بعد حرب تموز 2006، توطدت العلاقة بين حزب الله والتيار الوطني الحر. فالحزب يرى أن موقف النائب ميشال عون الداعم للمقاومة في الحرب هو «دين في رقبتنا إلى يوم القيامة». البرقيات الصادرة عن السفارة الأميركية في بيروت خلال شهر تموز من ذلك العام، تُظهر أن جزءاً من العونيين لم يكونوا كعون، إذ كانت آراؤهم أقرب إلى رأي 14 آذار في الحرب والمقاومة


قبل الأول من آب 2006، كان السفير الأميركي جيفري فيلتمان ينتظر أن يشاهد النائب ميشال عون معلناً فك تفاهمه مع حزب الله. السفير الذي يبدو من وثائق السفارة الأميركية خبيراً محلفاً بشؤون الطبقة السياسية اللبنانية، لم يكن يبني رهانه على الأمنيات حصراً.

فمنذ بداية الحرب، كان معظم الذين يبوحون بما في صدورهم لفيلتمان يخبرونه أن شعبية عون بين المسيحيين آخذة في التراجع. معظم من قالوا ذلك هم من قوى 14 آذار. لكن الرجل لم يستقِ معلوماته من مصدر سياسي واحد، بل سمع كلاماً مماثلاً من عونيين. وهؤلاء بارزون في التيار، وقريبون من عون. لم يكونوا يبثّون شكواهم للسفارة الأميركية من تراجع شعبية التيار، بل إن مضمون مواقفم السياسية يشبه إلى حد التطابق مواقف أكثرية قوى الرابع عشر من آذار خلال الحرب.
وهؤلاء العونيون لم ينالوا نصيباً من الاتهامات التي وجّهتها قوى المعارضة اللبنانية السابقة إلى قوى 14 آذار. اتهامات بالتخاذل لامست أحياناً حد الخيانة. بقيت آراؤهم مخفية في فيء موقف العماد عون الداعم للمقاومة، وهو الموقف الذي خيّب أمل فيلتمان في لقائه مع رئيس التيار الوطني الحر يوم 1 آب 2006.
في ما يأتي، عرض لوثائق صادرة عن السفارة الأميركية في بيروت، تتضمّن محاضر لقاءات أجراها دبلوماسيون أميركيون خلال حرب تموز/ آب 2006، مع ثلاثة قياديين من التيار الوطني الحر، هم النائبان إبراهيم كنعان وفريد الخازن والوزير جبران باسيل.

إبراهيم كنعان

في اليوم الثاني من الحرب (الوثيقة 06BEIRUT2390، تاريخ 14 تموز 2006)، التقى أحد الدبلوماسيين السياسيين العاملين في السفارة والنائب إبراهيم كنعان. قال الأخير إن الشراكة بين التيار الوطني الحر وحزب الله كانت «غلطة». عملية أسر الجنديين الإسرائيليين يوم 12 تموز يصفها كنعان بـ»التهوّر»، قائلاً إنها تهدّد بتدمير ديموقراطية لبنان، وبإعادته إلى الأحضان السورية. وبرأي كنعان، فإن «تغييراً جذرياً» يمكنه إنقاذ الوضع. فعون، بحسب النائب المتني، يدرك «حساسية اللحظة»، ومن المحتمل أن يصبح أكثر قابلية لـ»شراكة» مع رئيس الحكومة فؤاد السنيورة. يؤكد كنعان في نقاشه مع الدبلوماسي الأميركي أنه قادر على إقناع عون بحسنات اتفاق مماثل، مضيفاً إن شكلاً ما من حكومة الاتحاد بين قوى 14 آذار والتيار الوطني الحر سيمنع حزب الله من السيطرة «السافرة» على السلطة. صحيح أن في قوى 14 آذار، وخاصة بين المتنافسين للوصول إلى موقع رئاسة الجمهورية، مَن سيعارض التوصل إلى اتفاق مماثل، إلا أن كنعان يؤكد «غياب أي سبيل آخر لصدّ سعي حزب الله إلى وضع نفسه في موقع السلطة الأعلى في لبنان، وبالتالي، دعم المخططات الإقليمية لسوريا وإيران».
بعد خمسة أيام على الاجتماع الأول (18 تموز 2006)، التقى دبلوماسي أميركي مجدّداً النائب كنعان (06BEIRUT2417). كان الأخير «يبرّر» خطاب عون في اليوم السابق. قال إن كلام عون عن أن «إسرائيل تدمّر البلاد... الأرض المحروقة... وتدمير مناطق حيوية» كان من باب «الضرورة السياسية»، داعياً واشنطن إلى التركيز على الشق المتصل بـ»سيادة الدولة على كامل أراضيها» من خطاب عون.
في اللقاء ذاته، لم يعد كنعان يتحدث عن رغبته في وجود «شراكة بين عون والسنيورة». استبدل تلك الرغبة بالقول إن الاستراتيجية التي يمكن إنجاحها هي العمل المشترك بين عون وحكومة السنيورة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار. وبحسب كاتب الوثيقة الأميركية التي تحمل توقيع فيلتمان، فإن كنعان «لمّح إلى تأثير جبران باسيل عندما قال إن عون يستمع لبعض مستشاريه أكثر من غيرهم»، لكنه، أي كنعان، أكد أن الجنرال منفتح على كل الآراء داخل التيار الوطني الحر، «ويدرك الحاجة إلى تغيير في المسار». وقال كنعان إنه لا يزال جاهزاً للمساعدة على تسهيل هذا التغيير.

