إبّان الأيام الأولى من عدوان تموز 2006 كانت النشوة لا تزال تتلبس قادة تل أبيب وتحرّك إدارتهم للحرب. رفضوا آنذاك – على ما كشفته الصحافة الإسرائيلية – كلَّ حديثٍ عن مخارجَ سياسية للأزمة وأصروا على إتاحة الفرصة أمام جيشهم ليستكمل مهمّة القضاء على المقاومة. تروي الوثائق الإسرائيلية المتعلقة بتلك الفترة أن رئيس الأركان في حينه، دان حالوتس، اتصل برئيس الوزراء، إيهود أولمرت، ثاني أيام الحرب قائلاً له «إننا ننتصر، لا ينبغي وقف القتال».


تطلّب الأمر نحو عشرة أيام ليبدأ فريق الحرب الإسرائيلي بالإفاقة من سكرته. تكفلت بذلك بطولات ميدانية سجلها المقاومون في مارون الراس وبنت جبيل وغيرهما، أظهرت أن الرهان على الحسم العسكري في غير محله، وأنه لا بد من البحث عن صيغ سياسية يمكن الركون إليها في تحقيق الأهداف التي شُنّت لأجلها الحرب. عنوان هذه الصيغ كان إنشاء قوة دولية جديدة والتفويض إليها نزع سلاح المقاومة وفرض حظر تسلح عليها.
تتيح الوثائق الصادرة عن السفارة الأميركية في تل أبيب الاطلاع على جوانب تفصيلية من التصور الذي أعدته إسرائيل لهذه القوة ومهمّاتها. تصورٌ، مثلُ كلِّ شيء في الحرب الإسرائيلية، بدأ محلقاً في سقف الرهانات المعقودة عليه: فالقوة الدولية وفقاً له يجب أن تكون تحت الفصل السابع ومستنسخة عن قوات الناتو في أفغانستان، كما يجب أن تنتشر على الحدود اللبنانية السورية وتتمكن من العمل في جميع الأراضي اللبنانية ومهمتها النهائية هي تطبيق القرار 1559. مع الوقت، لم يكن أمام المواقف الإسرائيلية إلا أن تتناغم مع الإخفاقات التي أنتجتها ساحات القتال، فسلكت مساراً انحدارياً انتهت الأمور معه بقادة تل أبيب إلى الشكوى من «نقصان الالتزام الجدّي لدى مساهمين محتملين في القوة الدولية» والتعبير المبكر عن الخيبة من فعاليتها وجدواها.
الإشارة الإسرائيلية الأولى لمبدأ القبول بالقوة الدولية سُجلت في 23 تموز، خلال اجتماع جمع وزير الدفاع الإسرائيلي، عمير بيريتس، بوفد من الكونغرس الأميركي برئاسة بيتر هوكسترا. أقر بيريتس لضيوفه (وثيقة 06TELAVIV2915) بأن «العمليات العسكرية وحدها لن تكون كافية لإنهاء النزاع مع حزب الله وإن خطوات مخططاً لها جيداً هي أمر حيوي». وأوضح بيريتس ما يعنيه بهذه الخطوات، فقال إن من أهداف الحرب «تأسيس قوة متعددة الجنسيات لتطبيق قرار مجلس الأمن 1559 ومنح هذه القوة تفويضاً للحؤول دون أي تزويد لحزب الله بالسلاح».
وردّاً على سؤالٍ لأحد أعضاء الوفد أوضح بيريتس أن «القوة الدولية يجب أن تكون مؤهلة للسيطرة على جنوب لبنان والحدود مع سوريا، لا مثل قوة الأمم المتحدة الموجودة حالياً».
وفي حديث جانبي بعد الاجتماع، شرح رئيس الدائرة السياسية الأمنية في وزارة الدفاع، عاموس غلعاد، التصور الإسرائيلي للقوة الدولية المتعددة الجنسيات، وقال للسفير الأميركي، ريتشارد جونز، إن «إسرائيل تريد قوة يمكن الاعتماد عليها مثل الموجودة في أفغانستان، حيث إطار الناتو سمح حتى لوحدات هولندية بقتل 13 إرهابياً أخيراً». وشدد غلعاد على أن الحصول على قوة مثل اليونيفيل قد يعني «لقد قضي علينا». وبشكل غير رسمي قال غلعاد إن «الحكومة الإسرائيلية تدعم مشاركة عرب ومسلمين، مثل مصر، رغم أن وزير الخارجية الألماني أبلغ الحكومة الإسرائيلية أن المصريين ليسوا مهتمّين» (بالمشاركة). وبحسب غلعاد، فإن «مشاركة المصريين يمكن، على سبيل المثال، أن تمنع إيران من القيام بدور رئيسي في إعادة بناء لبنان» مشدداً على وجوب أن «لا نسمح بحصول ذلك».
