كان ذلك قبل أن تتعلم إسرائيل الدرس لتطبقه لاحقاً في عدوانها على قطاع غزة فتتواضع في تحديد الأهداف المعلنة للحرب وتقصرها على «تحسين الوضع الأمني لسكان الجنوب». عشية عدوان تموز 2006 – وفي أثنائه – كانت إسرائيل لا تزال مسكونةًً بسطوتها العسكرية والقدرة الأسطورية لهذه السطوة على تحقيق الرغبات السياسية، تقريباً، من دون حدود.


اتخذت تل أبيب قرار الحرب على لبنان في الثاني عشر من تموز وحلقت بعيداً في تحديد أهدافها، وكانت محطة الإقلاع استعادة الجنديين الأسيرين ونقطة الذروة الاعتقاد بأن «بإمكان الجيش الإسرائيلي الوصول إلى بيروت وإخراج (الأمين العام لحزب الله، السيد) حسن نصر الله، من خندقه». وبين هذا وذاك، على ما تبيّنه مواقف المسؤولين الإسرائيليين في اجتماعاتهم المغلقة مع زملائهم الأميركيين، كلام كثير عن تغيير توازن الردع مع لبنان وتطبيق القرار 1559 وفرض حظر أسلحة على لبنان وتحطيم أسطورة نصر الله واستئصال حزب الله من جنوب لبنان. كلام إن دل على شيء، فإنما يدل على اضطراب إسرائيلي في إدارة الحرب وانعدام رؤية موحدة حول نتائجها المفترضة.
تظهر الوثائق الصادرة عن السفارة الأميركية في تل أبيب أن الحسابات السياسية الشخصية لكل من رئيس الحكومة الإسرائيلية في حينه، إيهود أولمرت، ووزير الدفاع، عمير بيريتس، كانت من بين الدوافع الأساسية للحرب. هذا، على الأقل، ما كتبه السفير الأميركي في إسرائيل، ريتشارد جونز، في الوثيقة رقم 06TELAVIV2787 نقلاً عن وزير السياحة الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، الذي قال له في أول أيام الحرب «إن أولمرت وبيريتس مدركان أنهما ليسا شارون وهما لا يريدان أن يظهرا مَخصِيَيْن سواء أمام الجمهور الإسرائيلي أو أمام أعداء إسرائيل». وفي اليوم نفسه، يجتمع جونز برئيسة الكنيست، داليا إيتسيك، التي تضيف إلى تحليل هرتسوغ بُعداً عاماً، فترى أن «الجمهور الإسرائيلي يسأل نفسه عما إذا كان حزب الله فهم من الانسحاب من لبنان أنه تعبير عن الضعف. لقد حان وقت الرد... اللعبة انتهت». وتشير إيتسيك، بحسب الوثيقة رقم 06TELAVIV2788، إلى أن إسرائيل «لا مصلحة لها في توسيع رقعة الصراع، إلا أن حزب الله تجرأ أكثر من اللازم وإسرائيل لا يمكنها تجاهل ذلك».
البُعد نفسه يتوقف عنده رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، عاموس يدلين، خلال عرض للأوضاع كان يقدمه أمام وفد من لجنة الاستخبارات في الكونغرس الأميركي، في اليوم العاشر من الحرب. رأى يدلين (الوثيقة 06TELAVIV2893) أن «الوضع في مواجهة حزب الله جدي» لكنه أوضح في الوقت نفسه أن الحديث يدور عن «عملية عسكرية واسعة» لا عن حرب. أضاف «لقد فسر حزب الله انسحاب إسرائيل عام 2000 من لبنان بوصفه ضعفاً وحاول استفزاز إسرائيل منذ ذلك الوقت». وإذ لفت إلى أن «هدف الحكومة الإسرائيلية الآن هو «تغيير توازن الردع مع لبنان وحزب الله»، شدد على «أن إسرائيل الآن منخرطة في نزاع مع محور الشر الذي يمتد من بيروت إلى دمشق والذي يستخدم الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل لدفع أهدافه قدماً». وعن «الأهداف العسكرية الحالية» للقتال قال يدلين إنها «تعليم حزب الله (قواعد) الحساب الصحيح، أي تقدير المخاطر لدى التخطيط لأي هجمات مستقبلية ضد إسرائيل، إضعاف حزب الله عسكرياً وتنظيمياً وتغيير الوضع الأمني على الحدود الشمالية بحيث تتضاءل احتمالات أية هجمات مستقبلية ضد إسرائيل».
