طوال الحرب الإسرائيلية، حرصت السفارة الأميركية على إبقاء خطوط اتصالاتها مفتوحة مع مختلف الجماعات السياسية في لبنان. موظفو السفارة، وكبيرهم جيفري فيلتمان، كانوا يجولون على منازل السياسيين. يسألون عن المواقف، يتحرّون الأخبار والتحليلات، ويناقشون في العروض المقترحة لوقف إطلاق النار. وفي كل مكان، هدفهم واحد: كيف سيُهزم حزب الله. والحزب وحده، من القوى السياسية الرئيسية، كانت الصلة بينه وبين الأميركيين مقطوعة. لكن دبلوماسيّي عوكر كانوا مصرّين على عدم تركه في الظل.

منذ بداية الحرب، اختار الأميركيون عدداً من الشخصيات الشيعية، إضافة إلى بعض الذين ترى أنهم يعرفون أحوال الجنوب وأهله، للإطلالة على الحزب، ولمحاولة قياس مزاج الشارع المؤيّد له، وخاصة بين الشيعة. واستندت السفارة إلى هؤلاء، بوصفهم مصادر اعتاد الدبلوماسيون الأميركيون التواصل معهم، أو نظراً لكونهم «خبراء» في شؤون حزب الله، على حد تعبير كاتب برقيات فيلتمان.
كان همّ الأميركيين الحصول على أي معلومة عن الأوضاع الداخلية لحزب الله، وخاصة معنويات رجاله ومسؤوليه، فضلاً عن رأي الجمهور بالمقاومة، وبالدرجة الأولى، الجمهور الشيعي.
في اليوم التالي لاندلاع الحرب، (يوم 13 تموز 2006، البرقية رقم 06BEIRUT2386)، اتصل أحد دبلوماسيّي السفارة الأميركية بالكاتب في صحيفة البلد، علي الأمين. البرقية تمنح الأخير صفة أخرى: إنه ابن زعيم «الخط الشيعي الثالث، الشيخ محمد حسن الأمين». يحاول الأمين تحليل أسباب تنفيذ حزب الله لعملية الأسر. يقول إن الحزب مؤلف من جناحين: عسكري/ أمني، وسياسي. الجناح العسكري/ الأمني كان يتولى سلطة اتخاذ القرارات في الحزب، مع وجود عماد مغنية فيه كإحدى الشخصيات المركزية. لكن في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد الانسحاب السوري من لبنان، أخذت اهتمامات قسم كبير من أفراد حزب الله منحىً سياسياً، وكانوا يرون أن هذا التوجه يؤدّي إلى تحقيق منافع، كالمشاركة في الحكومة لأول مرة، على حد قول الأمين.
لكن الجناح العسكري/ الأمني، يضيف الصحافي اللبناني، أراد إعادة تثبيت سيطرته. وأخذاً في الاعتبار الحسابات الإيرانية والوضعَ في غزة، قرّر هذا الجناح تنفيذ عملية خطف الجنديين الإسرائيليين يوم 12 تموز. وفي هذا الجناح، يرجّح الأمين وجود أشخاص يشاطرون الإسرائيليين رغبتهم في نوع التدمير الذي سيعيد لبنان 20 عاماً إلى الوراء.
ومنذ اليوم الأول للحرب، كان الأمين قلقاً بشأن الاحتمالين اللذين ستسفر عنهما العمليات الحربية: انتصار حزب الله أو انكساره. «إذا فاز فمشروع بناء دولة لبنانية سيفشل. وإذا خسر فسيؤدي ذلك إلى زيادة التوتر المذهبي في لبنان». فاالشيعة في لبنان، برأي الأمين، لا ينظرون إلى حزب الله كـ»مقاومة»، ولا من زاوية المواجهة مع إسرائيل، بل إنهم يرون فيه مدافعاً عن مصالح الطائفة مقابل الطوائف اللبنانية الأخرى.