فريد الخازن

زميل كنعان في تكتل التغيير والإصلاح النائب فريد الياس الخازن كان في لقاءاته مع الدبلوماسيين الأميركيين أكثر انتقاداً لحزب الله من زملائه. يوم 13 تموز 2006 (وثيقة تنشرها «الأخبار» على موقعها الاكتروني لاحقاً) عبّر عن غضبه من «أكاذيب نصر الله في جلسات الحوار الوطني حين وعد بالحفاظ على هدوء الخط الأزرق». وبرأي الخازن، فإن اتفاق عون – حزب الله تحوّل إلى شيء يصعب الدفاع عنه. أما في برقية أخرى (06BEIRUT2390)، فكان الخازن أكثر تحفّظاً. تحدّث هاتفياً مع دبلوماسي أميركي (يوم 13 تموز 2006)، قائلاً إن حزب الله ألقى جانباً مسؤولياته تجاه لبنان، وأطلق «أزمة غير ضرورية» لها انعكاسات إقليمية وتعقيدات. أضف إلى ذلك أن الحزب «استخدم سلطات يجب أن تكون محصورة بيد الدولة، وعرّض أمن لبنان للخطر بدرجة عالية». وفي الاتصال ذاته، انتقد الخازن «الأكثرية التي يقودها الحريري»، مشيراً إلى ضرورة وقف دورة التوتر قبل أن تتضرّر البلاد.
بعد أربعة أيام على الاتصال، التقى الخازن دبلوماسياً من السفارة الأميركية في بيروت (06BEIRUT2417). وفي اللقاء، كان الخازن أشد انتقاداً لحزب الله، واصفاً طبيعة أعماله بـ»غير المسؤولة والمنافقة». قال النائب العوني إنه «نصح بقطعٍ تام لعلاقات التيار الوطني الحر بحزب الله». وكما زميله كنعان، رأى الخازن ضرورة قيام حكومة وحدة وطنية لمواجهة التحديات، مشيراً إلى أن عون صار جاهزاً للعمل مع رئيس الحكومة فؤاد السنيورة. «هما يتحادثان يومياً»، يقول الخازن، مشيراً إلى عدم تكوّن علاقة جدية بينهما، لكن الإطار العام للعلاقة صار موجوداً.
وبرأي النائب الكسرواني، فإن أي وقف لإطلاق النار سيكون بلا قيمة، وسيقود إلى عدم الاستقرار وتكرار الأعمال العدائية، إذا لم يتضمّن خريطة طريق تنص على الآتي: تبادل فوري للأسرى، نشر الجيش اللبناني في الجنوب وصولاً إلى الخط الأزرق، نزع فوري لسلاح حزب الله الثقيل (وخاصة الصواريخ)، «عودة» مزارع شبعا.
فبدون شبعا وتحرير «الأسيرين اللبنانيين أو الثلاثة»، يضيف نائب الأمة اللبنانية، سيكون حزب الله قادراً على لعب «ورقة المقاومة». ومن دون هذه الورقة، سيتحوّل الحزب إلى تنظيم سياسي عادي، أو «سيعلن هويته كوكيل سوري – إيراني».
ما لم يتوقعه كاتب البرقية الأميركية من «هذا النائب المحترم» (كذا في الوثيقة)، هو قوله بضرورة «تقليص» القدرات العسكرية لحزب الله إلى حد يدفع الحزب إلى «التوجّه نحو مَن يصرفون له الأموال في إيران ليقول لهم إنه قام بكل ما يمكنه فعله»، وإن عليه القبول بمتطلبات «خريطة الطريق». وطالب الخازن الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل لعدم قصف التجمعات السنية والمسيحية، وحتى الشيعية، والتركيز على الجناح المسلّح لحزب الله.

جبران باسيل

مواقف الوزير جبران باسيل خلف الأبواب المغلقة مناقضة تماماً لمواقف زميليه في التيار. وربما هي أكثر صلابة في الدفاع عن حزب الله، مما كانت تظهر في العلن. يوم 13 تموز 2006، قال لدبلوماسي أميركي إن الأمين العام للحزب، السيد حسن نصر الله، «نبّه بوضوح المشاركين في طاولة الحوار قبل أكثر من شهر، إلى أنه «سيعالج» قضية الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية». وتالياً، «لا ينبغي لأحد أن يكون متفاجئاً» بما جرى يوم 12 تموز. ورداً على سؤال الدبلوماسي الأميركي، أكد باسيل أن «حكومة السنيورة، لا حزب الله، هي التي تعوق تقدم لبنان».
بعد مرور أربعة أيام على اللقاء الأول، التقى باسل مجدداً أحد الدبلوماسيين العاملين في السفارة الأميركية (06BEIRUT2417). كرّر مواقفه ذاتها من الصراع، مدافعاً بقوة عن وثيقة التفاهم بين التيار الوطني الحر وحزب الله، مؤكداً أن ما يقوله يعبّر عن موقف عون. وشدد باسيل على أن حكومة السنيورة تتحمّل كامل المسؤولية عن الصراع الدائر، لأنها لم تتبنَّ خيار عون بالتفاهم مع حزب الله.
السفير الأميركي، فيلتمان، لم يقتنع، على ما يبدو، بأن باسيل يعبّر عن رأي عون. ففي الوثيقة ذاتها، كتب في تعليقه أنه يحافظ على صلة بمستشاري عون، تاركاً «الجنرال وحيداً»، ليأخذ وقته بالتفكير في خياراته السابقة والمستقبلية.