وإلى الأهداف العسكرية، أضاف يدلين هدفاً من نوع آخر، قائلاً «إن الحكومة الإسرائيلية لديها أيضاً هدف تفتيت الأسطورة الشخصية لزعيم حزب الله حسن نصر الله، بما في ذلك (ادعاؤه) أنه هزم إسرائيل وأنه حامي لبنان». وتابع «نصر الله أخطأ في إدراك أن الجمهور الإسرائيلي ما بعد الانتفاضة أقل استعداداً للتنازل للإرهاب من السابق. صحيح أن إسرائيل لا تريد العودة إلى لبنان، لكن إذا احتاج الأمر فإنها ستكسر أسطورة أنها لن تعود. بإمكان الجيش الإسرائيلي الوصول إلى بيروت وإخراج نصر الله من خندقه، لكننا لن نفعل ذلك». وأردف «إن الجيش الإسرائيلي يقوم بإضعاف حزب الله على كل المستويات، وحزب الله ضعيف سيُغيّر التوازن السياسي للقوى داخل لبنان ويطلق مرحلة دبلوماسية جديدة تحت قواعد لعبة جديدة».
على الصعيد السياسي، تكفل وزير الدفاع، عمير بيريتس، بتحديد أهداف الحرب بنظر الحكومة الإسرائيلية مُجدوِلاً إياها كالآتي: «ضمان إطلاق سراح الجنديين الإسرائيليين المختطفين لدى حزب الله، تأسيس قوة متعددة الجنسيات لتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559 ومنح هذه القوة تفويضاً لمنع إعادة تزويد حزب الله بالسلاح». ويستطرد بيريتس في شرحه الهدفين الأخيرين لعضو الكنونغرس الأميركي، بيتر هوكسترا، (الوثيقة 06TELAVIV2915) معتبراً أن «العمليات العسكرية وحدها لن تكون كافية لإنهاء النزاع مع حزب الله، وإن خطوات تالية مخططاً لها جيداً هي أمر حيوي». وبلهجة الواثق من النتائج الميدانية للمعركة يضيف بيريتس «إذا أطلقت إسرائيل سراح أسرى حزب الله بعد هزيمته في المعركة، فإنه سيبقى منتصراً»، مشدداً على أن «حزب الله وحماس يجب أن يفهما أنه لا رابط بين الأوضاع في غزة ولبنان وينبغي عدم إعطاء حزب الله موطئ قدم في المواضيع الفلسطينية».
تطبيق القرار 1559 يحضر، أيضاً، بقوة في اجتماعات رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود أولمرت، مع الأميركيين، بل يمكن القول إن التدقيق في مواقف أولمرت يفضي إلى استنتاج واضح مفاده أن الهدف الأهمّ للحرب بالنسبة له هو تطبيق القرار المذكور. وفي اجتماع مع وفد من الكونغرس الأميركي في الأسبوع الأخير من الحرب يقول أولمرت (الوثيقة 06TELAVIV3196): «إن الحكومة الإسرائيلية تفضّل حلاً سياسياً على حل عسكري لبلورة الشروط التي حددها قرار مجلس الأمن رقم 1559، إلا أن هذه الشروط يجب أن تتحقق بطريقة أو أخرى». وإذ يلمّح إلى تأييده لانتشار الجيش اللبناني على الحدود الإسرائيلية، يشدد أولمرت على «حاجة الجيش اللبناني إلى مساعدة قوة دولية تتألف من وحدات قتالية من دول مؤهلة يمكنها عملياً تنفيذ القرار 1559». وبنبرة تحذيرية، تعكس المأزق السياسي الذي كانت إسرائيل تتخبط فيه في تلك الفترة، يحرص أولمرت على الإشارة إلى أنه لا يزال «حتى الآن يلجم جنرالات الجيش الإسرائيلي عن القيام بعمليات أكثر عدائية، لكن إذا استغرق الحل السياسي وقتاً أطول، فإنه سيضطر قريباً إلى التصديق على البدء بعملية واسعة لإنهاء المهمة في لبنان».