حزب الله لم يتضرّر

خلال الأيام السبعة التالية، غابت برقيات «جس نبض الشارع»، لتنتقل يوم 20 تموز إلى فئة «الخبراء». وعلى البرقية التي تحمل الرقم 06beirut2428، حل ثلاثة منهم ضيوفاً، للاستماع إلى آرائهم بشأن «استراتيجيات حزب الله وخطواته المستقبلية». وهؤلاء هم الناطق السابق باسم اليونيفيل، تيمور غوكسيل، والصحافي محمد سلام، والأستاذ الجامعي أحمد موصلّي.
يقول غوكسيل إنه كان يناقش الوضع مع عدد من «الشخصيات الأكثر ميلاً للثقافة في حزب الله». وهؤلاء، بحسب ما تنقل البرقية عن غوكسيل، يرون أن الجناح العسكري في حزبهم «ذهب بعيداً». «المعتدلون» في الحزب قلقون حيال قدرتهم على تفسير أسباب كل هذه المعاناة. وبعكس كل البؤس الذي يعيش فيه الشيعة، يؤكد أصدقاء غوكسيل في حزب الله أن الجناح العسكري لا يزال غير متضرّر. الرأي ذاته ينقله موصلي، قائلاً إن العمليات الحربية لم تلحق الأذى بحزب الله. «وإذا انتهى القتال اليوم، فسيكون حزب الله هو المنتصر». أما شعبية الحزب، فلا تزال مرتفعة عند الشيعة، في مقابل انخفاضها بين السنة والمسيحيين والدروز.
هذه الطوائف الثلاث لا يعيرها الحزب اهتماماً، بحسب الصحافي محمد سلام الذي يؤكد لمحادثه الأميركي أن حزب الله سيطلب وقفاً لإطلاق النار عندما يقول له الشيعة «إنهم تلقوا ما يكفي من العقاب».

غضب وشتائم

يوم 26 تموز، ختمت الحرب أسبوعها الثاني. ومعه، جولة جديدة من الاتصالات (06BEIRUT2474). «السياسي الشيعي المعتدل الذي خاض انتخابات عام 2005 ضد تحالف حزب الله – أمل»، رياض الأسعد، رد بغضب على اتصال دبلوماسي أميركي. غضبه تحوّل إلى شتائم، قبل أن يقول للدبلوماسي: الجميع صار مع حزب الله الآن.
شيعي معتدل آخر، بنظر السفارة الأميركية، هو إبراهيم شمس الدين. كان أكثر ودّاً من الأسعد، لكنه خلص إلى النتيجة ذاتها: تأييد حزب الله وسط الشيعة وصل إلى حد غير مسبوق. والشيعة يرون أن نزع سلاح الحزب سيدفع «الآخرين» إلى اقتلاعهم فرداً فرداً. أما حديث الولايات المتحدة الأميركية عن «شرق أوسط جديد»، فزاد من غضب جمهور المقاومة الذي بات يخشى من كون الولايات المتحدة ستستهدفه في المرحلة اللاحقة.
مرة جديدة، تحصل السفارة على النتيجة ذاتها. جمهور الحزب لا يزال ملتصقاً به. الأمر ذاته يؤكده «الصحافي الشيعي» في جريدة النهار، عباس صباغ، «الذي يتواصل دائماً مع مسؤولين من حزب الله». برأي صباغ، حزب الله «ليس حزيناً» للهجوم الإسرائيلي البرّي، لأن ذلك «يمنحه ذريعة للاستمرار بالقتال، وهذه المرة، لتحرير أراضٍ لبنانية».
في السياق ذاته، يرى تيمور غوكسيل أن العملية البرية الإسرائيلية هي بالضبط، ما يريده حزب الله. وينقل غوكسيل عن مصادره في الحزب قولهم إنهم يتمنون أن تبقى إسرائيل لبرهة داخل الأراضي اللبنانية. المصادر ذاتها قالت لغوكسيل إن رجال حزب الله الذين صدّوا التقدم الإسرائيلي في مارون الراس، وكبّدوا الجيش الإسرائيلي خسائر كبيرة، كانوا 17 مقاتلاً، قُتل منهم سبعة. وهؤلاء، بحسب غوكسيل ومصادره داخل الحزب، هم من أبناء القرى الحدودية، وليسوا من «القوات الخاصة» في المقاومة الذين ما زالوا ينتظرون المرحلة الثانية من الحرب للمشاركة في المعارك.
غوكسيل وصباغ حضرا أيضاً في برقية صادرة يوم الأول من آب، (رقم 06BEIRUT2518). صارا أكثر ثقة عند الحديث عن نظرة الشيعة، وغيرهم من المواطنين، إلى حزب الله كمنتصر. غوكسيل يعلن مفاجأته بمقابلة لبنانيين سنّة يدعمون حزب الله وينظرون إلى مقاتليه كأبطال.
أما صباغ، فيؤكد للأميركيين أن معنويات المقاومين والجمهور الشيعي مرتفعة جداً. وبعيداً عن مزاج الشارع، يوضح أن تراجع عدد الصواريخ التي أطلقها حزب الله من الجنوب على مدى الساعات الثماني والأربعين التي أعلنت إسرائيل خلالها وقف عملياتها الجوية، عائدٌ إلى حضور وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي إلى لبنان. وبرأيه، فإن الإيرانيين يريدون القول إنهم يتحكمون بمجرى الأحداث.
أما النائب علي عسيران، ذلك المجهول الذي يصعب العثور على لبناني (أو جنوبي) يعرف وجهه أو صوته، فتصفه السفارة الأميركية بأنه (كما غوكسيل وصبّاغ) يملك «على الأقل، صلات غير مباشرة بحزب الله». يضرب عسيران للأميركيين مثلاً مدينة صيدا، المتعددة مذهبياً. وبرأيه، فإن السنة والشيعة والمسيحيين فيها يبدون تضامنهم مع حزب الله. ووسط الشيعة، يحافظ حزب الله على نسبة تأييد مرتفعة، لا بسبب العنف الإسرائيلي وحسب، بل لأنهم يرون أن الحملة الإسرائيلية لم تضعف حزب الله. وعندما سُئل عسيران عن اقتراح نشر قوات متعددة الجنسيات في الجنوب، أجاب قائلاً: «هل نسيتم ما جرى في الثمانينيات؟».




