كان الاجتماع الشهريّ للمطارنة الموارنة ملتئماً في بكركي عندما كان رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي ينتقد «البدع» التي «اعتمدت في مرحلة الحرب لتسيير أمور الدولة»، متوقفاً عند «إيهام الناس بأمور غير صحيحة والتلاعب بغرائزهم الطائفية والمذهبية لغايات لم تعد خافية على أحد»، قبل أن يختم بأنه لن ينصت لـ«الأصوات المتحاملة» من هنا وهناك. ما هي إلا دقائق، حتى انضم صوت المطارنة «الأصوات المتحاملة»، فصدر من الصرح البطريركيّ (وليس من هنا وهناك) بيان رسمي يؤكد أنه «لا يحق لرئيس الحكومة المستقيلة أن يدعو المجلس للانعقاد من دون موافقة الوزراء، ولا يحقّ له أن يصدر مراسيم ويوقّعها من دون توقيع جميع الوزراء».


(هيثم الموسوي)

مع ذلك قرّر مكتب ميقاتي الذي يستنفر للرد على كل صغيرة وكبيرة، تجاهل مجلس المطارنة، ولم يشرح كعادته «الغايات غير الخافية على أحد» التي تحرك المجلس. علماً أن بيان المطارنة جاء تتويجاً لمواقف البطريرك بشارة الراعي الواضحة والصريحة في هذا الشأن، والتي استنفر ميقاتي قدراته الأخطبوطية للحد من التفاعل معها أو الترويج لها، سواء سياسياً أو إعلامياً. وهو ما يسمح بالقول إن ميقاتي، في حال كان القرار يعود له وحده، سيواصل التصرف بعد بيان المطارنة الموارنة كما قبله، فيما تتجه الأنظار إلى المكوّن المسيحي الوحيد في حكومته المتمثل بتيار المردة عموماً والوزير المحسوب على النائب فريد هيكل الخازن خصوصاً لمعرفة ما ينويان فعله بعد البيان، وإن لم يكن، تاريخياً، تأثير للبيانات السابقة لمجالس المطارنة على خيارات فرنجية السياسية.
وإذا كان بيان المطارنة الموارنة قد أتى بعيد بيان ميقاتي، فإنه أتى أيضاً غداة كلمة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله التي تطرق فيها إلى قضايا عدة توقف عندها مجلس المطارنة أيضاً. فبعد إشارة نصرالله إلى أن «أغلبية الخبراء الدستوريين» يقولون بدستورية اجتماع الحكومة، أكد مجلس المطارنة أنه «استناداً إلى الاجتهاد والفقه القانوني والنقاش الأكاديمي والمادة 62 من الدستور لا يحق لرئيس الحكومة المستقيلة أن يدعو المجلس للانعقاد». ومقابل إسهاب الأمين العام لحزب الله في تأكيد أن «لا نية لدى أحد بتغييب الموقع المارونيّ الأول»، قال مجلس المطارنة كلاماً هو الأول من نوعه عن «مُخططٍ» لإحداثِ فراغٍ في المناصب المارونية خصوصاً والمسيحية عموماً.
لا شكّ في أن الجزء الأول من بيان مجلس المطارنة سيحظى بالاهتمام السياسي الأكبر، فيما الجزء الثاني هو الأكثر خطورة في تبنيه فكرة «نية خفيّة ترمي إلى تغيير هويّة لبنان» و«تلاشي الدولة لوضع اليد على أشلائها». وهو كلام لا يمكن فصله عن البند السادس الذي يكاد لا يخلو بيان للمطارنة منه حول «تفاقم الأوضاع الاقتصادية والمالية والاجتماعية». إذ تشير الأرقام التي يتداولها المطارنة الموارنة إلى نزيف ديموغرافي كبير. فقبل 17 تشرين الأول 2019، كان لتراجع قطاعات العقارات والسياحة والمقاولات تأثيره على الهجرة المسيحية، قبل أن ينهار القطاع المصرفي وتتراجع قدرات قطاعي الاستشفاء والتعليم (بعد 17 تشرين) بكل ما تمثله هذه القطاعات على الصعيد التوظيفي المسيحي، ما يفتح أبواب هجرة يمكن للطوائف الأخرى تحملها بعكس المسيحيين. وهذا ما يقابل بلا مبالاة من جهة و«تصدّ وصمود» من جهة أخرى، من دون أن يعير أحد اهتماماً جدياً لهواجس المرجعيات المسيحية وقلقها من عدم وجود أي قدرة ديموغرافية على تحمل هذا الاستنزاف الجديد.
