يسير النقاش حول القانون الانتخابي بخطى ثابتة نحو حفرة قانون 1960. هو نقاش الوقت الضائع. الحدث يُصنع في سوريا. وفي بلد الـ 10452 كلم مربعاً، يُملأ الفراغ بقانون الانتخاب لإشغال الناس قليلاً. النقاش الدائر حول القانون اليوم، يُذكّر بذاك الذي سبق الانتخابات البلديّة صيف 2010. حينها، طُرحت مشاريع ونوقشت أفكار تقدميّة، وأخرى رجعيّة. البعض أراد تعزيز دور المجلس البلدي، وعدم حصر السلطة برئيسه، آخرون أرادوا إدخال النسبيّة إلى الانتخابات البلديّة. لكن النتيجة كانت إجراء انتخابات بلديّة بالقانون ذاته.


اليوم، «الغالبية» تُريد إبقاء قانون الستين. على الأقل، ليس هناك من هو مستعد لخوض معركة قانون النسبيّة، بمعنى أن أحداً ليس مستعداً لدفع ثمن هذه المعركة.
بعض مؤيدي النسبيّة يُريد، ضمناً، كسر احتكار تيار المستقبل التمثيل السني. مشكلة المعارضين لآل الحريري ليست في حجم الدائرة. صيدا نموذج للدائرة الصغيرة، وبيروت أو طرابلس نموذج للدائرة الكبيرة. في الحالتين، الفائزون يدينون بالولاء للرئيس سعد الحريري. لذلك، إن النسبيّة هي الطريق الوحيد لضمان اللوحة الزرقاء لأسامة سعد وعبد الرحيم مراد وعمر كرامي (أو نجله فيصل) ووجيه البعريني وجهاد الصمد وغيرهم.
وفي الأصل، إن حجم تمثيل تيار المستقبل يتجاوز حجمه الحقيقي. أرقام انتخابات 2009 توضح هذه الصورة. قوى 14 آذار حصلت على 70 في المئة من الأصوات السنيّة، وهو ما يعني أن هذه القوى يُفترض أن تنال سبعين في المئة من المقاعد السنيّة، أي أن هذه القوى يفترض أن تحصل على 19 نائباً من أصل 27، فيما تبلغ حصتها اليوم 21 نائباً. وفي المقابل، نالت قوى 8 آذار 15 في المئة من أصوات السنة، ما يعني أن حصتها يفترض أن تكون أربعة نواب، فيما حصتها في الواقع تبلغ ثلاثة نواب (كامل الرفاعي والوليد سكرية في البقاع الشمالي، ونائب حاصبيا قاسم هاشم). أما الأصوات المتأرجحة في الطائفة، فكانت 15 في المئة أيضاً، وهو يعني حصولها على أربعة نواب، لكنها حصلت على ثلاثة؛ إذ يُمكن اعتبار النواب الطرابلسيين الثلاثة، نجيب ميقاتي ومحمد الصفدي وأحمد كرامي، ممثلين لهذه الفئة حالياً، رغم أن هؤلاء كانوا جزءاً من أكثريّة 14 آذار في المرحلة التي تلت الانتخابات.