بعد ثلاثة أيام، بتاريخ 26 تموز، التقت وزيرة الخارجية الإسرائيلية، تسيبي ليفني، عضو الكونغرس روبرت ويكسلي، وعرضت أمامه رؤية تل أبيب لمشهد ما بعد الحرب. رأت ليفني (وثيقة 06TELAVIV2950) أن «على المجتمع الدولي أن يمنع حزب الله من إعادة احتلال جنوب لبنان وأن يحول دون إعادة تسليح إيران لحزب الله». وعللت ليفني ضرورة تدخل المجتمع الدولي بأن «الحكومة اللبنانية ضعيفة جداً وإسرائيل لا تريد أن تبقى في جنوب لبنان لمنع حزب الله من إعادة احتلال الجنوب... كما لا يمكنها نشر قوات على الحدود السورية اللبنانية لمنع شحنات الأسلحة من الوصول إلى حزب الله عبر سوريا». وإذ شددت على أهمية أن تكرّس قرارات مجلس الأمن حظراً للأسلحة على لبنان وتفوّض إلى قوة دولية الانتشار في جنوب لبنان، قالت ليفني إن هذه القوة يمكن أن تتضمّن أعضاءً من الناتو «يمتلكون خبرة في القتال لا الإشراف والمراقبة فقط». أضافت «الدول التي تدعم القرار 1559 يجب أن تضع أموالها حيث توجد أفواهها من خلال إشراك جنودها في القوة الدولية». وفي اجتماع آخر مع السلك الدبلوماسي الأجنبي في إسرائيل (وثيقة 06TELAVIV3103) استبعدت ليفني قوات اليونيفيل بوصفها «ليست الجواب الصحيح» مشيرة إلى أن اليونيفيل «فقط راقبت محاولات الخطف السابقة».
وتوضح الوثائق أن بحث طبيعة القوة الدولية والترويج للتصوّر الإسرائيلي بشأنها كان بنداً أساسياً في لقاءات المسؤولين الإسرائيليين بزملائهم الأميركيين. عاموس غلعاد، عاد وشدّد أمام مستشار وزيرة الخارجية الأميركية، فيليب زيليكو، (وثيقة 06TELAVIV2961) أن القوة يجب أن تكون متعددة الجنسيات وتكون بنحو قاطع تحت الفصل السابع، وشبيهة بقوات تدخل الناتو. كما يجب أن ترسي حضورها في تسعة معابر حدودية بين سوريا ولبنان لمنع إعادة تسليح سوريا وإيران لحزب الله، وإلا فإن كل شيء سيكون عبثاً». وأعرب غلعاد عن رغبته في أن «تُخوّل هذه القوة، بمعزل عن مكان تموضعها، العمل في كل لبنان لكي تتعامل بطريقة مناسبة مع تهديد الصواريخ الاستراتيجية البعيدة المدى». وعن تشكيل هذه القوة من الناحية البشرية، حث غلعاد العرب والمسلمين على المشاركة، ربما الأتراك أو الأردنيين، من أجل شرعنتها.
زيليكو، من جهته، رد بأن القوة «يجب أن يكون لديها إسناد وقواعد صلبة مشتقة من قرار لمجلس الأمن ينص على نزع السلاح ووقف الهجمات عبر الخط الأزرق، كما ينبغي للحكومة اللبنانية أن تفهم الدور الذي تقوم به هذه القوة في نزع السلاح». وإذ أشار إلى إمكان أن تقدم الولايات المتحدة مساعدة لوجستية واستخبارية «ودعماً جوياً من الخارج» للقوة، شدد زيليكو على أهمية تشكيل القوة بطريقة يوافق حزب الله على عدم مهاجمتها «وإلا فإنها لن تأتي».
فكرة مشاركة الدول العربية في القوة الدولية عرضها أيضاً مستشار وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني يدان، خلال اجتماعه بمسؤولين في السفارة الأميركية. قال ميدان (وثيقة 06TELAVIV3040) إن إسرائيل تتطلع لأن تكون «القوة الدولية التي ستنتشر في لبنان وتفويضها نموذجاً، مع بعض التعديلات، لقوة ضروري في غزة». وعن تشكيل القوة، رأى أن «الولايات المتحدة وروسيا لاعبان أساسيان في التعامل مع سوريا» مستدركاً «رغم أننا لا نحبهم، ينبغي أن يقف الجنود الروس إلى جانب الفرنسيين في أية قوة تدخل في لبنان». وأضاف «مع أن لدينا مشكلة مع علاقاتهم بإيران، فإنهم قادرون على التحدث مع (الرئيس السوري بشار) الأسد. على نحو مماثل، السعودية ودول الخليج يخافون من الإسلام السياسي، لذلك أحضروهم إلى قوة التدخل، إلى جانب الأردن ومصر، الدولتين اللتين تفهمان قواعد اللعبة في الشرق الأوسط». وإذ شدد على أن «الهدف هو تحويل الأسد إلى قذافي وفصله عن إيران»، أعرب ميدان عن اقتناعه بأنه «ما لم يتم إحضار سوريا إلى داخل الشأن اللبناني، فإن أي وقت إطلاق نار سيكون مهزوزاً جداً».
