خلال احتفال الصلح الذي جرى في جبل أكروم بين أهالي الجبل وآل جعفر قبل أسبوع، تقرر عقد لقاء آخر في منزل ياسين علي جعفر. لم يكن يُتوقع أن يمثل اللقاء الثاني أكثر من تتمة بروتوكولية للقاء الأول وفق العادات العشائرية المرعية. اللقاء الأول ختم مساعي أشهر من جهود ومبادرات، ساهمت في إنجاحها قيادة الجيش ولجنة من فاعليات عكارية وأخرى بقاعية. لكن يبدو أن أشلاء ضحايا تفجيري طرابلس جعلت اللقاء الشكلي يأخذ منحى آخر.


كل شيء بارد في عكار والهرمل. كهرباء معطلة معظم فصل الشتاء، اتصالات متقطعة بحسب تضاريس المنطقة، طرقات تنشر الغبار لدى مرور سيارة أو شاحنة، مدرسة رسمية هزيلة لم يتفقد مسؤول أحوالها منذ عقود. فجأة، ومن دون سابق إنذار، ترتقي المنطقة إلى بوز المدفع، مدفع موال للنظام السوري أو مدفع آخر للمعارضة السورية يدكان في المنطقتين معاً، ولا يصيب المدفعان إلا أرواحاً متعبة وأرزاقاً بنيت بعد جهد ومشقّة، فقد فعل الحرمان التاريخي فعلته ولا يزال منذ بزوغ فكرة الجمهورية.
هل يقبل أهالي المنطقة أن تدور الدائرة عليهم؟ هل يقبلون أن يذبحوا مرتين: مرة وهم يأكلون فتات موائد الكبار، ومرة أخرى تأكلهم العصبيات المذهبية المتناحرة؟
وقعت الواقعة بين آل جعفر وأهالي أكروم منذ سنة. قتل أحمد بري ابن أكروم في منطقة على الحدود السورية على مقربة من مسكن جعفري. أجّجت الحادثة حقداً مذهبياً يتنامى بشكل مذهل. شُلت الحركة بين المنطقتين، ضرب أهالي الفريقين أخماسهم بأسداسهم، فكل فريق يعرف وجوه الفريق الآخر، وليس بمقدورهم الخوض في عمليات الثأر والثأر المتبادل.
تلقف الفريقان بحماسة مساعي الصلح. غالب كل منهما أصوات المحرضين لديه، وكأنهم استدركوا في قرارة أنفسهم وتساءلوا: لماذا تخترق حماوة القتل برودة كل شيء في جبالنا الوعرة؟
في لقاء الصلح الأول في جبل أكروم تسلل بخجل طيف مجزرة الرويس، أشار المصلحون إلى المجزرة من دون تسميتها صراحة، كان الصلح يافعاً فلم يحدث مفاعيله كاملة ولم يُعد العلاقات بين الجيران إلى حميميتها السابقة. ولربما لم يكن المجتمعون قد تيقنوا من امتداد آلة القتل المبتكرة وعبورها المناطق والطوائف والمذاهب.
حدث اللقاء الثاني لدى آل جعفر غداة تفجيري طرابلس. هول الكارثة اقترب، لعكار نصيب لا بأس به من الضحايا، شهيد للجيش اللبناني من بلدة الدبابية، طفلان لعائلة واحدة من قرية الشيخ زناد أفقر قرى سهل عكار، وجرحى من مناطق عكارية مختلفة بما في ذلك من جبل أكروم. كان من المفترض أن يكون اللقاء الثاني مناسبة يتبادل فيها العتاب أصدقاء مضى على افتراقهم سنة وبضعة أيام، لكن الجرح المفتوح مجدداً منح الخطباء فرصة تحويل اللقاء مدخلاً للمطالبة بمصالحة على مستوى الوطن.
تعمد عريف الاحتفال وهو يرحب بالوفود الآتية ذكر اسم النائب خالد ضاهر إلى جانب اسم محمود الحسن الذي كان منفذ عام الحزب السوري القومي الاجتماعي يوم وقوع مجزرة حلبا في مركز الحزب. لفت الجمع حضور ممثل عن حزب الله وعن التيار الوطني الحر إلى جانب ممثلين عن الجماعة الإسلامية وتيار المستقبل.
وفيما كانت وسائل الإعلام تبث سموم الاستثمار في دماء الضحايا الأبرياء من طرابلس والضاحية، وتعرض مواقف المفجوعين بمقتل عزيز، وصور الجرحى على أسرة المستشفيات قبل أن تجف دماؤهم أو تضمد، ولا يخفى على تلك الوسائل ما قد تخرجه انفعالات أولئك بعد سنين من الدس والتحريض المذهبيين من اتهامات عفوية تجاه الآخر الشريك في الوطن، وما قد تجره من ويلات، خصوصاً أن تلك الوسائل كانت تنقل صور مسلحين انتشروا في شوارع طرابلس، بعضهم مدفوع بعاطفة صادقة لحماية منطقته من سيارة مفخخة أخرى، وبعضهم الآخر مدفوع بتصريح قاتل لأمير حرب فتحت له تلك المحطات هواءها من دون رادع مهني أو أخلاقي. في تلك اللحظات أبى مفتي بعلبك الشيخ بكر الرفاعي إلا أن يدعو الحاضرين من رجال دين شيعة وسنّة ومسيحيين إلى ترؤس صلاة مشتركة على نية أرواح الضحايا من أبرياء طرابلس والضاحية وسواهم من العابرين صدفة لحظة وقوع الانفجارات في المنطقتين على السواء. وفي ذلك كان المفتي يختم ما أجمع عليه خطباء عكار والهرمل من طموح لجعل اللقاء مقدمة لمصالحة وطنية شاملة.
وبينما يجتهد المتخاصمون في التحشيد الطائفي والمذهبي من أجل تحسين نصيبهم في جنة السلطة، يدرك أبناء الهرمل وعكار أن ذلك التخاصم لن يضيف إلى حرمانهم إلا المزيد منه مجبولاً بهدر دمائهم لحساب هذا الفريق أو ذاك. وإذ سمع الجمهور كلمات تناشد الأحزاب والسياسيين أن يجتمعوا ويحقنوا الدماء، خرج متحدث من عرب وادي خالد، يجمع بين بساطة العشيرة وجرأة أبنائها، شكر أهالي أكروم والعشائر فصفق كثيراً له، لكن التصفيق ازداد عندما توجه إلى الأحزاب والسياسيين بقوله: «على راسي الأحزاب والسياسة بس لو تريحونا منكم ومن سياستكم».