تجريد حزب الله من سلاحه، المضمون الأهم للقرار 1559، هو الهدف الأساسي نفسه الذي روّجت له وزيرة الخارجية الإسرائيلية، تسيبي ليفني، في مداولاتها المختلفة. ففي اجتماعها مع عضو الكونغرس، روبرت ويكسلر (الوثيقة 06TELAVIV2950) تشدد ليفني على أن «على المجتمع الدولي أن يمنع حزب الله، بعد انتهاء العمليات العسكرية بينه وبين إسرائيل، من إعادة احتلال جنوب لبنان، كما يجب الحؤول دون إعادة تسليح إيران له». وتعلل ليفني طلبها بضعف الحكومة اللبنانية من جهة، ومن جهة أخرى بعدم رغبة إسرائيل في البقاء في جنوب لبنان «لمنع حزب الله من إعادة احتلاله» وعدم قدرتها على «الانتشار على الحدود اللبنانية السورية من أجل منع وصول شحنات الأسلحة عبر سوريا إلى حزب الله». وتلخص ليفني رؤيتها لوضع ما بعد الحرب بالمطالبة بأن «يرسي قرار مجلس الأمن الدولي حظراً للأسلحة على لبنان ويفوّض إلى قوة دولية الانتشار في جنوبه».
وردّاً على سؤال ويكسلر عن مدى الضرر الذي يجب أن يلحق بحزب الله قبل أن توقف إسرائيل عملياتها العسكرية، تجيب ليفني «إن العمليات الإسرائيلية تعتمد جزئياً على استعداد المجتمع الدولي للعمل ضد حزب الله»، وتضيف «إذا توقفت إسرائيل الآن وبدأ حزب الله بالحصول على المال والسلاح من إيران، فلن يتغيّر شيء. ماذا سيعني ذلك كله إذا عدنا إلى نقطة الانطلاق».
هاجس الحؤول دون إعادة تسلح حزب الله كان الخيط الواصل بين كل المواقف التي عبّرت عنها ليفني. فهي تبلغ السلك الدبلوماسي الأجنبي في إسرائيل (الوثيقة 06TELAVIV3103) أن «منع إعادة تسلح (حزب الله) في اليوم التالي (للحرب) هو أمر أساسي، وذلك في ضوء مشاهدة إسرائيل لعمليات متواصلة عبر الحدود اللبنانية السورية لتزويد حزب الله (بالسلاح). لذلك، إن فرض حظر تسلح تحت الفصل السابع هو أمر ضروري كما أن من المطلوب فوراً قوات تعمل على فرضه على الحدود». وإذ تعرب عن إدراكها لأهمية «توالي الأمور» وأن «تشكيل قوة تحت الفصل السابع يتطلب وقتاً»، تؤكد «أن مسؤولية السيطرة على جنوب لبنان تقع على الحكومة اللبنانية، لكن إذا احتاجت إلى مساعدة فإنه يجب تشكيل القوة بأسرع وقت ممكن». وتشير إلى أن «الحكومة الإسرائيلية لا ترغب في توسيع نطاق العمليات العسكرية في جنوب لبنان، لكن وقف إطلاق النار من دون قوة (دولية) يمكن أن يؤدي إلى فراغ سيملأه حزب الله بعد أن يعيد تسليح نفسه، ونحن لن نوافق على ذلك».
نزع سلاح حزب الله يتكرر بوصفه هدفاً في مواقف مسؤولين إسرائيليين آخرين، من بينهم رئيس مجلس الأمن القومي، إيلان مزراحي. الأخير بدا أكثر واقعية في تحديد الهدف الميداني للقتال وحصره بـ»إضعاف حزب الله، انطلاقاً من إدراك أن من المستحيل تدميره كلياً لأنه متجذّر عميقاً في المجتمع اللبناني». وإذ يوضح مزراحي في اجتماع مع عضو الكونغرس الأميركي، إد رويس، (الوثيقة 06TELAVIV3145) أن حزب الله «تضرّر تضرراً كبيراً» يستدرك مضيفاً «إلا أن روحه لم تنكسر».