وبرغم كل شيء، بدأ التشكيك الإسرائيلي في جدوى القوة الدولية قبل إقرارها في مجلس الأمن. في العاشر من آب (وثيقة 06TELAVIV3145) أعرب رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، إيلان مزراحي، عن اقتناعه بأن «المجتمع الدولي لن يساهم بجنود لقوة دولية في لبنان لأنها ستكون هدفاً محتملاً للقاعدة». وأمل مزراحي قدوم قوات من حلف الأطلسي عوضاً عنها «لكي تدعم تنفيذ القرار 1559».
كذلك فعل عضو الكنيست، نتان شرانسكي، الذي أبدى قلقه لعضو الكونغرس، إد رويس، (وثيقة 06TELAVIV3155) من أن «المساهمين الأكثر ترجيحاً في القوات الأممية هم إما دول ضعيفة أو تفتقر إلى الإرادة السياسية لمواجهة حزب الله». أضاف شرانسكي «إن الكنيست بأجمعه يعتقد أن القوات المتعددة الجنسيات المقترحة أو قوات اليونيفيل المعززة ستجعل فقط الرد الإسرائيلي على أية استفزازات في المستقبل أكثر صعوبة». وإذ أصر على أن «الفرصة الوحيدة للسلام هي الحصول على قوة تحت الفصل السابع» قال شرانسكي «في حال منع هكذا قوة فعالة، فإن إسرائيل سوف تجتث حزب الله قبل أن تسلم المنطقة إلى قوة يونيفيل محتملة من اليونيفيل».
ولما فشلت تل أبيب في فرض تصوّرها للقوة الدولية، إثر صدور القرار 1701 بسقف أقل بكثير مما خططت له، انتقل التركيز الإسرائيلي إلى تعويم الرهان على ما أقرّه القرار الدولي كمحاولة للتعويض عن الخيبة المضمرة. ففي اجتماع له مع عضو الكونغرس الأميركي، أرلين سبكتر، بعد انتهاء الحرب، تساءل رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود أولمرت، عن ديمومة وقف إطلاق النار الذي تحقق، مشدداً على انتظار إسرائيل «لقدوم قوة دولية فعالة وصلبة كما وعدت وزيرة الخارجية (الأميركية كوندوليزا) رايس ونص عليه القرار 1701». وحذر أولمرت (وثيقة 06TELAVIV3317) من أن «الولايات المتحدة قد تتحمل مسوؤولية انهيار وقف إطلاق النار لأن القرار 1701 هو من صنعكم». أضاف موضحاً «القوة الدولية كانت السبب الرئيس لموافقتنا على وقف النار، فقد قلنا للإسرائيليين لماذا نرسل شعبنا ليموت فيما يمكن قوة دولية أن تقوم بالمهمة (عوضاً عنا)»؟. وفي خلال اللقاء كرّر أولمرت، بحسب ملاحظة ترد في محضر الجلسة، أن القوة الدولية الفعالة والصلبة هي مفهوم أميركي ومفتاح لنجاح القرار 1701، مشيراً إلى أن الإسرائيليين يسألونه أين هي وأنه في غيابها ستضطر إسرائيل إلى أن تكون أكثر عدائية ونافدة الصبر في التعامل مع إيران.
سبكتر سمع الموقف نفسه من عمير بيريتس الذي شكا له عدم التزام المجتمع الدولي بتطبيق القرار 1701 و»تراجع رغبته في تنفيذ الجزء المطلوب منه أكثر فأكثر، فيما إسرائيل تلبّي كافة متطلبات القرار». وشدد بيريتس (وثيقة 06TLEAVIV3316) على أن إسرائيل دعمت القرار الدولي رغم أن الحكومة الإسرائيلية كانت تفضل استمرار العمليات العسكرية ضد حزب الله «لبضعة أيام إضافية». وعبّر بيريتس عن قلقه الكبير إزاء نقصان الالتزام الجدي لدى مساهمين محتملين في القوة الدولية، خصوصاً فرنسا، ودعا الإدارة الأميركية إلى التعبير بقوة عن تصوراتها بهذا الشأن. وحذر من أن الفشل في نشر 15000 جندي سيبقي إسرائيل في مواجهة وضع أسوأ من الذي كان قائماً عند بدء الأعمال القتالية «على سبيل المثال، القوات المسلحة اللبنانية ستكون في مرمى نيران الجيش الإسرائيلي إذا اضطر إلى استئناف القتال». أضاف أن «إسرائيل تحضر نفسها لمواجهة محتملة أخرى مع حزب الله، وإذا لم تنتشر قوة فعالة سريعاً، فإنه يطلب من الولايات المتحدة أن تذكّر مجلس الأمن الدولي بأن إسرائيل تملك حق الدفاع عن نفسها».