(إلى العاشقين خلود سكريّة ونضال درويش، ومحاميهما طلال الحسيني)

لم تعد المزحة مسليّة. مع أحمد الأسير ينقضي الأمر بنكتة، رغم الهرج والمرج والتشويق والبلبلة ورشاشات البلاستيك. وفي أقصى الاحتمالات يمكن أن تُحلّ المعضلة برحلة استجمام إلى ربوع فاريّا. لكن حين يتكلّم مفتي الجمهوريّة شخصيّاً، تصبح المسألة جديّة، بل تنقلب المهزلة إلى تراجيديا مريعة. كنّا ننتظر كلّ شيء من سماحة الشيخ محمد رشيد قبّاني إلا أن يتكلّم في هذا الظرف، وبهذه الطريقة، ليقول كلاماً خطيراً تترتّب عليه تبعات فظيعة.

كلام يحار المرء كيف يصنّفه ويفهمه، وكيف يجادله ويردّ عليه، مع احترام المقامات والمؤسسات، ووجدان الجماعة التي يفترض به تمثيلها روحيّاً، وهي جزء أساسي من هذا الشعب، ومن صلب المجتمع اللبناني وروحه وهويّته. كنّا نظنّ المفتي قبّاني رمزاً من رموز الاعتدال والعقلانيّة، في زمن انفلات الأهواء والغرائز، وطغيان العصبيّات السرطانيّة على أنواعها. كنّا نظنّه يضع مصلحة الشعب والوطن نصب عينيه حين يفكّر ويجتهد، ويأخذ في الاعتبار، حين يتكلّم، أحكام الزمن ومتغيّراته، ومقتضيات العصر، ومنطق التطوّر البشري، مصغياً إلى حاجات الناس الذين يخاطبهم بشكل مباشر أو غير مباشر. فكيف بالأحرى حين يفتي؟ لكنّ «المفاجأة» التي أعدّها المرجع الروحي الرفيع، لشعبه الواقف على فوهة بركان، ممزّقاً بين واقعه البائس وتطلّعاته إلى الاستقرار والعيش الكريم، معلّقاً بين شكوى مُرّة من الراهن القاتم وخوف أخرس من الأعظم الآتي، تلك المفاجأة لم تكن في الحسبان.
منذ فترة، يعاني قبّاني من متاعب جديّة لا علاقة لها بالدين، بل بالسلطة، في حرب الوصاية السياسيّة الدائرة على «المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى». تلك الحرب التي يحتلّ فيها موقعاً أقلّويّاً. وكأننا به وجد الطريقة المثلى لكسر العزلة التي يعاني منها داخل طائفته. هكذا، ومن دون سابق إنذار، اقتحم الرجل دائرة الضوء. أطلّ ليعلن الحرب على المجتمع المدني، وليحرّض فئة من اللبنانيين على فئة أخرى ـــ باسم حماية القيم والدفاع عن المبادئ الدينيّة طبعاً ـــ دافعاً النقاش المشروع والمطلوب بين اللبنانيّين حول «قانون الزواج المدني الاختياري»، إلى أرضيّة عنيفة، ودمويّة، وإقصائيّة، لا تقلّ خطورة في عمقها عن التحريض على الحرب الأهليّة. بل إنّ تهديداته الصريحة، في الفتوى التي أصدرها مساء أمس، تقع تحت طائلة المادة 329 من قانون العقوبات اللبناني. يهدّد المفتي قبّاني «كلّ المسؤولين المسلمين في السلطة التشريعية والتنفيذية»، بأن من يوافق بينهم «على تشريع الزواج المدني وتقنينه، ولو اختيارياً، هو مرتد وخارج عن دين الإسلام، ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين».
حين يتّخذ مفتي الجمهوريّة مثل هذه المواقف التكفيريّة، فمعناه أن الجمهوريّة كلّها في خطر. كل مواطن حرّ بمبادئه، لكن هل يحق له أن يصادر الفضاء العام والحق العام، وأن يعتدي على الدولة المدنيّة باسم تلك المبادئ؟ ألم يقل أحد لسماحة المفتي إننا لم نعد في القرون الوسطى؟ أي تقدّم، أو سلم أهلي، أو اندماج نهائي، أي وطن يمكن أن تطمح إليه الأجيال الصاعدة، إذا كانت لعنة سيزيف ستلاحقها إلى أبد الآبدين في هذا الوطن اللامعقول؟ (نتذكّر هنا المصير الذي لاقته مبادرة الرئيس الراحل إلياس الهرواي حول مشروع قانون الزواج المدني الاختياري في عام ١٩٩٨). التفكير ممنوع، والاجتهاد ممنوع، وكل القضايا الحيويّة والمصيريّة التي تتعلّق بوجود المواطنين، بمستقبلهم، بسعادتهم، بحريّتهم الفرديّة، بحقوقهم كبشر، مصادرة سلفاً من قبل وصايات ومرجعيّات لا وجود قانونياً للأفراد من خارجها. نحن محكومون إذاً بالعيش في حرب أهليّة دائمة، وبالبقاء أسرى الطوائف التي لم نختر الولادة فيها، والتي تحول بيننا وبين الوطن، بيننا وبين الإنسانيّة، بدلاً من أن تكون القيم الروحيّة زادنا ومصباحنا وقوّتنا لمعانقة العالم، كما هي غاية كل الأديان وجوهرها (ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم).
المفتي قبّاني لا يكتفي بتعطيل النقاش المدني ومصادرته، فارضاً وصايته، وقراءته للدين، على شعب كامل، بل يذهب إلى حدّ التكفير. والتكفير ليس سوى الخطوة الأولى نحو إباحة الدم. والتكفير من أساسه عاهة فكريّة وحضاريّة، تعبير عن مرض يعتمل في ضمير الجماعة. لكن كيف يمكن لإنسان مؤمن وعاقل، على رأس سلطة دينيّة عليا، أن يكفّر عشرات (بل مئات) آلاف المواطنين، ويبيح دمهم ويقيم عليهم الحدّ؟ أي انحطاط هذا الذي يقودنا إلى ظلاميّة القرون الوسطى، خلف واجهة العقلانيّة والاعتدال والاجتهاد والتنوير؟ إن هذه المواقف من العوارض الجانبيّة لـ«الربيع العربي» المسروق الذي فتح علبة باندورا على كل أشكال الردّة. وأين؟ في بيروت؟ في عام ٢٠١٣. وفي زمن الردّة والانحطاط يحلو لنا أن نتمسّك بالعلامات المضيئة، فنستحضر أفكار العلّامة الراحل الشيخ عبدالله العلايلي، ونستنير باجتهاداته الفقهيّة. في كتابه «أين الخطأ؟» الصادر في عام 1978 (أعادت «دار الجديد» طباعته، 1992)، يرى أن رفض «الزواج المختلط» هو حالة انحسار إلى «المرحلة الطوطمية في النشوء الاجتماعي»، ويستدلّ على إباحة زواج المسلمة من كتابيّ بالآية الخامسة من «سورة المائدة»، مدافعاً كما يشرح لنا الدكتور وجيه كوثراني في مقالة قديمة في «المستقبل» (١٢/ ٤/ ٢٠٠٦)، عن «شريعة ترى الإنسان مصدر التشريع في ما هي مصالحه وضروراته». رحم الله روحك يا عبدالله العلايلي.