وعن شروط إنهاء القتال، يقول الجنرال السابق إن «إسرائيل تريد عودة الجنديين المختطفين ونشر القوات المسلحة اللبنانية وقوة دولية في جنوب لبنان واتفاقية حول نزع سلاح حزب الله». ويشير إلى أن «إسرائيل قد لا تنسحب من مزارع شبعا كجزء من صفقة مع لبنان لإنهاء العمليات القتالية الحالية، رغم أن الموضوع يمكن أن يكون خاضعاً للتفاوض خلال محادثات السلام أو لترتيبات أمنية طويلة الأمد». ويتوقع مزراحي في نهاية الاجتماع «جولة ثانية» من القتال في لبنان «لأن سوريا وإيران ستواصلان تسليح حزب الله».
توقعٌ لم يكن عيدان عتسيون، نائب مزراحي لشؤون السياسة الخارجية، بعيداً عنه. في الاجتماع نفسه يعرب عتسيون عن اقتناعه بأنه «ما لم تُتَح الظروف لنزع سلاح حزب الله كلياً، فإن نزاعات مستقبلية ستكون أمراً مرجحاً». ولتفادي تحقق هذه النبوءة المتشائمة، يتقدم عتسيون باقتراحٍ إبداعي قوامه لزوم «أن يتطرق أي حل طويل الأمد إلى وجود حزب الله وميليشيات أخرى في لبنان» ويستطرد مضيفاً «كجزء من أي حل يجب أن تتخلى كل من سوريا وإيران عن لبنان، ويجب أن يُعاد ترتيب النظام السياسي اللبناني بحيث تُعزَّز العناصر المعتدلة».
إبداعية عتسيون وجدت من ينافسها. ففي معرض تقديره لنتائج الحرب، رأى عضو لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، يوفال شتاينتس، أن «الجيش الإسرائيلي أنجز عملاً جيداً عبر تدمير البنية التحتية لحزب الله، التي تشكل جسمه، لكن الجيش لم ينتهِ بعد من تدمير الأذرع». أضاف النائب عن حزب الليكود (الوثيقة 06TELAVIV3198) الذي كان مجتمعاً بوفد من الكونغرس الأميركي «يجب على إسرائيل استئصال الوجود العسكري لحزب الله من جنوب لبنان».




كيف كان شارون سيردّ

في مطالعة طويلة عن مسار الحرب ونتائجها، عرض دوف فايسغلاس، المستشار السياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، أرييل شارون، تقديره لطريقة تصرف الأخير لو كانت عملية الأسر حصلت في عهده. وقال فايسغلاس للسفير الأميركي في تل أبيب، ريتشارد جونز (الوثيقة 06TELAVIV3432) إن شارون «ربما لم يكن ليرد على عملية خطف الجنديين، وبالتأكيد ليس رداً فورياً». أضاف «شارون – لو رد – كان سيعرف كيف لا يحدّد أهدافاً طموحة (مثل إعادة الجنديين وتدمير حزب الله) تتجاوز قدرته على تحقيقها. أما أولمرت وبيريتس، فقد اضطرا إلى الاستمرار في العمليات العسكرية، وكلما استطالت الحرب بدا وضعهما أسوأ». تابع فايسغلاس «عوضاً عن ذلك، كان شارون سيقول علينا أن نعاقب حزب الله، ثم كان سينزل بهم الضربات لعدة أيام ويعلن النصر وقتما يختار ذلك».
ووفقاً لفايسغلاس «لقد وضع أولمرت وبيريتس الكثير من الإيمان في ما قاله لهما (الجيش) وهما لم يكونا يمتلكان الخبرة التي تسمح لهما باقتراح بدائل. شارون كان يعلم أن جنرالات الجيش يبالغون دائماً في قدراتهم. كان يقول دائماً: خذ ما يقولونه لك واقسمه على عشرة».