المسيحيون وحجم الدوائر

إذا كان الصراع عند الطائفة السنيّة يتحدّد في شكل نظام الاقتراع، وهو ما يدفع تيّار المستقبل إلى إعلان الحرب على النسبيّة، تبدو اللعبة عند المسيحيين مختلفة. النسبيّة قد تُعطي كلّ طرف حجمه الطبيعي. لكن المؤكد أنها تُلغي طاولة المفاوضات الشاقة، بين حزبي الكتائب والقوات اللبنانيّة، وبعض الشخصيات الطامحة إلى الحصول على اللوحة الزرقاء، أو الحاصلة عليها. كذلك فإنها تُريح التيّار الوطني الحرّ من مشكلة بعض الشخصيّات المسيحيّة التي تدور في فلكه، وتتيح للجميع إمكانيّة التمثّل في مختلف الدوائر. المشكلة عند المسيحيين هي في حجم الدائرة؛ فكلما صغرت هذه، ظنّت أحزاب المسيحيين أنها قادرة على إيصال الأكثر تمثيلاً إلى ساحة النجمة. لذلك، إن ما قاله النائب ميشال عون عن تبني مشروع «صوت واحد لكل ناخب» (one man one vote) هو المشروع الأقرب الى قلوب غالبيّة نواب تياره ومسؤوليه.
كيف توزّعت الأصوات في 2009 ؟ نال فريق 8 آذار ما نسبته 52 في المئة من أصوات المسيحيين، ما يفترض حصوله على 33 نائباً، لكنه حصل على 27 نائباً فقط. في المقابل، نال فريق 14 آذار ما نسبته 37 في المئة من الأصوات، ما يعني حصوله على 24 مقعداً، فيما حصل في الواقع على 31 نائباً. ووصلت نسبة الكتلة المتأرجحة، أي من شكّلوا لوائحهم خارج الاصطفافات السياسية المباشرة، إلى ما نسبته 11 في المئة، ما يعني حصول هؤلاء على 7 مقاعد. ورغم أن النائب نقولا فتوش وحلفاء النائب وليد جنبلاط الثلاثة، كانوا جزءاً انتخابياً من 14 آذار، يمكن اعتبارهم اليوم من حصة المتأرجحين.
في المحصلة، عند المسيحيين، يمكن النسبية أو الدائرة الفردية أن تغير من النتائج.
أمّا عند الطائفة الشيعيّة، فالأمر سهل. العلاقة التي تربط قطبي الطائفة، حزب الله وحركة أمل، تجعل النتيجة شبه محسومة. أرقام انتخابات 2009 تثبت هذا الأمر. قدرة التجيير عند فريق الثامن من آذار وصلت إلى 91 في المئة من الأصوات، ما يعني حصول هذا الفريق على 24 مقعداً ونصف أو 25 مقعداً. في نتائج هذه الانتخابات، حصلت هذه القوى على 25 مقعداً، بعدما حصل فريق 14 آذار على مقعدين شيعيين، (عقاب صقر في زحلة وغازي يوسف في بيروت). الجديد في هذا المجال، هو إمكانيّة حصول خرق لا يتعدّى المقعد النيابي في الجنوب، لكن ذلك لا يُعطي فريق 14 آذار إمكانيّة تأليف كتلة نيابيّة شيعيّة تقابل كتلتي حزب الله وحركة أمل.

حصة جنبلاط الدرزية تكبر

ربما كانت العقدة الأبرز تكمن في رحلة البحث عن قانون الانتخابات في موقف النائب وليد جنبلاط. فالأخير يرى أن النسبيّة تهدف إلى ضرب موقعه في الحياة السياسية، من خلال تحجيم كتلته. لكن لأرقام الانتخابات الأخيرة كلاماً آخر. الكتلة الدرزية التي حسمت أمرها إلى جانب جنبلاط تصل نسبتها إلى نحو 70 في المئة، ما يعني حصوله على خمسة مقاعد ونصف، أي ستة مقاعد، وهو حصل بالفعل على خمسة مقاعد. لكن المفارقة ليست هنا؛ فقد حصل فريق 8 آذار على ما نسبته 17 في المئة من الأصوات، ما يعني حصوله على مقعد وثلث مقعد، ونالت الكتلة المتأرجحة بين الطرفين ما نسبته 12 في المئة من الأصوات، ما يعني حصولها على مقعد نيابي واحد. لكن هذه الكتلة المتأرجحة صبّت بكاملها في صالح فريق 8 آذار الذي حصل على ثلاثة مقاعد، ما يتجاوز الحجم الحقيقي لهذه القوى.
إذاً، النسبيّة، لا يُمكن أن تضرب وليد جنبلاط في المقاعد الدرزيّة. لا بل قد تُعزّز حصّته النيابيّة. لكن هذا المشروع قد يؤدي إلى ضرب الكتلة النيابيّة من خارج الحصة الدرزيّة، وهي التي كانت تُسمى اللقاء الديموقراطي.
هذا العرض للأرقام يُشير إلى أن الخوف من النسبيّة ليس مبرراً عند الأحزاب المهيمنة على الطوائف؛ لأن هذا الخيار في النظام الانتخابي لن يؤدي إلى تغيير جدي في حجم الكتل النيابيّة. لكن رفض النسبيّة، ينطلق من الخوف من أداء الناخب، الذي قد يجد لنفسه خيارات أخرى. وهنا أيضاً، قد تكون النسبية في مصلحة القوى الرافضة لها. ففي البقاع الشمالي، مثلاً، قد ترتفع نسبة مشاركة الناخب السني، بعدما يصبح لكل صوت قيمة مؤثرة (سجل تصويت ما نسبته 42 في المئة من السنّة في هذه الدائرة بينما المعدل العام للسنّة في لبنان في 2009 كان 54 في المئة). كذلك من الممكن أن ترتفع نسبة التصويت المسيحي في هذه الدائرة، وخصوصاً أن نسبة تصويت الموارنة كانت 16.6 في المئة. كذلك، يتحدّث البعض عن اختلاف يمكن أن يطرأ على أداء الناخب الجنوبي. ويتسلّح أصحاب هذه النظريّة بالفارق في النتائج بين الانتخابات النيابية والبلدية. ففيما اكتسح ثنائي حزب الله وحركة امل مقاعد الاولى، سُجّل العديد من الخروقات في الثانية، من قوى لا تختلف في السياسّة العامّة مع حزب الله وأمل، لكنها تُخالفهما في النظر إلى القضايا الداخليّة.
في الأداء السياسي للقوى، يتحدّث مسؤولون في ماكينات انتخابيّة لأحزاب فريق 8 آذار عن أن الرهان الأساسي هو على استمرار الخلاف بين البطريرك بشارة الراعي وفريق 14 آذار، لأن ذلك سيدفع حزب الكتائب إلى التمايز عن حلفائه، ودعم النسبيّة، أو ستكون النتيجة مشابهة لنتيجة 2005، عندما اكتسح تسونامي ميشال عون المناطق المسيحيّة، علماً بأن الجنرال جارى في حينه البطريرك نصر الله صفير في رفضه قانون الانتخابات. ويعتبر هؤلاء أن البطريركيّة تستطيع التأثير على أكثر من 10 في المئة من الأصوات المسيحيّة، وهذا ما خسره عون، في انتخابات 2009، بعد تحذير صفير من «المدّ الشيعي».
في المقلب الآخر، لفريق 14 آذار قراءته الخاصة. يقول معنيون بملف الانتخابات في تيار المستقبل إن الاستمراريّة هي لقانون الستين. عند السؤال عن رفض البطريرك لهذا القانون، يُجيب هؤلاء: «هل يستطيع البطريرك جمع مجلس النواب؟». تنطلق الثقة المستقبليّة من قناعة ومعلومات لدى هؤلاء بأن ميقاتي وعد جنبلاط بعدم طرح قانون الانتخاب على طاولة مجلس الوزراء.
في مكان ما، هناك من يُراهن على أن قانون الستين باقٍ باقٍ باقٍ، وأن كلّ النقاش الدائر هو جزء من المعركة الانتخابيّة لا أكثر.




