بعدما ساد الاعتقاد بأن الأمور بين تيّار المستقبل ومفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قبّاني تتجه نحو الهدوء، وأن الرئيس نجيب ميقاتي نجح في منع انفجارها، بدا أمس أن الخلاف بين الطرفين أعمق من أن يُعالج ببضع حقنات من المورفين. فقد رفع خمسة رجال دين من عكار (مقربين من مفتي عكار السابق أسامة الرفاعي الذي رفض قباني تمديد ولايته)، هم: عامر بركات، محمد الأحمد، بشير عبد القادر، سميح عبد الحي، يحيى الرفاعي دعوى اختلاس أموال الأوقاف الإسلاميّة وتبييض أموال على نجل المفتي، راغب قباني، والمهندس رشيد التنير.


وأكّد المدعي العام للتمييز سعيد ميرزا، لـ«الأخبار» أنه تسلم الدعوى أمس، رافضاً التعليق على الدعوى التي «لم أقرأها بعد»، علماً بأن دعوى سابقة مشابهة رفعها الراحل محمد رشيد قردوحي على قباني والتنير، كانت قد رُفضت لعدم اختصاص المحاكم المدنيّة والجزائيّة بالأوقاف الإسلاميّة، وهو الأمر الذي لم يُعلّق عليه ميرزا أيضاً. فيما علمت «الأخبار» أن مسؤول العلاقات العامّة في الدار الشيخ شادي المصري ونجل المفتي سيزوران وزير العدل شكيب قرطباوي اليوم.
واللافت أن تقديم الدعوى تزامن مع تكليف المفتي قباني لجنة مؤلفة من أمين الفتوى الشيخ أمين الكردي مقرراً، بهيج طبارة وعمر مسقاوي وسمير الجسر وخالد قباني وسهيل بوجي والشيخ محمد أنيس الأروادي وكمال أبو ظهر، وهي شخصيات متوافق على مهنيتها وحرفيتها، ومهمة اللجنة «درس مشروع التعديلات المتعلقة بالمرسوم الاشتراعي رقم 18/1955، ودراسة التنظيم الإداري والمالي للأوقاف الإسلامية، على أن ترفع اقتراحاتها في هذا الشأن إلى مفتي الجمهورية خلال مدة أقصاها شهران اعتباراً من 15 آذار، وتنتهي مهمتها في 14 أيار».
وفسّرت مصادر مطلعة لـ«الأخبار» هذا التزامن بأنه «هجوم مستقبلي على اللجنة وتقليل من أهميّة تشكيلها ودورها». كذلك إن رفع الدعوى يعدّ غمزاً من قناة الرئيس ميقاتي لإظهاره بمظهر غير القادر على الوفاء بوعوده، وهو ما علّق عليه أحد المقربين من رئيس الحكومة بالقول: «الله يوجّه كل خير لـ(رئيس الحكومة السابق فؤاد) السنيورة. كلما سكرناها بيخربها». إلا أن عدداً من مسؤولي تيّار المستقبل رفضوا التعليق على الأمر.
واللافت، إضافة إلى تزامن تقديم الدعوى مع إعلان أسماء أعضاء اللجنة، تعرض نجل المفتي لاعتداء بالضرب على أيدي شبّان مقربين من تيار المستقبل الشهر الماضي في اليوم التالي لقرار تشكيل اللجنة.
وكانت دعوة المفتي الشهر الماضي إلى انتخاب أعضاء المجلس الشرعي الإسلامي، رداً على اقتراحات تيار المستقبل إدخال تعديلات لتنظيم عمل دار الفتوى والحدّ من صلاحيات المفتي، قد أثارت خلافات حادّة وصلت إلى حد الانقسام داخل المجلس الشرعي الذي رفض عدد من أعضائه دعوة المفتي. وأدى تدخل ميقاتي إلى تنفيس الاحتقان والاتفاق على إلغاء الدعوة، وتشكيل لجنة لدرس التعديلات المقترحة.
وقالت مصادر لـ«الأخبار» إن «من السذاجة الاعتقاد بأن هذه اللجنة ستجد حلولاً جديّة، وكل ما في الأمر أنها تؤخر اندلاع المعركة»؛ إذ إن السنيورة وحلفاءه يُريدون إقرار التعديلات التي تحوّل المفتي من رئيس المسلمين، إلى رئيس المسلمين السنّة، وتكفّ يده عن رئاسة المجلس الشرعي، على أن يُنتخب غيره رئيساً للمجلس الذي يشرف على إدارة الأوقاف. وتتيح هذه التعديلات وضع اليد على الأوقاف والاستفادة الماليّة منها. في المقابل، يصرّ المفتي على موقفه: «لن أقبل بهذه التعديلات، وسأرفضها كما رفضها المفتي حسن خالد».
في هذا الوقت، استكملت دار الفتوى عمليّة الانفتاح على القوى السياسيّة اللبنانيّة؛ إذ زار أمس الشيخ المصري رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون في الرابية، واللقاء الذي كان يُعدّ من المحرمات في عرف تيار المستقبل، هو الأوّل من نوعه بين مسؤول في دار الفتوى والتيّار الوطني الحرّ.
وقد وضع المصري عون في أجواء «الحملة التي تتعرّض لها دار الفتوى» وأسبابها، واتُّفق على آليّة تنسيق مشتركة. كذلك بحثا مختلف القضايا السياسيّة، وتطرقا إلى موضوع الفساد، فأكد المصري «أن كلّ الفاسدين يجب أن يُحاسبوا وأن لا تسوّى ملفاتهم بغض النظر عن طائفتهم وموقعهم».
الى ذلك، علمت «الأخبار» أن الجيش اللبناني أبلغ أمس أحد المسؤولين في دار الفتوى، أن أحد التنظيمات السياسيّة يُراقب منزله في بيروت، وأن أفراداً من هذا التنظيم دخلوا إلى المنزل تحت غطاء جمعيّة إنسانيّة، مسجلة في شمال لبنان، وهو ما يتقاطع مع عدد من التحذيرات التي يُرسلها معنيّون أمنياً إلى عدد من المسؤولين في دار الفتوى، لكن هذه التحذيرات لم تدفع أحداً إلى تعزيز الإجراءات الأمنيّة في محيط المفتي أو دار الفتوى.