وعليه، يرتبط الجزء الأول من بيان مجلس المطارنة بالحدث السياسي الآني المتعلق بعمل مجلس الوزراء، ويمثل دعماً كبيراً لموقف التيار الوطني الحر بما يحول دون مواصلة ميقاتي ومن خلفه تصوير المشكلة كما لو أنها خاصة مع رئيس التيار جبران باسيل. وهنا، يفترض بالتيار أيضاً أن يجتهد لوضعها في خانة المشكلة مع مجلس المطارنة مجتمعاً لا معه هو شخصياً.
أما الجزء الثاني فيتناول المشهد العام الأوسع، متناغماً أيضاً مع ما يطرحه التيار لجهة المقاربة الشاملة للأزمة بدل الوقوف عند جزئية من هنا وأخرى من هناك. علماً أن من يطلعون على نقاشات الإكليروس المارونيّ مع السياسيين والإعلاميين والأكاديميين «يُصدم» من المواجهة الشرسة التي تخوضها الكنيسة من أعلى هرمها اللبنانيّ ضد الأفكار الانعزالية والتقسيمية التي تدغدغ جيلاً جديداً من الموارنة، إضافة إلى جيل قديم لم تجذبه الموجة التقسيمية السابقة وبات مقتنعاً اليوم أن خياراته في ما يخص بناء الدولة، والدولة العادلة، والتحالفات السياسية الطائفية، كانت خاطئة.
لا يعني هذا أن الفيدرالية المستحيلة تقف خلف الأبواب، ولكن ينبغي التأكيد أن بيان المطارنة الموارنة وضع في بنوده أمس الإصبع على حالة قلق وجودي يعيشها مسيحيون كثر. فطوال عقود كان الانقسام المسيحي يتركز بين قوات لبنانية تريد، بعيداً عما يقوله سمير جعجع في خطاباته، لبنانَ مسيحياً، وعونيين يقولون إن لبنان «أصغر من أن يقسّم» ويعدون الناس بدولة قوية عادلة تنصف الجميع. وإذا بانهيار ما تبقى من هذه الدولة (اقتصادياً واجتماعياً وتربوياً واستشفائياً ووظيفياً) يحصل في العهد العونيّ ليقفزوا إلى خلاصات تسمح بتوحيد المزاج المسيحي العام خلف اللامركزية الموسعة الإدارية والمالية وغيرهما.
التركيز العوني ينصب في هذه المرحلة على تجاوز التفاهمات التي لا يمكن تطويرها إلى تفاهمات بديلة


الأمين العام لحزب الله أشار في خطابه إلى أن الحزب كان يعلم أن لمشاركته في الاجتماعات الحكومية «تداعيات قبلنا بها». وإذا كانت التداعيات السياسية الوحيدة هي تلك المرتبطة بتوتر العلاقة بين الحزب والتيار، فقد عبّر الأمين العام بوضوح عن قبول الحزب بهذه التداعيات، من دون أن يتضح ما إذا كان السيد قد قصد باسيل بقوله إن «بعض الزعماء الذين لا يحسون بمعاناة الكهرباء لأن لديهم كهرباء ليل نهار»، طالما أن باسيل كان المعارض الوحيد لانعقاد الجلسة بحجة تأمين الكهرباء.