نصر الله عن «ويكيليكس»: سنحاكم من قتلنا

توعّد الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، برفع دعاوى قضائية ضد الشخصيات السياسية التي كشفت وثائق ويكيليكس أنها كانت تحرّض إما على إطالة أمد حرب تموز 2006، وإما على هزيمة المقاومة في تلك الحرب. وعلّق نصر الله، في خطاب ألقاه أول من أمس، على مضمون الوثائق بالقول إنها «تبرز حجم الرهانات على الحرب الإسرائيلية على المقاومة وحجم الآمال المعقودة (...) نحن سننتظر إلى نهاية الوثائق، لنرى ماذا سيظهر في الآتي من الأيام، ويومها يمكن أن يكون لنا حديث». وقسّم نصر الله مضمون الوثائق المنشورة حتى اليوم إلى قسمين: الأول هو ما ينقله السفير الأميركي عن أشخاص «يتضمن تحليلهم وعواطفهم وأمانيهم، فلا مشكلة في هذا القسم»، مضيفاً: «إذا وقفت أيّ شخصية سياسية لتقول إن هذا الحديث غير صحيح وهو مفترى، فنحن سنقبل منها ذلك».
وتابع نصر الله قائلاً إن القسم الثاني لا يتضمن تحليلاً. ففيه أن «فلاناً يطلب من السفير الأميركي أن تحتل إسرائيل بنت جبيل، وفلاناً يطلب ألا تقف الحرب إلا بعد تدمير حزب الله، وفلاناً يطلب ألّا تتوقف الحرب إلا إذا جرى الحصول على شروط (...)». وفي رأي الأمين العام لحزب الله، فإن هذا «تحريض. ثمة مَن يحرّض عدوّ لبنان، الذي هو إسرائيل، والذي نقول إننا مجمعون على أنه عدوّ». وفي هذا القسم، رأى نصر الله وجود نوعين من السياسيين. الأول أجرى مراجعة لمواقفه ولمساره السياسي، وأعلن الوقوف إلى جانب المقاومة، «وثمة قسم آخر ما زال يقول في العلن ويمارس ما قاله في «ويكيليكس» منذ 2006. هنا، نحن نريد تكوين ملف قضائي (...) وخاصة عندما يأتي شخص يوم 15 تموز ليقول «اضربوهم واقصفوهم»، هذا يعني أن كل الذين قتلوا بعد 15 تموز مسؤولية قتلهم في رقبته. سننظر كيف يتصرف القضاء في هذا الملف».
وأكد أن حزب الله كانت لديه معلومات منذ عام 2006، «لكننا لم نكشفها، (...) وأنا وقفت يوم 22 أيلول في مهرجان انتصار حرب تموز وقلت: تعالوا لنضع يداً بيد لنحمي لبنان ونعمّره. مع من؟ مع الذين نعلم أنهم تآمروا علينا وشاركوا في قتل نسائنا وأطفالنا». واستدرك نصر الله: «لكن اليوم أصبحت هذه الأمور على صفحات الجرائد، وتشاهدونها في التلفزيونات. ومع ذلك نحن سنتصرف بكل حضارية إزاء هؤلاء الأشخاص الذين شاركوا في دمائنا، وسنعدّ ملفاً قضائياً، ونتابع الموضوع على مستوى القضاء».