في لقاء طويل مع فريق العمل الحكومي في حزب الله، قبل بضعة أيام، كان الأمين العام السيّد حسن نصر الله واضحاً وجازماً في ثلاث نقاط رئيسية:

أولاً، لبنان بشكله الحاليّ وجغرافيته وتعدّديته هو الوطن النهائي لجميع أبنائه، ولا نريد فيه أن نكون الحزب القائد ولا الطائفة القائدة، وإنما شريك كامل متكامل في الحقوق والواجبات، لا أكثر ولا أقل.
ثانياً، لن نخرج من التفاهم مع التيار الوطني الحر إلا إذا (...) أراد التيار ذلك.
ثالثاً، لا صحة لكل ما شاع عن أن الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء كانت رسالة سياسية أو صفعة أو غيرها مما وصفت به. «موقفي أقوله أمام الله. وُضعنا من أقرب المقرّبين إلينا في القطاع الاستشفائي بخطورة ما تواجهه المستشفيات عموماً ومرضى السرطان خصوصاً، كما قطاع الاتصالات عموماً وهيئة أوجيرو وخدمة الإنترنت خصوصاً، في حال لم تنعقد الجلسة. أجرينا اتصالات مع النائب جبران باسيل الذي كان حاسماً برفض انعقاد الجلسة بناءً على موقفه باعتبار الحكومة مستقيلة. فيما رئيس الحكومة في المقابل كان مصرّاً على أن تيسير هذه الأمور لا يتحقق إلا بعقد جلسة. عملنا على تصغير جدول الأعمال، وبين رفض الوزير باسيل وإصرار الرئيس نجيب ميقاتي، اخترنا أن نقوم بما يسهّل تلبية حاجات الناس، مع تفهم عدم المشاركة العونية، من دون أن تكون لذلك أي أهداف سياسية أو رسائل أو غيرها، وخصوصاً أن التواصل كان قائماً بهذا الشأن مع باسيل». وتابع السيد: «فجر يوم الجلسة، كانت المعلومات تشير إلى نجاح باسيل في تعطيل الجلسة عبر مقاطعة ثلث الوزراء، ومن جهتنا لم نستنفر أو نجر أيّ اتصالات لعقد الجلسة. ورغم الوضع الطارئ، كنا نعتقد بأن إلغاء الجلسة يمكن أن يفتح الباب أمام خيارات أخرى، لكننا فوجئنا لاحقاً بحضور عضو تكتل لبنان القوي وزير الصناعة (جورج بوشكيان) الذي أمّن النصاب».
وإذا كان الاقتباس ينتهي هنا، فإن مطّلعين على أجواء الحزب يلفتون إلى أن أحداً لا يمكنه أن يمنع التيار من الخروج من تفاهم مار مخايل إذا كان هذا ما يريده. وإذا كان كثيرون يتوقفون عند خلفيات انزعاج التيار من الحزب، فإن لدى الحزب أسباباً للانزعاج أيضاً، وتحديداً في ثلاثة أمور:
أولها، عدم تفويت التيار مناسبة من دون إلقاء أسباب فشل عهد الرئيس ميشال عون على حليف حزب الله الرئيس نبيه بري وحده، على نحو بات يوحي وكأن الحزب هو من أفشل العهد وحمى الفساد، لا الحصار الأميركي والعقاب الجماعي للشعب اللبناني وممارسات كثيرة أخرى يتحمل الجميع مسؤوليتها من دون استثناء، وهذا ما لم يعد يجوز التغاضي عنه وخصوصاً أنه ينسجم بالكامل مع رواية المجتمع المدني والإعلام المعادي للعونيين أنفسهم وللحزب.

لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه ولا نريد أن نكون الحزب القائد ولا الطائفة القائدة


ثانيها، إصرار الرأي العام العوني تكراراً على أن تفاهم مار مخايل حمى أو يحمي المقاومة، فيما الواقع في حسابات المقاومة أن التفاهم عزّز موقف الحزب وحضوره وأعطى زخماً لقضيته وفتح آفاقاً جديدة للعمل السياسي في لبنان، لكن المقاومة تحمي نفسها بنفسها. ورغم تقديرها الكبير لسياسة التفاهمات، فإن من ضحّوا بالشهداء لا يستسهلون تكرار ما يقوله بعض السياسيين والإعلاميين بأنهم حموا المقاومة. وإذا كانت بيئة التيار تمرّ على هذا التفصيل مرور الكرام، فإنه بات مثار حساسية لدى المقاومة.
أما ثالثها فيرتبط بالتسريب لباسيل من فرنسا. إذ تؤكد المصادر أن النقاش في الاستحقاق الرئاسي وتحديداً ترشيح رئيس تيار المردة النائب السابق سليمان فرنجية لم يكن قد اختتم بالكامل في اللقاء الأخير بين نصر الله وباسيل، وأنهما اتفقا على مواصلة النقاش لاحقاً، قبل أن يأتي كلام باسيل ليوصد الأبواب أمام الـ«لاحقاً». وهو ما تكرر في أكثر من ملف خرج إلى الإعلام، سواء تسريباً أو مباشرة، قبل انتهاء النقاش فيه. وهنا ثمة تضارب بين وجهتَي نظر القيادتين، حيث تعتقد قيادة التيار أن النقاش كان قد اختتم بالفعل. مع العلم أن تسريب باسيل مثّل إحراجاً كبيراً للمدافعين بقوة عن باسيل في قيادة الحزب.
وإذا كانت هذه النقاط شكلية إلى حد ما، فإن النقطة الأساس في المضمون تتعلق بالاختلاف الأول من نوعه في التقييم السياسي للمرحلة الحالية وخريطة الطريق الخاصة بالمرحلة المقبلة. فقد بات واضحاً أن للحزب تصوراً وللتيار تصوراً آخر. والتحدي الرئيسي هو ضبط هذا الاختلاف وإبقاؤه عند حدود معينة وعدم المسارعة إلى قطع خطوط التواصل والاتصال وفتح جبهات افتراضية لا يمكن أن تفيد الطرفين. مع الأخذ في الحسبان أن ثمة مشكلة جدية وكبيرة بين الطرفين في ما يخصّ نظرة كل منهما إلى الآخر، وفي ما يخصّ التطمينات والضمانات والأولويات. ولا شك في أن الإيجابية الرئيسية اليوم تكمن في قول الحزب إنه لن يخرج من التفاهم إلا إذا أراد التيار ذلك، تماماً كما يقول التيار إنه لن يخرج من التفاهم إلا إذا أراد الحزب ذلك. إذ لا يريد أيّ منهما تحمّل مسؤولية كونه السبّاق في الخروج، وهو ما يمنحهما الوقت سواء لإعادة صياغة تفاهم جديد قبل ذكرى التفاهم القديم في 6 شباط أو لتأمين خروج هادئ بالتكافل والتضامن من التفاهم.