تجدر الإشارة إلى أن رئيس التيار كان قد تدخل مباشرة بعد الخطاب السابق للأمين العام لضبط إيقاع الردود والتعليقات العونية، فيما كانت الأمور أسهل بكثير أمس، بحكم الالتزام العونيّ الرسمي بعدم التعليق. في ظل تأكيد مصادر عونية أنها لم تكن تتوقع أي مقاربة مختلفة بعد «التزام الحزب» بنقل التباين في وجهات النظر بينه وبين التيار من الملف الرئاسي إلى الملف الحكومي أيضاً. ولا شك هنا أن التركيز العوني ينصب في هذه المرحلة على تجاوز التفاهمات التي لا يمكن تطويرها، لتطوير تفاهمات بديلة، حيث يمكن الانتقال مع البطريركية المارونية مثلاً من التماهي في الملف الحكومي إلى التماهي أيضاً في ملف التحقيق في قضية تفجير مرفأ بيروت، والتحقيقات المالية الأوروبية طالما رحّب المطارنة بها في بيانهم. وإذا كان تمايز التيار عن الحزب في هذين الملفين سابقاً للتوتر الأخير، فإن المرجح أن تتسع الهوة هنا أكثر. وإذا كانت بعض مصادر الحزب قد وجدت في كلام المطارنة عن اجتماعات الحكومة مدخلاً للمخرج كونه يسحب الغطاء الميثاقيّ المسيحيّ بالكامل عن حكومة ميقاتي، فإن ذلك سيزيد الأمور تعقيداً مع التيار بدل أن يحلها، حيث بات موقف الحليف (التيار) لا يكفي وحده ويحتاج إلى حليف معه (البطريركية).

بكركي تصر: خطة لفراغ المواقع المارونية
يبدو أن البطريركية المارونية في وارد الانتقال إلى مرحلة جديدة من المواجهة حول ما تعتبره «حقوقاً مسيحية معرضة للخطر». لذلك خرج مجلس المطارنة، بعد لقائه الشهري أمس، من دائرة المواقف التقليدية بمتابعة التحقيقات في جريمة مرفأ بيروت أو الدعوة إلى انتخاب رئيس للجمهورية سريعاً، إلى الحديث عن «نقزة» جدية إزاء «مخطط» لإحداث فراغ في المناصب المارونية.
وبحسب مصادر مطلعة، يعمل البطريرك الماروني بشارة الراعي، منذ فترة، على جمع معطيات من قوى سياسية وشخصيات عاملة في الإدارة العامة حول المناصب المارونية والمسيحية الشاغرة أو التي ستشغر قريباً. وأشارت إلى أن لدى الراعي خشية، بعد الفراغ الرئاسي، من إجراءات تطيح بحاكم مصرف لبنان الماروني من دون تعيين بديل عنه، وهو ما يحدث في بعض الإدارات كوزارة المالية التي شغر فيها منصب مديرها العام الماروني والمجلس الأعلى للخصخصة ولجنة الرقابة على المصارف، مع احتمال انسحاب هذا الشغور إلى أجهزة مدنية وعسكرية.
وبعدما كان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أشاع أجواء عن حصوله على ما يشبه التفويض من الكنيسة في شأن عقد جلسات للضرورة، أصرّ المطارنة على اتخاذ موقف أكثر وضوحاً، لافتين إلى أن «التمادي المقصود في شغور سدّة الرئاسة يولّد أزمة دستوريّة على صعيد الحكومة المستقيلة. فوفقاً للتوافق الجاري، واستناداً إلى الاجتهاد والفقه القانوني والنقاش الأكاديمي، لا يحقّ لرئيس الحكومة المستقيلة أن يدعو المجلس للانعقاد من دون موافقة الوزراء، ولا يحق له أن يصدر مراسيم ويوقّعها من دون توقيع جميع الوزراء، عملاً بالمادة 62 من الدستور». ودعوا إلى العودة إلى الاجتهاد الدستوري من أجل تحديد الإطار القانوني «لتصريف الأعمال العاديّة» و«الأعمال المهمّة» و«حالات الطوارئ». كما حذّروا من «وجودِ مُخططٍ مرفوض، لإحداثِ فراغٍ في المناصب المارونية خصوصاً والمسيحية عموماً في الدولة، وإنْ دلّ ذلك على شيء، فعلى نيّة خفيّة ترمي إلى تغيير هويّة لبنان المبنيّة على الحريّة وصون كرامة المواطنين، وهي قضيّة لبنان الأساسيّة، كما ترمي إلى تلاشي الدولة اللبنانية وصولاً إلى وضع اليد على أشلائها. وهو ما سيتصدّى له اللبنانيون واللبنانيات بكلّ قواهم».