الموارنة الأربعة يرفضون الستين

أعلنت «الأحزاب المارونية» الأربعة أمس رفضها لقانون الانتخابات النيابية الساري المفعول حالياً، والمعروف بقانون الستين. وصدر هذا الموقف بعد اجتماع اللجنة المنبثقة من اللقاء الموسع في بكركي أمس، بحضور النواب جورج عدوان وألان عون وسامي الجميل والوزيرين السابقين يوسف سعادة وزياد بارود. واللافت في هذا الموقف أنه الأول الذي يصدر بهذا الوضوح عن حزبي القوات اللبنانية والكتائب، المتهمين من خصومهما بأنهما سيرضخان لرغبة تيار المستقبل بإبقاء القانون الحالي لاعتماده في الانتخابات المقبلة. ولفتت مصادر اللجنة إلى أن المجتمعين أمس اتفقوا على أن يعودوا إلى اجتماعهم المقبل، على أن يكون في جعبة كل منهم رأي مرجعيته السياسية بشأن الخيار الأفضل للقانون الانتخابي. وبعدما أيقن أعضاء اللجنة أن مشروع اللقاء الأرثوذكسي غير قابل للحياة، قرروا الاختيار بين ثلاث صيغ رئيسية: مشروع فؤاد بطرس معدلاً، النظام النسبي، قانون الستين بعد تعديل الدوائر، وخاصة لناحية تصغير حجم كل الدوائر التي يزيد عدد مقاعدها على سبعة.
ورأى المجتمعون في بيانهم أمس «أن مرحلة الانتقال إلى اتخاذ القرار في هذا الصدد أصبحت ملحة»، لافتين إلى أن «القانون الحالي لا يراعي صحة التمثيل بالنسبة إلى المسيحيين، ولا يراعي مبدأ المناصفة الذي أقره اتفاق الطائف، وتعلن القوى المسيحية رفضها البقاء على هذا القانون». وأكدوا أنهم «في صدد الاتفاق على هذه البدائل وبلورتها بعد استكمال درس تفاصيلها، ليصار إلى تبني طرح انتخابي موحّد ترفعه اللجنة إلى اللقاء الموسع».