة المحرّكة لسياستها.
تتمتّع الصحراء بمناطق جذب لها علاقة بالقوى النسبية للوكلاء أكثر من الجدوى الفعلية لمخطّطات تحسين الحالة الجماعية


يمثّل هذا الكتاب إدانة لتلك المشاريع، لكنّه يلاحظ أيضاً نجاحات، ولا سيّما في المساحات الشاسعة من التنمية غير المخطّط لها التي ينفّذها أصحاب الأراضي الصغار الذين يستردون شرائح الصحراء على حدود الزراعة القائمة على طول وادي النيل. قد تمثّل هذه الأرض المُحسّنة على نحو غير رسمي ما يصل إلى ثلث مجموع استصلاح الصحراء في مصر، ومقداراً أعلى من الأراضي الزراعية من الأراضي المستصلحة المُنتجة. إلّا أن هذا التحسّن التدريجي لم يتلقَّ سوى قليل من الاهتمام أو الاعتراف والدعم أو حظي بالدراسة المنهجية.
لذلك، يقول الكاتب: كانت التنمية الصحراوية، مع استثناءات قليلة، فاشلة، ونادراً ما تقترب من تحقيق هدفها أو طموحاتها. لكنّه يحاول أيضاً فهم سبب حدوث ذلك وما المطلوب للتغلّب على تلك المشكلات والشروع في نهج أكثر نجاحاً في الصحراء، ويضيف: إن الأراضي الصحراوية ليست ملكاً لأولئك الذين يسيطرون على الدولة لكنّها مورد مشترك يجب حمايته أو استخدامه من أجل الصالح الجماعي وليس لصالح عدد قليل من الناس.

اتجاهات المستقبل
من الممكن تحديد ثلاثة اتجاهات أو عوامل رئيسة في تطوير صحراء مصر الذي نشأ أو تكثّف خلال السنوات الأربع الماضية، والذي من المفترض أن يصبح أكثر بروزاً في المستقبل.
أوّلاً: تسريع سلعنة الأراضي العامّة وزيادة الأرباح الناتجة من الاستيلاء عليها وتحويلها إلى عقارات قابلة للتداول. يقتصر هذا الاتجاه تقريباً على المدن الجديدة المحيطة بالقاهرة والعاصمة الإدارية الجديدة والساحل الشمالي وعين السخنة. تبقى المدن الجديدة الأخرى المنتشرة على صحراء مصر خالية في الغالب وغير جذّابة من وجهة نظر عقارية مع أن حمى المضاربات العقارية لم تترك أي مكان في مصر.
ثانياً: زيادة المشاركة العسكرية أكثر من أي وقت مضى في السيطرة على الأراضي الصحراوية وتطويرها. لقد كان للقوّات المسلّحة لعقود من الزمان دور مؤسّس بارز في تخطيط الأراضي العامّة والتخلّص منها، ويرجع ذلك أساساً إلى احتلالها مساحات كبيرة من أجل الأمن وأغراض الدفاع وعدد من القوانين التي منحتها حقوقاً متزايدة في الأراضي الصحراوية. وقد نما دور القوّات المسلّحة في المشاريع الصحراوية نمواً كبيراً منذ عام 2014.
ثالثاً: تجاهل المسافات النائية، بل وحتى الاحتفاء بها والترويج لها على أنها عوامل مساعدة للتنمية. لكن قصّة السنوات الأربع الماضية توضح أن ضخّ مزيد من الاستثمارات الضخمة في مواقع نائية وغير مضيافة في الصحراء يعني أن البلد الذي كان حتّى وقت قريب كياناً مكانياً كثيفاً وعقلانياً، سيصبح اقتصاداً مثقلاً إلى الأبد بتكاليف ضخمة ناتجة من بعد المسافات. وتشمل هذه التكاليف النقل المباشر لممارسة الأعمال التجارية، وكذلك التكاليف غير المباشرة لخدمة المناطق الجديدة النائية، ناهيك عن التكاليف الاجتماعية المرتبطة بها.
يصل الكاتب إلى استنتاج: يجب أن يكون واضحاً أن النهج المتبع في تنمية الصحراء في مصر، الذي تمّت ممارسته على مدار العقود الماضية، كان كارثياً، إذا استمر فستفقد البلاد أو تغلق الأراضي المتبقية الصالحة للتنمية. إن الاندفاع الفوضوي المتهوّر لتخطيط وتوزيع الأراضي لمخطّطات الصحراء وأحلامها قد كلّف مصر غالياً سواء في الأموال الضائعة أو في الفرص الضائعة.



تركيز مؤسّسات الدولة وسط الطبقات الأكثر ثراءً
عند الحديث عن العاصمة الإدارية الجديدة، يظل من الصعب التمييز بين الواقع والخيال، حتى بعد مرور ما يقرب من ثلاث سنوات من إعلان المشروع، بل وغالباً ما تكون التصريحات غامضة وحتّى متناقضة. مع ذلك فمن المؤكّد أن الحكومة المصرية ملتزمة بالمشروع، لكن لا يمكن لهذا الالتزام إخفاء العديد من المشكلات التي تلوح في الأفق إليكم بعضها، وفق المؤلّف:
لقد نجح أحمد زكي عابدين، رئيس مجلس إدارة شركة كابيتال الإدارية، في تصوير رأس المال الجديد وسيلة للراحة مع المركزية المفرطة منذ فترة طويلة في مصر، على الرغم من أن تجميع جميع المقرّات الحكومية والمالية في جغرافية واحدة ينتج المزيد من تركيز السلطة ويزيد من ابتعاد الحكومة من مواطنيها.
ما دام المرء لا يمانع في تحويل العاصمة الجديدة إلى معسكر مسلّح، يمكن اعتبار هذا الأساس الأمني أيضاً وسيلة لضمان عزل المؤسّسات الحكومية الأساس عن الجماهير وأي تعبيرات سياسية قائمة عليها. ويرى أحد الباحثين المصريين في علم الاجتماع السياسي أن الدولة تريد أن تكون مؤسّساتها وسط الطبقات الأكثر ثراءً، التي تتعاطف عادة مع الحكومة، لتكون بمثابة خطّ الدفاع الأوّل. والنظام يسعى من خلال هذه الخطوة إلى عزل نفسه عن المدينة القديمة ومناطقها السكنية، لأنه يرى أنها تشكّل عبئاً وخطراً عليه بحكم ميولها السياسية المعادية للنظام.
باستثناء حصول معجزة، فمن المرجّح أن تتطوّر العاصمة الإدارية الجديدة ببطء إلى منطقة حكومية «معقّمة» ونصف مأهولة تحوي مساحات شاسعة من مشاريع التطوير الخاصّة المتوقّفة. شيء واحد مؤكّد هو أن الهدف المُعلن عنه في كثير من الأحيان وهو اجتذاب نحو ستة ملايين نسمة، بمن فيهم المصريون «من جميع مناحي الحياة»، لن يتحقّق في حياتنا على الإطلاق.